من وقف إطلاق النار إلى خنق إيران: هل تُعيد واشنطن إنتاج حربٍ بأدوات أخرى؟..

من وقف إطلاق النار إلى خنق إيران: هل تُعيد
واشنطن إنتاج حربٍ بأدوات أخرى؟..
الأستاذ: علي او عمو.
كاتب من المغرب.
لم يكن وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران،
وما رافقه من وساطة باكستانية ـ قطرية، مجرد لحظة
عابرة في مسار صراع طويل ومعقد، بل بدا في مرحلة
معينة وكأنه فرصة لفتح نافذة دبلوماسية يمكن أن
تقود إلى تفاهم أوسع يضع حداً للتصعيد، ويفتح
الطريق أمام تسوية تحفظ لكل طرف الحد الأدنى من
مصالحه.
وبموجب مذكرة التفاهم التي أُعلن عنها في ذلك
السياق، جرى ،وفق هذا الطرح، تخفيف إجراءات
الحصار البحري الأمريكي على الموانئ الإيرانية،
مقابل السماح بعودة حركة الملاحة في مضيق هرمز.
وكان من شأن هذه الترتيبات، لو استمرت، أن تشكل
مدخلاً إلى خفض تدريجي للتوتر وإعادة بناء الثقة بين
الطرفين.
لكن الهدنة لم تصمد طويلاً.
فما إن عادت الولايات المتحدة إلى شن هجمات على
الشريط الساحلي الإيراني، بذريعة خرق إيران لمذكرة
التفاهم، حتى دخل الاتفاق عملياً مرحلة الانهيار. وبعد
انتهاء الهجمات عادت واشنطن إلى تشديد الحصار
على الموانئ الإيرانية، فيما استعادت طهران أوراق
الضغط المرتبطة بمضيق هرمز.
ثم جاءت الخطوة الأكثر دلالة: إلغاء مذكرة التفاهم
وتجميد المساعي الدبلوماسية.
باكستان تعود إلى الوساطة والدبلوماسية تستعيد
أنفاسها..
اليوم، تعود باكستان إلى واجهة الوساطة، في محاولة
لإحياء قناة الاتصال بين واشنطن وطهران وفتح
المجال أمام تبادل الرسائل، بعدما أُغلقت الأبواب
الدبلوماسية لفترة.
وهنا تبرز مفارقة لافتة: فكلما ارتفع منسوب التصعيد
العسكري، ارتفعت معه أهمية الوساطة؛ وكلما اقترب
الطرفان من حافة الحرب، أصبحت الرسائل السرية
والقنوات غير المباشرة أكثر ضرورة.
لكن المشكلة الأساسية أن العودة إلى طاولة التفاوض
لا تعني بالضرورة العودة إلى النقطة التي توقفت
عندها المفاوضات.
إيران، التي دفعت ثمناً باهظاً جراء الحرب والعقوبات
والحصار، تبدو ، وفق هذا التصور ، أكثر تشدداً في
تحديد مطالبها. وهي لا تريد أن تكون المفاوضات
مجرد آلية لانتزاع تنازلات جديدة منها، بل تريد مقابلاً
واضحاً لأي تنازل تقدمه.
لذلك تبرز مطالب مثل رفع الحصار عن موانئها،
وإنهاء حالة الحرب، ورفع العقوبات الأمريكية،
والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، إلى جانب
مطالب أخرى ترى طهران أنها أصبحت جزءاً من كلفة
أي تسوية مقبلة.
التعويضات تدخل على خط المفاوضات..
الأكثر إثارة في المشهد هو انتقال ملف التعويضات إلى
صدارة المطالب.
فإيران تريد، وفق هذا الطرح، تعويضات عن الأضرار
التي لحقت بها خلال الحرب، بينما تطرح الولايات
المتحدة بدورها مسألة تعويضات عن الخسائر التي
تقول إنها تكبّدتها نتيجة سياسات وأفعال إيرانية على
مدى عقود.
وهكذا يتحول التفاوض من مجرد بحث في وقف إطلاق
النار إلى محاولة شاملة لتصفية حسابات متراكمة.
وهنا تكمن صعوبة المفاوضات: فإذا جلس الطرفان إلى
الطاولة وهما يحملان سجلاً طويلاً من الخسائر
والاتهامات، فإن كل طرف سيعتبر نفسه صاحب الحق،
وسيعتبر مطالب الطرف الآخر محاولة لتحويل نتائج
الحرب إلى مكاسب سياسية.
السلام أم الاستسلام؟..
السؤال الأكثر أهمية ليس: هل تريد واشنطن وقف
إطلاق النار؟
بل أي نوع من السلام تريده الولايات المتحدة؟.
فالسلام الحقيقي لا يمكن أن يقوم على التهديد المستمر
باستخدام القوة، ولا على إبقاء الطرف الآخر تحت
الحصار الاقتصادي والعسكري إلى أن يقبل بكل
الشروط المفروضة عليه.
إذا كانت واشنطن تريد بالفعل تسوية سياسية، فإن رفع
العقوبات تدريجياً، وإنهاء الحصار، وضمان حرية
الملاحة، ووقف الهجمات، وتبادل الضمانات، كلها
يمكن أن تكون عناصر من صفقة متوازنة.
أما إذا كان الهدف هو إبقاء إيران تحت الضغط إلى أن
تنهار قدرتها الاقتصادية والاجتماعية و لا تقوى على
الصمود، فإننا لا نكون أمام مشروع سلام، وإنما أمام
حرب اقتصادية طويلة بأدوات مختلفة.
العقوبات… السلاح الذي لا يحتاج إلى طائرات..
وهنا تبرز فرضية تستحق النقاش.
