من سلام “الشجعان” إلى سلام “البلطجة”

من سلام “الشجعان” إلى سلام “البلطجة”
“قد تنجح القوة في فرض واقع لفترة من الزمن، لكنها لا تُنتج شرعية، ومن يبني سلامه على التقنيات الحربية المتطورة، يبقى مضطرًا لحمايته بالقوة ذاتها، ويعيش في خوف دائم من لحظة يختل فيها ميزان التقنيات”.
ليس في قاموس دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو ما كان يُعرف يومًا بـ”سلام الشجعان”، ذلك التعبير الذي أطلقه أنور السادات، ثم عاد وظهر في تجربة ياسر عرفات وإسحاق رابين، حين كان السلام يُفهم بوصفه شجاعة متبادلة بين خصمين يعترفان ببعضهما، لا نتيجة غلبة يفرضها طرف على آخر.
السلام لدى نتنياهو هو سلام القوة وإذلال الأطراف الأخرى، بل ويريد منها اعترافًا بالخضوع والاستسلام وتسمية “البلطجة” سلامًا.
إنه مشروعٌ متكامل كما أعلنه لإعادة تشكيل الإقليم، حيث لا تُطرح المفاوضات كمسار، بل كإجراء شكلي للتوقيع على شروط جاهزة، ليس للجانب المغلوب فيها دور سوى التوقيع، وهو ما يعرض على العرب وعلى غيرهم من شعوب المنطقة مجتمعين ومنفردين.
هذا كان قبل بدء الحرب الحالية مع إيران وما زال مستمرًا حتى اليوم، وحيث يصبح القبول العربي والإقليمي نتيجةً لا مفر منها، لا خيارًا سياسيًا قابلًا للنقاش، وبهذا المعنى لا يُنظر إلى أي المفاوضات بين الولايات المتحدة وإسرائيل مقابل إيران إلا بقدر ما يجري تكريس هذه الشروط المسبقة.
الفكرة في جوهرها ليست جديدة، لكنها تُطرح اليوم بصيغة أكثر وقاحة، لا تقوم على إنهاء الصراعات بل توقيع استسلام، من قطاع غزة إلى طهران مرورًا بكل العواصم في المنطقة.
في السنوات الأخيرة، شهدنا تسارعًا في مسار التطبيع، بدأ مع الإمارات العربية المتحدة والبحرين، ثم امتد إلى المغرب والسودان، ليُضاف إلى مسار أقدم مع مصر والأردن، وهي خريطة تُقدَّم باعتبارها نجاحًا، وتعكس تحوّلًا في طبيعة الصراع من مواجهة شاملة إلى شبكة علاقات تُدار بمنطق المصالح الثنائية، لا بمنطق الحل التاريخي. ودار الحديث عن تطبيع وشيك مع السعودية، إلى أن جاء السابع من أكتوبر وما تلاه من حرب إبادة على غزة ليُظهر أن هذا المسار يمكن أن يتعثر، وأن الشعوب العربية، رغم القمع، ما زالت مرتبطة عاطفيًا بالقضية الفلسطينية، فأعلنت السعودية رفضها للتطبيع المزمع قبل حل القضية الفلسطينية، بل إن أصواتًا عالمية، خصوصًا في أوروبا، بدأت تعيد طرح الأسئلة ذاتها حول العدالة والمعايير المزدوجة.
تحمل الحرب الحالية، إضافة إلى تدمير إيران وحزب الله (الغارات على اليمن متوقفة لأسباب تكتيكية)، رسائل موجهة إلى دول الخليج، وعلى رأسها السعودية، مفادها أن من يريد الاستقرار عليه أن يتموضع إلى جانب القوة التي تفرض الإيقاع، لا أن ينتظر تسويات قد لا تأتي، ولهذا يسعى نتنياهو إلى إفشال أي محاولة تسوية بين واشنطن وطهران ما لم تنته باستسلام طهران الكامل، لأن خروج إيران من المواجهة دون هزيمة واضحة يهدد مشروعه الإقليمي، ويظهر منافسًا جدّيًا لإسرائيل ولأميركا في المنطقة.
برز موقف السعودية خلال حرب الإبادة في قطاع غزة، وموقف السعودية يعتبر الأهم من بين دول الخليج، فثقلها الديني والسياسي يجعل أي خطوة منها بمثابة إعادة تعريف للموقف العربي والإسلامي، ولذلك لا يُنظر إلى التطبيع معها كاتفاق إضافي، بل كنقطة تحول تاريخية، ومع أن موقفها المعلن ما زال يربط التطبيع بقيام دولة فلسطينية، فإن الضغوط عليها، خصوصًا من الولايات المتحدة، تسعى إلى إعادة صياغة هذا الشرط أو تأجيله، بما يتناسب مع إيقاع التحولات التي يحاول نتنياهو فرضها عبر الحرب. وهذا ما عبر عنه نتنياهو بأنّ سلام القوة سوف يطبّق بعد هزيمة إيران، أي أن التطبيع مع السعودية هي الخطوة التالية بعد إخضاع إيران.
السلام وفق نتنياهو هو الاعتراف بالخضوع، والترتيبات المفروضة على المغلوب بأن ينفذها.
ولكن مشروع نتنياهو رغم صلابته الظاهرة، فهو هشّ في عمقه، لأنه قائم على ميزان قوى قابل للتغيّر.
في ظل هذه السياسة العمياء، بدأت تتشكل مؤشرات على تململ داخل الولايات المتحدة نفسها، حيث بات الدعم غير المشروط لإسرائيل يثير أسئلة لدى قطاعات من الرأي العام، ليس فقط من زاوية أخلاقية، بل أيضًا بسبب كلفته الاقتصادية والسياسية.
قد تنجح القوة في فرض واقع لفترة من الزمن، لكنها لا تُنتج شرعية، ومن يبني سلامه على التقنيات الحربية المتطورة، يبقى مضطرًا لحمايته بالقوة ذاتها، ويعيش في خوف دائم من لحظة يختل فيها ميزان التقنيات، وما يُفرض بالبلطجة باعتباره سلامًا، ليس في جوهره سوى صمتٍ يسبق جولات أخرى أشد قسوة من الصراع.




