دراساتمقالات

ميشال عفلق والبعث الحقيقة بين النص والرأي بقلم د. عبده شحيتلي

بقلم د. عبده شحيتلي -طليعة لبنان -

ميشال عفلق والبعث

الحقيقة بين النص والرأي

د. عبده شحيتلي -طليعة لبنان –

نشرت منصة ( ذي بيست ارابيك بودكاست) الواسعة الانتشار الأسابيع الماضية شهادات لمجموعة من الكتاب والصحافيين والسياسيين والمفكرين البعثيين أو الذين كانوا يوما على صلة بالبعث أو ربطتهم علاقة قرب بالاستاذ عفلق (د. برهان غليون ، صقر أبو فخر ، حسن العلوي ، إياد علاوي ، مؤيد عبد القادر ، د.حسان قصار ، عاصم قانصو ومعن بشور ) . الهدف من هذا الوثائقي المستند الى هذه الشهادات هو إلقاء الضوء على حياة الأستاذ وشخصيته ، وحدود دوره القيادي ، وموقعه في الفكر والسياسة العربية منذ أربعينات القرن العشرين .

استندت هذه الشهادات ، عامة ، على انطباعات تكونت لدى أصحابها ، تحولت الى آراء ذات قيمة كبيرة لما لأصحابها من خبرة وتجربة عميقة واطلاع واسع على الفكر والسياسة العربية . لكن هذه الآراء االتي أصابت الحقيقة أو اقتربت منها ، حيناً، قادها الهوى والانطباع الشخصي للابتعاد بقدر معين عنها في حين آخر .

لا نهدف في مقالتنا هذه الى مناقشة ما جاء في هذه الشهادات عن الأستاذ عفلق وما حملته من أراء ، بل الى الكشف عن بعض الحقائق من خلال النصوص التي كتبها والتي توضح للمهتمين حقيقة بعض مضامين الشهادات التي وردت في سياق الرد على الأسئلة التي طرحها الوثائقي .

نشرت النصوص التي توثق كتابات الأستاذ ،ومحاضراته ،ومحاوراته ومقابلاته على أنواعها ،وخطاباته ، بتواريخها الدقيقة ، في مجموعة من خمسة أجزاء ، بعنوان ” في سبيل البعث” صدرت عن دار الحرية في بغداد في ثمانينات القرن الماضي .ولعل في الاستناد اليها ما يصوب بعض ما ورد في الشهادات،ويضيف ما يفيد فيما يتعلق ببعض الحقائق والوقائع التاريخية المتعلقة بتجربة الأستاذ عفلق وشخصيته ،والحركة التاريخية التي افنى عمره في قيادتها ،ورعايتها، والحرص عليها كأثمن شيء في حياته العامرة بتجربته الفكرية والسياسية التي امتدت على مدى يزيد عن الستين عاما ،منذ اكتمال دراسته الثانوية حتى وفاته عام 1989 .

لا خلاف بين الباحثين في سيرة عفلق الشخصية وتجربته الفكرية والسياسية في المرحلة الأولى من حياته التي سبقت قرار تأسيس حركة سياسية تجسد الأفكار والتطلعات التي عمل مع رفيقه صلاح الدين البيطار على التبشير بها ،بعد عودتهما من باريس واتخاذ التعليم مهنة لهما في مدرسة التجهيز الأولى في دمشق، وما رافق هذه التجربة من مبادرات التبشير الأولى بالفكرة العربية من خلال الحوارات ،والمناقشات، والكتابة التي غلب عليها الطابع الأدبي التي بدأها عفلق مبكرا في عدة مجلات من بينها مجلة “الطليعة”التي صدرت بالاتفاق بين عفلق وبعض الشيوعيين والماركسيين السوريين قبل الخلاف معهم بعد توقيع المعاهدة السورية – الفرنسية عام 1936 التي رحب بها الشيوعيون بينما عارضها عفلق والبيطار اللذين شاركا في إضراب الخمسين يوما الشهير في سوريا ( البعث من المدراس الى الثكنات ، ملحق النهارالعدد 25 – 18 أذار 1969 )، قبل التحول كلياً الى الكتابات الفكرية والسياسية الهادفة الى خلق حركة فكرية – سياسة تسعى للدفع قدما بنهضة المجتمع العربي، ومحاربة القبلية والطائفية والفساد ، ومختلف أشكال الرجعية المدعومة من الاستعمار.

ثلاثة نصوص هامة ينبغي للباحث في سيرة عفلق الفكرية الاستناد اليها لتأكيد حقائق لا يرقى إليها الشك فيما يتعلق بالأسس الفكرية التي قامت عليها الحركة السياسية التي اطلق عليها الاستاذان عفلق والبيطار تسمية ” الإحياء العربي ” قبل التحول الى تسمية ” البعث العربي ” في السنوات السابقة للمؤتمر التأسيسي للبعث الذي انعقد في بهو فندق الرشيد في دمشق في الفترة من 4 الى 6 نيسان من العام 1947 .

هذه النصوص هي الآتية :

1- البيان الذي توجه به الاستاذ عفلق الى الشعب السوري بمناسبة الانتخابات النيابية التي تقرر إجراؤها بعد الاتفاق بين الانكليز والفرنسيين من جهة ،والكتلة الوطنية من جهة أخرى . هذه الانتخابات التي مثلت في ذلك الحين حدثاً هاماً لأنها كانت محاولة لانتزاع السيادة والاستقلال والتحالف مع قيادات وطنية لاستلام ادوات الحكم باعتبارهم ممثلي الشعب .

في هذا النص يقول عفلق ” نحن في دور النهضة القومية والبعث العربي وتفتح العقل العربي ، نعرف أن العروبة لفظة على اللسان ، ونريد أن ندخلها الى أعماق الوجدان ” ( في سبيل البعث ، ج4 ، ص 16 )، ويتناول فيه ضرورة بعث الإيمان الحار بقضية الأمة العربية ، والتعليم القومي المناسب لمقاومة الغزو الفكري الذي يستهدف اختلاس ولاء العقل العربي ، والطائفية التي أبعدت المواطنين عن ” روح بلادهم “، ويهيب بالمنتخب أن يتذكر قبل أداء واجبه الانتخابي ” الى أية أمة ينتسب . فالحرية جوهر العروبة ، واستقلال الرأي من أبرز صفاتها ، والقضية قضية الوطن ومستقبل الأجيال ” ( م. ن ، ص 17 ).ليصل الى القول أن العمل الذي بادرنا اليه في حركة ” البعث العربي ” هو ” عمل نضالي طويل يستهدف المستقبل البعيد …. ونقيسه بمقياس فكرتنا الأساسية : أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة “.

يؤكد هذا النص ما يلي :

في العام 1943 باتت تسمية ” البعث العربي ” هي المعتمدة للحركة السياسية التي عمل على تاسيسها الاستاذان عفلق والبيطار، وعدد من الكوادر الذين استجابوا لفكرة العروبة بمضمونها الجديد . والملاحظ في هذا الإطار ان معنى البعث يحيل الى نفس معنى الإحياء الذي يعني ” النهضة القومية وتفتح العقل العربي” .

ا- في هذا العام اعتمدت العبارة التي وردت في هذا البيان الانتخابي شعاراً للحزب : أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة للحزب . هذا الشعار لعله يمثل ابرز شعار حزبي عربي في القرن العشرين .

لذلك ؛ لا مجال للشك بأن إحدى الشهادات التي جاءت في الوثائقي ،ونسبت هذا الشعار للمفكر العربي زكي الأرسوزي ليس لها اي مسوغ موضوعي وتجانب الحقيقة تماماً. ولو توقفنا قليلاً عند قول الاستاذ عفلق أن هذه العبارة تمثل فكرة البعث الأساسية لتبين لنا الحد الفاصل بين ما يقصده عفلق وما ذهب اليه الأرسوزي .

لا شك بان الأرسوزي مفكر كبير وتستحق كتاباته التقدير والاحترام لقيمتها الفكرية والاكاديمية . لكن فلسفته ” الرحمانية ” وفهمه للعروبة يختلف الى حد بعيد عن افكار البعث ومفاهيمه التي ابدعها عفلق، وعمل على بلورتها بوضوح ومثابرة على التجديد المبني على ما يشكل ثوابت للفكرة العربية الجديدة .

تشكل ” الرحمانية ” نموذجاً للنتاج الفكري للأرسوزي الذي يعطي اللغة مدلولات ميتافيزيقية تقود ، كما يذهبب الى ذلك بعض الباحثين ، الى “التعصب القومي”؛ فالرحمانية اصلها ( ر ح م ) الذي يجمع بين الرحم والرحمن في كل موحد . وإذا كان رحم المرأة هو مصدر حياة الفرد من بني البشر ، فإن الرحمن هو مصدر الحياة كلها ، والعلاقة بين الرحم والرحمن هي علاقة تشابه من جهة وتكامل من جهة أخرى . الرحمن هو رمز الاتصال بين الخالق والمخلوقات ، والجنين في علاقته برحم امه هو رمز تلك العلاقة بين المخلوقات وبارئها. فإذا كان الجنين جزءاً من الأم ، ومع ذلك هو مستقل عنها ، فذلك هو حال المخلوقات جميعاً في علاقتها بالرحمن ، إنها امتداد له إلا أنها مستقلة عنه؛ فهي منه إلا أنها ليست ذاته . ( زيادة ، معن ، الفلسفة الحديثة والمعاصرة ،مجلة الفكر العربي العدد57 ، ص 7 ). بناءً على هذه المنهجية في التفكير ارتكزت فكرة العروبة عند الأرسوزي الى اعتبار “عبقرية العرب في لغتهم”، وإلى إعطاء اللغة العربية أبعادا وجودية وميتافيزيقية لتغدو أهم رابط قومي ،وليصبح العصر الجاهلي عصر العرب الذهبي .

هذه النظرية في اللغة لها ما لها وعليها ما عليها ،ولا مكان هنا للاستفاضة في تناول مسألة اللغة في بعديها التوقيفي والاصطلاحي . ولكن هذا الفهم للعروبة كان بعيداً تماما عن افكار عفلق التي شكلت اساساً لنظريته القومية العربية المبنية على ما يعتقده الحقيقة التي انتهى اليها مسار التاريخ وهي أن “القومية حقيقة حية“.

يصف جلال السيد تكوين الأرسوزي في كتابه حزب البعث العربي بأنه قطعي” ( ص8 ) ، ويقول الدكتور معن زيادة ، استاذ الفكر العربي الحديث في محاضرة قيض لي متابعتها حين كنت طالباً في الدراسات العليا في الفلسفة عام 1987 في كلية الاداب الفرع الأول ،إنه حضر ندوة في احدى الجامعات الكندية موضوعها ” عنصرية القومية العربية ” كانت استشهادات المحاضر كلها من كتابات الأرسوزي .

لكن عفلق ذهب مذهباً أخر بنيت عليه مفاهيم البعث للعروبة والنظرية القومية المبنية عليها ؛ فالقول بأن القومية حقيقة حية ينطبق بالتوازي والتساوي على كل المجتمعات البشرية . فالقومية بهذا المعنى تمثل المآل الذي انتهى اليه التاريخ البشري في مسار تطوره ، والآمر ينطبق على العرب كما غيرهم من الشعوب .

انطلاقا من هذه القناعة تنبأ الاستاذ عفلق بانهيار الاتحاد السوفياتي في كلمته التي ألقاها أمام اللجنة الفكرية المنبثقة عن المؤتمر القومي العاشر الذي انعقد في بغداد عام 1970 .

لقد تبنى عفلق فلسفة القومية الانسانية متأثراً بفكرة نهاية التاريخ، مستفيداً في ذلك ، على ما يبدو ،مما درسه عن هيغل اثناء تخصصه في التاريخ واهتمامه بالفسفة التي درّسها مع التاريخ بعد عودته الى دمشق.ولا شك بأن تاثر عفلق بهيغل يبدو واضحا في حديثه المتكرر عن “روح الأمة “،وليس ذلك غريبا نظرا لأهمية فلسفة التاريخ عند هيغل في تاريخ الفلسفة والفكر بشكل عام . وفي هذا الإطار ابتعدت إحدى الشهادات في الوثائقي عن الحقيقة حين اعتبرت عفلق متأثر بكيركارد الوجودي البعيد كل البعد عن هيغل . وربط عفلق بين القومية والانسانية هو ما يفسر الربط بين طرفي شعار الحزب : وحدة الأمة والرسالة الانسانية التي تحملها للبشرية .كما هي حال كل أمة تجد الطريق الى وحدتها والرسالة التي تحقق نهضتها وتخدم الانسانية بدلا من ان تكون عالة عليها. ولعل في النص الثاني الذي سنتناوله ما يفيد في التوسع بهذه الفكرة بقدر ما يتسع له المجال في هذا البحث.

يبقى أخير ان نشير الى أن شعار البعث اعتمد قبل المؤتمر التأسيسي الذي كان من بين الحاضرين فيه بعض المتأثرين بافكار الأرسوزي والمتحدرين من لواء الإسكندرون ، والدليل على ذلك هو ان المؤتمر التاسيسي للحزب افتتح حين انعقاده في “الساعة العاشرة من صباح يوم الجمعة في 4 نيسان 1947 بترديد شعار البعث : أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة ” ( نضال البعث ج4 ، ص16 ).

2- في العام نفسه الذي نشر فيه الاستاذ عفلق بيانه الانتخابي الذي ورد فيه شعار الحزب لأول مرة أي العام 1943 ، وقبل ثلاثة اشهر تقريباً ، في إحدى مدرجات الجامعة السورية ألقى الأستاذ المحاضرة التي تمثل أشهر ما كتبه وهي ” ذكرى الرسول العربي ” التي وضع فيها لأول مرة أسس نظريته المتعلقة بالعروبة في بعدها الثقافي والحضاري ،والتي كان يعود الى بعض ما جاء فيها مراراً في كتاباته اللاحقة، مؤكدا أنه وضع فيها خلاصة افكاره ، حتى إنه عاد للاستشهاد بنص منها في خطابه الأخير الذي القاه في ذكرى تاسيس البعث قبل وفاته عام 1989 بشهرين تقريباً.

في هذا النص أرسى عفلق فكرة العروبة في بعدها الثقافي والحضاري لتصبح لولب النظرية القومية المبنية على اعتبار الفكر القومي تعبيراً أصيلاً عن الواقع الحي للأمة . مع هذا النص باتت الصلة واضحة بين الأساس الفلسفي الذي انطلق منه عفلق فيما يتعلق بفكرة القومية الإنسانية وترجمته على الصعيد القومي العربي بالنظرية القومية القائمة على ثلاثية الوحدة والحرية والاشتراكية ، والهادفة الى تجسيد الأمة العربية في دولة كما هي حال كل المجتمعات البشرية التي حققت هذا التحول في العصور الحديثة . وذلك ما انصرف اليه مع رفاقه في إطار الإعداد للمؤتمر التاسيسي ، ليظر ذلك جليا في دستور الحزب الذي اقره المؤتمر وهو النص الثالث الذي أشرنا اليه .

3- في الجلسة الثانية من جلسات المؤتمر التأسيسي عرض الأستاذ عفلق المراحل التي مر بها وضع دستور الحزب والأسس الفلسفية والقومية التي قام عليها هذا الدستور ” ( نضال البعث ، ج4 ، ص 17 ).وقد تمت مناقشة مواده وإقرارها مادة مادة على مدى جلستين متتاليين .

بدأ الدستور في مبدئه الأساسي الأول بالتأكيد أن العرب أمة واحدة لها حقها الطبيعي في أن تحيا في دولة واحدة ، لينتقل في المبدأ الثاني الى التاكيد أن لهذه الأمة شخصية قابلة للتجدد والانبعاث في نهضات متتابعة عمادها حرية التعبير والاقتصاد والاجتماع والفن واعتبار هذه الحريات مقدسة لا يمكن لأية سلطة انتقاصها. أما المبدأ الثالث فقد تناول رسالة الأمة باعتبارها رسالة خالدة تظهر بأشكال متجددة متكاملة في مراحل التاريخ ، وترمي الى تجديد القيم الإنسانية وتحفيز التقدم البشري وتنمية الانسجام والتعاون بين الأمم.

