مقالات

من «عمارة المساجد» إلى عمارة شؤون الأم.

قراءة معاصرة في مفهوم المسجد عند محمد شحرور.

من «عمارة المساجد» إلى عمارة شؤون الأم.
قراءة معاصرة في مفهوم المسجد عند محمد شحرور.

بقلم الأستاذ: علي او عمو.
كاتب من المغرب.

يقول تعالى: (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَٰئِكَ أَنْ
يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ)..
تبدو كلمة «المساجد» في هذه الآية، للوهلة الأولى، واضحة
الدلالة: أماكن مخصصة للصلاة والعبادة. لكن القراءة التي قدمها
الدكتور محمد شحرور تفتح باباً آخر لفهم هذا المصطلح، بعيداً
عن حصره في البناء المعروف اليوم باسم المسجد..
فالمسجد، في أصل دلالته، مرتبط بالسجود، وليس بالضرورة
اسماً لبناء ذي مواصفات هندسية محددة. ويُروى عن شحرور
أنه كان يرى أن المسجد في المجتمع الإسلامي الأول كان فضاءً
تُدار فيه شؤون الناس وتُناقش قضاياهم، وعندما يحين وقت

الصلاة تُقام الصلاة في المكان نفسه؛ أي أن الصلاة كانت إحدى
وظائف المسجد، وليست الوظيفة الوحيدة التي أُنشئ من أجلها..
وهنا تبرز ملاحظة قرآنية شديدة الأهمية: الآية تقول «يعمر
مساجد الله» ثم تقول بعدها مباشرة «وأقام الصلاة». ولو كانت
عمارة المسجد تعني إقامة الصلاة فقط، لكان العطف بين
العبارتين محل تساؤل. أما إذا كانت العمارة أوسع من الصلاة،
فإن المعنى يصبح أكثر اتساقاً: هناك عمارة للمساجد، وهناك
إقامة للصلاة، وهما أمران مرتبطان ولكنهما ليسا شيئاً واحداً..
ومن هذا المنظور يمكن أن نفهم «عمارة المساجد» باعتبارها
عمارة للمجال الذي تجتمع فيه الجماعة وتدير شؤونها؛ عمارة
تقوم على العدل والأمانة والصدق وحفظ الحقوق وصيانة أموال
الناس، لا على تشييد الجدران وحدها.
وتزداد أهمية هذا الفهم عند الانتقال إلى العصر الحديث.
فالمجتمع لم يعد يدير شؤونه في المسجد بالمعنى التاريخي
القديم، بل أنشأ مؤسسات متخصصة: البرلمان، والحكومة،
والمجالس المنتخبة، والإدارات والمؤسسات العمومية. وهذه
المؤسسات، من حيث وظيفتها الاجتماعية، أصبحت أماكن تُناقش
فيها شؤون الأمة وتُتخذ فيها القرارات التي تمس حياة
المواطنين..
وبحسب القراءة التي ينسبها شحرور إلى مفهوم «المسجد»،
فإن وجود مكان للصلاة داخل بعض هذه المؤسسات الحديثة لا

ينبغي أن يكون مجرد إجراء شكلي، بل تذكيراً بأن إدارة شؤون
الناس لا ينبغي أن تنفصل عن القيم التي أمر الله بها..
فالبرلمان الذي يناقش القوانين، والحكومة التي تدير المال العام،
والإدارة التي تقضي مصالح المواطنين، ليست مجالات مباحة
للكذب والغش والرشوة والظلم وأكل أموال الناس بالباطل. وإذا
كانت هذه المؤسسات هي المجال الذي تُدار فيه شؤون الأمة،
فإن عمارتها الحقيقية تكون بإقامة العدل والأمانة والمسؤولية
فيها..
ومن هنا يمكن أن نعيد النظر في مفهوم العبادة نفسه: الصلاة
عبادة يؤديها الإنسان، أما إصلاح شؤون المجتمع فهو مسؤولية
جماعية. والشعائر الفردية لا ينبغي أن تنفصل عن آثارها في
الحياة العامة؛ فالصلاة التي لا تنعكس على سلوك الإنسان
وأمانته وعدله تفقد جانباً مهماً من غايتها الأخلاقية..
ويأتي قوله تعالى:
(وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا)..
ليضع مبدأ آخر: ما كان لله لا ينبغي أن يتحول إلى مجال للهوى
والفساد والشرك بالمبادئ والقيم التي جاء بها القرآن..
وهنا تصبح عمارة المساجد أكبر من عمارة الحجر؛ إنها عمارة
الإنسان والمجتمع والمؤسسات بالقيم التي تحفظ كرامة الناس
وحقوقهم..
ومن هذه الزاوية، قد يكون من المفيد في عصرنا أن نسأل: هل
نعمر المؤسسات التي تدير شؤون الأمة بالمعنى الحقيقي

للعمارة، أم أننا نكتفي ببناء المساجد وتوسيعها بينما تبقى
مؤسساتنا عرضة للفساد والظلم وسوء التدبير؟..
إن عمارة الحجر سهلة، أما عمارة الإنسان والعدل والمؤسسات
فهي الاختبار الحقيقي..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب