مواجهة الانتهازية السياسية: بين أخلاقيات الوطنية وضرورة المساءلة القانونية

مواجهة الانتهازية السياسية: بين أخلاقيات الوطنية وضرورة المساءلة القانونية
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
في اللحظات التاريخية الفاصلة، لا تكون الأخطار المحدقة بالأوطان خارجية فقط، بل هناك من تتسلل إليها عبر قنوات معروفة للقاصي والداني هؤلاء من المرتزقة والمنتفعين حيث يختل ميزان القيم، وتختلط الوطنية بالمصلحة، ويتحول الشعار إلى غطاء، والموقع العام إلى وسيلة للنفوذ والكسب.
تمرّ القضية الفلسطينية بمرحلة شديدة التعقيد، في ظل تحولات إقليمية ودولية متسارعة، وتبدلات في موازين القوى، وضغوط سياسية واقتصادية غير مسبوقة. وفي ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي بسياساته الاستيطانية والضم الزاحف ومحاولات فرض وقائع جديدة على الأرض، تصبح الجبهة الداخلية خط الدفاع الأول، بل الحاسم، في معركة البقاء والصمود. بمن يملك قوة الارادة ويملك قوة الحق والمنطق في مواجهة الباطل والمتسلقين على حبال الوطنية الفلسطينية وان اخطر ما يهدد الجبهة الداخلية ليس فقط الانقسام السياسي أو الضائقة الاقتصادية، بل ظاهرة الانتهازية السياسية؛ أولئك الذين يتسلقون على حبال الوطنية، يرفعون الشعارات الرنانة، ويتصدرون المشهد الإعلامي، بينما هم في جوهرهم أسرى لمصالح ضيقة وأجندات شخصية لحساب مشغليهم
الوطنية ليست استعراضاً خطابياً، ولا مزايدة على الآخرين، ولا حضوراً افتراضياً على منصات التواصل الاجتماعي. الوطنية التزام أخلاقي وقانوني، وهي ممارسة يومية تتجلى في النزاهة، والشفافية، واحترام المال العام، وصون كرامة المواطن.
لقد عانى الشعب الفلسطيني طويلاً من غياب منظومة رقابة ومحاسبة فاعلة، ومن ضعف آليات المساءلة السياسية والقانونية، الأمر الذي أتاح لبعض أصحاب المواقع أن يستغلوا مناصبهم لتحقيق مكاسب خاصة، أو توظيف نفوذهم لمصالحهم، أو الاستفادة من العطايا والامتيازات بعيداً عن معايير العدالة وتكافؤ الفرص.
وهنا تبرز ضرورة الانتقال من خطاب الغضب إلى مشروع إصلاحي متكامل يقوم على:
أولاً: تفعيل مبدأ سيادة القانون دون انتقائية أو ازدواجية في المعايير، بحيث يخضع الجميع للمساءلة، مهما علت مواقعهم أو تعددت ارتباطاتهم.
ثانياً: تمكين مؤسسات الرقابة المالية والإدارية، ومنحها الاستقلال الكامل لملاحقة شبهات الإثراء غير المشروع واستغلال المنصب العام.
ثالثاً: تعزيز الشفافية في إدارة المال العام، ونشر التقارير الدورية، وتمكين المجتمع المدني والإعلام المهني من أداء دوره الرقابي بعيداً عن الابتزاز أو التسييس.
رابعاً: ترسيخ ثقافة المساءلة المجتمعية، بحيث يصبح السؤال عن مصادر الثروة، وعن تضارب المصالح، وعن طبيعة الامتيازات، سؤالاً مشروعاً لا يُقابل بالتخوين أو التشهير.
إن استغلال المنصب العام لتحقيق الإثراء غير المشروع لا يُعد انحرافاً أخلاقياً فحسب، بل جريمة قانونية تمسّ جوهر العقد الاجتماعي بين المواطن ومؤسساته. فالمنصب تكليف لا تشريف، وأمانة لا ملكية خاصة، وأي اعتداء على المال العام أو حقوق المواطنين هو اعتداء على صمودهم وكرامتهم.
وفي ظل التحديات الإقليمية والدولية الراهنة، من محاولات تصفية القضية الفلسطينية، إلى الضغوط الاقتصادية، إلى رهانات إعادة تشكيل المنطقة وفق مصالح قوى كبرى، يصبح تحصين الجبهة الداخلية أولوية استراتيجية لا تقل أهمية عن أي تحرك دبلوماسي أو ميداني.
فالشعوب التي تفقد ثقتها بمؤسساتها، وتلمس غياب العدالة في توزيع الأعباء والفرص، تصبح أكثر هشاشة أمام الضغوط الخارجية. أما حين يشعر المواطن بأن القانون يُطبق على الجميع، وأن الفساد يُلاحق بلا انتقائية، وأن المال العام مصان، فإن الجبهة الداخلية تتحول إلى جدار صلب في مواجهة أي مخطط يستهدف الوطن.
إن كشف الأقنعة لا يكون بالتجريح أو التخوين، بل بإعلاء معيار النزاهة، وبتحويل المساءلة إلى نهج مؤسسي لا إلى معركة شخصية. ومن يذرف الدموع على الوطن، فليثبت صدقه بالشفافية، وليقدّم كشف حساب أمام شعبه، وليخضع طوعاً للقانون إن لزم الأمر.
فالوطن ليس منصة لتصفية الحسابات، ولا سلماً للارتقاء الشخصي، بل مسؤولية تاريخية وأمانة في أعناق الجميع. وتحقيق الإصلاح الداخلي، وتفعيل المحاسبة القانونية، وبناء منظومة حكم رشيد، هي اليوم جزء لا يتجزأ من معركة التحرر الوطني.
فكما نقاوم الاحتلال دفاعاً عن الأرض، علينا أن نقاوم الفساد والانتهازية دفاعاً عن الإنسان الفلسطيني وكرامته. ومن دون جبهة داخلية متماسكة، قائمة على العدالة والمساءلة، لن يكون لأي مشروع سياسي أو وطني القدرة على الصمود في وجه العواصف الإقليمية والدولية المتلاحقة.