وبعد تحديده الدقيق لمعاني الاستعمار والإنسانية ينتقل الدستور الى المبادىء العامة المتعلقة بطبيعة الحزب القومية ، والربط بين القومية والاشتراكية باعتبارها ضرورة منبعثة من صميم القومية العربية ، ثم تحديد مختلف السمات الأخرى المميزة للبعث ، قبل الانتقال الى سياسة الحزب الداخلية حيث يدعو الى نظام حكم نيابي دستوري قائم على الفصل بين السلطات ، وسياسة الحزب الخارجية القائمة على المصلحة ، وسياسة الحزب الاقتصادية ، والاجتماعية ، وتلك المتعلقة بالتربية والتعليم . هذه المبادىء والسياسات الموزعة على ثمانية وأربعين مادة دستورية تمثل أساساً لدولة مدنية ديمقراطية مكتملة الأركان . ومن يطلع على مضمونها اليوم يتيقن أن هذه الطليعة من المناضلين كانت في تفكيرها وتطلعاتها سابقة لعصرها ولديها ما يكفي من المعرفة والعزم والإرادة لبناء المستقبل العربي .

كان انخراط هذه الثلة من المناضلين في الحياة السياسية سابقاً للمؤتمر، وبات أكثر مأسسة وفاعلية بعده وتمت ترجمة شعارات الحزب واتجاهه القومي، بالتطوع بقيادة عميد الحزب في جيش الانقاذ في مواجهة العصابات الصهيونية، ليبدأ تاريخ طويل من التفاعل بين القيادة والجماهير عماده الصدق ووضوح الرؤية وتجسيد الأقوال أفعالآً.

قيل الكثير في الوثائقي المذكور آنفاً عن مسألة قيادة الاستاذ عفلق للبعث في المرحلة التي سبقت الوحدة المصرية – السورية، وما رافق هذه الوحدة فيما يتعلق بحل الأحزاب ومنها حزب البعث في سوريا ومصر ،وصولاً الى علاقة الحزب بالسلطة خاصة في مرحلة تقدم العسكر الى واجهة المشهد. ما قيل في هذا الإطار لا يجافي الحقيقة إجمالاً ، لكن من المفيد تسليط الضوء على بعض الحقائق التي تنصف الاستاذ وعلاقته بالسلطة ، لأن اعتقاد البعض انه ما كان يمتلك شخصية قيادية ،أو كان يهادن السلطة التي تسعى لجعل الحزب ملحقاً بها ،ومبرراً لمثالبها بدلآ من أن تكون سلطة للحزب ، هذا الاعتقاد يحتاج الى المراجعة والتدقيق .

يصف الدكتور عبد المجيد الرافعي الأستاذ عفلق بأنه “ناسك القومية العربية” ، هذا الوصف الدقيق ينطبق على شخصية عفلق ، ومنهجه في الحياة العائلية والاجتماعية ، وكذلك في فهمه المثالي من الناحية الفلسفية والخلاقية لمفهوم القيادة .

مبكراً ، في العام 1935 كتب الأستاذ عفلق عهد البطولة ، كان يومها شاباً في الخامسة والعشرين من عمره يدرّس التاريخ والفلسفة ويعمل دائباً على خلق حركة فكرية – سياسية تسعى الى طي ” صفحة من تاريخ نهضتنا العربية ” لتبدأ صفحة جدية ، هي ” صفحة الذين يجابهون المعضلات العامة ببرودة العقل ولهيب الإيمان ، ويجاهرون بأفكارهم ولو وقف ضدهم أهل الأرض جميعاً ، ويسيرون في الحياة عراة النفوس . هؤلاء يفتتحون عهد البطولة ” ( في سبيل البعث ، ج 1 ، ص 15 ).