قد لا تحتاج الولايات المتحدة إلى احتلال إيران أو
خوض حرب برية لإضعاف النظام الإيراني. فاقتصاد
دولة كبيرة يمكن أن يتعرض لضغوط هائلة عبر
العقوبات، وتقييد صادرات النفط، وخنق التعاملات
المالية، ومنع الاستثمارات، وفرض قيود على التجارة
الدولية.
وفي هذه الحالة تصبح المعادلة واضحة: كلما اشتد
الخنق الاقتصادي، ارتفعت الأسعار والبطالة والضغوط
الاجتماعية، وكلما تراجعت قدرة الدولة على توفير
احتياجات مواطنيها، ازدادت احتمالات الغضب الشعبي.
ومن هنا يمكن قراءة التهديدات الأمريكية المتكررة
بشن هجمات جديدة، في حال عدم قبول إيران بالشروط
المطروحة، باعتبارها جزءاً من استراتيجية الضغط
القُصوى.
لكن يبقى السؤال: هل الهدف هو إجبار إيران على
توقيع اتفاق يضمن السلام، أم دفعها إلى نقطة الانهيار
الداخلي؟..
تغيير النظام… الهدف الذي يظل حاضراً؟..
منذ سنوات، ارتبطت السياسة الأمريكية تجاه إيران
بجدل واسع حول ما إذا كان الهدف يقتصر على تغيير
سلوك النظام، أم يتجاوز ذلك إلى تغيير النظام نفسه.
وإذا كانت واشنطن تشترط على طهران تقديم تنازلات
تمس ملفات جوهرية، بينما تبقي في الوقت نفسه على
أدوات الخنق الاقتصادي والتهديد العسكري، فإن
الشكوك حول الهدف النهائي ستظل قائمة.
فالفرق كبير بين أن تقول دولة ما لخصمها: «غيّر
بعض سياساتك وسنرفع العقوبات»، وبين أن تقول له
عملياً: «سأستمر في خنقك حتى تُغيِّر نظامك».
في الحالة الأولى نحن أمام مفاوضات.
أما في الثانية فنحن أمام محاولة لإحداث تغيير سياسي
من خلال الضغط الاقتصادي والعسكري.
إيران بدورها ليست بلا أوراق
لكن المشكلة بالنسبة لواشنطن أن إيران ليست دولة
بلا أوراق.
فمضيق هرمز يمثل ورقة استراتيجية بالغة الأهمية،
وأمن الملاحة فيه لا يرتبط بإيران وحدها وإنما
بالاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة أيضاً.
كما أن طهران تستطيع استخدام أوراق سياسية وأمنية
واقتصادية متعددة للضغط على خصومها، الأمر الذي
يجعل أي محاولة لإخضاعها بالقوة محفوفة بمخاطر
كبيرة.
ولهذا فإن استمرار التصعيد قد يؤدي إلى نتيجة
عكسية: بدلاً من دفع إيران إلى الاستسلام، قد يدفعها
إلى مزيد من التشدد، ويغلق أبواب التفاوض، ويجعل
كل طرف أكثر تمسكاً بأوراقه.
فرصة أخيرة للدبلوماسية؟..
عودة الوساطة الباكستانية قد تكون فرصة لإعادة ضبط
عقارب الساعة.
لكن نجاح الوساطة لن يتوقف على قدرة الوسطاء على
نقل الرسائل بين واشنطن وطهران فقط، وإنما على
استعداد الطرفين للقبول بفكرة أساسية: لا يمكن بناء
سلام دائم إذا اعتبر أحد الطرفين أن التفاوض مجرد
مرحلة مؤقتة للحصول على تنازلات، بينما يحتفظ
لنفسه بحق العودة إلى الحرب متى شاء.
المطلوب ليس مذكرة تفاهم جديدة قابلة للانهيار عند
أول خلاف، وإنما اتفاق واضح ومتكامل، تتحدد فيه
الالتزامات والضمانات وآليات التحقق، وما الذي
سيحصل عليه كل طرف مقابل ما يقدمه.
فالسلام الحقيقي لا يعني أن ينتصر طرف ويستسلم
الآخر، وإنما أن يجد الطرفان مصلحة في استمرار
الاتفاق أكثر من مصلحتهما في العودة إلى الحرب.
الخلاصة:
السلام لا يولد من الخنق
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول الوساطة
الحالية إلى مجرد استراحة قصيرة بين جولتين من
التصعيد.
فالعودة إلى الحرب لن تحل الخلافات المتراكمة بين
واشنطن وطهران، كما أن العقوبات وحدها لن تضمن
تغييراً سياسياً في إيران، والتهديد العسكري لن يؤدي
بالضرورة إلى قبول طهران بالشروط الأمريكية.
وقد يكون العكس هو الصحيح: الضغط المفرط قد يدفع
الإيرانيين إلى الالتفاف حول دولتهم بدلاً من الانقلاب
عليها.
لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن تطرحه واشنطن قبل
إطلاق أي تهديد جديد هو: هل تريد سلاماً مع إيران، أم
تريد إيران مستسلمة؟
فإذا كان المطلوب هو السلام، فإن الطريق يمر عبر
التفاوض والضمانات المتبادلة ورفع تدريجي للعقوبات
وإنهاء الأعمال العسكرية.
أما إذا كان الهدف الحقيقي هو إسقاط النظام عبر
الخنق الاقتصادي والضغط العسكري، فإن ما يجري لن
يكون سوى فصل جديد من الحرب، حتى لو توقفت
الطائرات عن التحليق فوق إيران.
فالسلام الذي يُبنى على الإكراه قد يوقف الحرب مؤقتاً،
لكنه لا يصنع سلاماً دائماً.