كان عفلق القادم حديثاً من باريس بعد إكمال دراسته الجامعية مشبعاً بأفكار نيتشه وبرغسون المتعلقة بالبطولة بمعناها الإنساني العميق، والتي بالاستناد اليه يختلف مفهوم البطل عن مفهوم الزعيم ؛ فالزعيم لا قيمة لوجوده ألا بوجود من يتزعمهم ، لذلك هو يبحث عن كل الوسائل التي تجعل الجماهير تستجيب له حتى ولو كانت ميكيافيلية، وعلى حساب القيم الأخلاقية السامية ، لأن الغاية تبرر الوسيلة . القيادة هنا هي بحد ذاتها الهدف ، والواقعية التي تستند اليها تعني فهم الواقع واستخدامه بالطريقة التي تحقق الزعامة بعيدة عن كل أشكال المثالية الأخلاقية. أما عهد البطولة الذي يقول عفلق إنه يكاد يسميه ” عهد الطفولة ” لأن له ” صدق الأطفال وصراحتهم ، فهو لا يفهم ما يسمونه سياسة ، ولا يصدق أن الحق يحتاج الى براقع ” ، فيفتتحه دور البطل الذي لا يرضيه أن يسمع ” أن ذلك الشخص وطني ، إذا لم يكن في الوقت نفسه إنسانيا ، عفيف النفس ، كريم الخلق” ، والذي يطلب الاستقلال” والحرية لأنهما حق وعدل قبل كل شيء ، ولأنهما وسيلة لإطلاق مواهبنا العالية وقوانا المبدعة، كيما نحقق على هذه البقعة من الأرض التي هي بلادنا غايتنا وغاية كل إنسان – الإنسانية الكاملة” ( م. ن ، ص16 ).

يسعى الزعيم الى السلطة التي تتطلب اكتساب رضى الجماهير وتأييدها اوإخضاعها ، بينما يتطلع البطل الى الحق والعدل وما شابههما من قيم الإنسانية الكاملة ، ووجوده يشكل نداء ودعوة للاقتداء لأنه يجتذب الناس اليه كما يجذب النور الفراشة .

كانت السلطة متاحة لعفلق في معظم مراحل حياته ولكنه لم يقبل عليها إلا مرة واحد في حكومة الحناوي عندما اصبح وزيرا للتربية لعدة اشهر .اتخذ هذا القرار بالآبتعاد عن السلطة لأنه كان يرى نفسه في الموقع المتناسب مع فهمه للبطولة بمعناها الإنساني العميق .

في بداية سبعينات القرن الماضي ، وبعد عودته من البرازيل ، التي غادر اليها بعد رفضه للسلطة التي تنتحل إسم الحزب في سوريا مطلقاً قوله الشهير ” ليس هذا البعث بعثي ولا هذا العسكر جيشي” ، أقام الأستاذ في بيروت رغم أن الحزب كان يحكم في العراق . في هذه الفترة من الزمن أتى صدام حسين الذي كان نائباً للرئيس العراقي للقاء به في زيارة سرية لمعالجة الإشكالات الحزبية الناشئة عن تخلف الجيش العراقي عن دعم الفدائيين الفلسطيننين في الأردن في صراعهم مع السلطة الأردنية لأنها لم تسمح بالعمل الفدائي انطلاقاً من الاراضي الأردنية. وحين التقى به في المنزل الذي يقيم فيه فوجىء ببساطة مفروشاته التي لا تليق بمكانة الأستاذ ، وحين عاتب نائب الرئيس السفير العراقي ظناً منه أنه لم يهتم بوضعه المالي قال السفير إنه ليس هناك من يجرؤ على الحديث بموضوع من هذا القبيل مع الأستاذ . وحين حاول هو نفسه اي صدام حسين مفاتحة الأستاذ بالموضوع ، ضحك وعمل على تغيير الحديث ( جهاد كرم حديث الذكريات ، ص 175).حتى بعد انتقاله الى بغداد ، كما يروي الدكتور عبد المجيد الرافعي ،أوائل العام 1975 كان يرفض كل مظاهر الترف .أما ما كان يطلبه في مكان إقامته سواء كان فندقاً أم بيت هو فقط أن يحوي غرفة كبيرة تتسع لاستقبال كل الوافدين إليه .

وقد حرص على أن تكون عائلته في كل سلوكياتها شبيهة به ، فكان الأبناء عند حسن ظن الوالد ، وقدموا نموذجاً يختلف عن سلوكيات بعض ابناء المسؤولين في السلطة التي قدمت نموذجا بعيدا عن حس المسؤولية والأخلاقية التي ينبغي ان يتمتع بها من يدعي وصلاً بالبعث وسلطته .

اقام الأستاذ في بيروت بعد عودته من البرازيل منذا العام 1969 حتى العام 1975 ، رغم استعادته لموقعه الحزبي كأمين عام بعد المؤتمر القومي التاسع وترسخ قيادته للحزب بعد المؤتمر القومي العشر الذي انعقد في بغداد عام 1970 . لقد اراد الحفاظ على مسافة من السلطة في بغداد لكي يرى بموضوعية مدى انسجام سياستها مع توجهات الحزب على المستويين الوطني والقومي والإنساني . وما قرر الانتقال للإقامة في بغداد إلا بعد ثلاثة قرارات كبيرة اتخذتها سلطة الحزب في بغداد ونفذتها ، وهي الحكم الذاتي للأكراد ، وتأميم النفط ، والمشاركة السريعة في حرب تشرين . هذه الإقامة في بغداد بصفته أمينا عاما للقيادة القومية نشأت ،عنها علاقة خاصة مع رموز عديدة من السلطة، ولا سيما الرئيس صدام حسين الذي قال فيه ما أورده الوثائقي من خطابه في ذكرى تاسيس البعث عام 1986 حيث امتدح قيادة الرئيس صدام ووصفه بأنه ” هدية البعث الى العراق وهدية العراق الى الأمة “.

صدام والعراق في تلك المرحلة كان صنوان بنظر عفلق . كان العراق بجامعاته ونظامه التعليمي وصناعته وإصلاحه الزراعي ونظامه الصحي وكل مظاهر النهضة في هذا البلد المحوري في مكانته الجيوستراتيجية وطاقات شعبه العظيمة التي استنهضها البعث محط الآمال الكبرى للأستاذ عفلق ، اضيف الى ذلك الاقتدار العسكري الذي سمح للعراق ان يقف سدا منيعا أمام المخاطر التي تتهدده وتتهدد الوطن العربي من الشمال والشرق، وكان العراق حاضراً على مستويين : الأول هو النظام الرسمي العربي ، ويكفي في هذا الإطار تذكر قول الملك الحسن الثاني عن مؤتمرات القمة العربية، حيث ينقل عنه غسان شربل قوله : كنا عندما يحضر صدام حسين هذه الموتمرات كأن على رووسنا الطير. والثاني حضور العراق االوازن والمؤثر الى مدى بعيد في دعم الحركات الوطنية العربية في عدد كبير من اقطار الوطن العربي.

لكن المآخذ الكبيرة على علاقة الآستاذ بالسلطة كانت تتعلق بجانب آخر هو ما يتعلق بالديمقراطية السياسية التي لا تتناسب مع مفهوم القائد الضرورة وكذلك مسالة تداول السلطة ، والحريات السياسية التي اعتبرها دستور البعث ،المذكور آنفاً ،مقدسة .

ولكن لكي تكتمل الصورة ، ويفهم على ضوئها موقف الأستاذ عفلق من هذه المسالة ينبغي الاطلاع على نصوصه التي كان يكتبها ويلقيها من إذاعة بغداد في ذكرى تأسيس الحزب في نيسان من كل عام ، حيث كانت مسالة أطلاق الحريات السياسية حاضرة دائماً فيها. وكان الأستاذ عفلق يعتقد أن ظروف الحرب التي يخوضها العراق تبرر شيئاً من التسامح في هذه المسالة لأن الدول الإقليمية المحيطة بالعرب تميل الى التغول والعدوان عليهم في ضعفهم ، ولا يمكن أن تكون صديقة لهم إلا عندما يصبحون أقوياء ؛ لذلك واستناداً الى هذه المعادلة ، وبعد انتهاء الحرب العراقية – الإيرانية واطمئنان الأستاذ الى قوة العراق ومنعته جعل من مسألة الديمقراطية محوراً أساسيا في خطاب الوداع عام 1989 واعتبر انها باتت ترتقي الى مرتبة الضرورة التاريخية .

لكن ما كان يتوقعه ويستشرفه عفلق ظهرت بوادر جدية له في العامين اللاحقين للحرب قبل ان تتطور الأحداث في العام 1990 بالاتجاه الذي لا يتناسب مع هذا الاستشراف ،ولا يرضي آمال وتطلعات الاستاذ وكل من يقتدي به من البعثيين . وهذا يقتضي بالتأكيد التدقيق والنقد والمراجعة لاستخلاص العبر والدفع قدما بالعمل الوطني الى الأمام تحت راية العروبة الديمقراطية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب