«نازا».. عندما تتحول الشهادة من ساحة المعركة إلى معركة الرواية

«نازا».. عندما تتحول الشهادة من ساحة المعركة إلى معركة الرواية
بقلم:رئيس التحرير
لم يعد فيلم «نازا» مجرد عمل وثائقي فاز بجائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان البندقية السينمائي؛ فقد خرج سريعاً من قاعة السينما إلى قلب المعركة السياسية والإعلامية الإسرائيلية، ليفتح سؤالاً يتجاوز مضمون الفيلم ذاته: ماذا يحدث عندما تأتي الشهادة من داخل المؤسسة العسكرية، وتصبح الكاميرا طرفاً في معركة الرواية؟
الفيلم، من إخراج الإسرائيليين يوفال أبراهام وراشيل زور، يستند إلى شهادات 24 من أفراد المؤسسة العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية، جرى إخفاء هوياتهم وأصواتهم وملامحهم لدواعٍ أمنية، ويتناول، بحسب منتجيه، آليات استهداف في الحرب على غزة واستخدام تقنيات تعتمد على معالجة البيانات والذكاء الاصطناعي. وقد حاز العمل جائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان البندقية وسط اهتمام دولي واسع.
لكن أهمية «نازا» السياسية لا تكمن في التصفيق الذي استقبله في البندقية، ولا في الضجة التي أحدثها في إسرائيل، بل في أنه نقل النقاش إلى منطقة أكثر حساسية: من المسؤول عن القرار عندما يتحول المدنيون من ضحايا محتملين إلى أرقام في معادلة عسكرية؟
وهنا ينبغي التمييز بين مستويين.
الأول هو ما يقوله الفيلم وشهادات المشاركين فيه، وهي مادة صحفية ووثائقية تستحق الفحص والتحقيق والمساءلة المهنية.
أما المستوى الثاني فهو الحقيقة القانونية والقضائية، التي لا يحسمها فيلم ولا تصريح سياسي، وإنما تحتاج إلى أدلة مستقلة وتحقيقات ذات اختصاص.
وهذا التمييز مهم حتى لا تتحول المعركة حول «نازا» إلى معركة شعارات.
فالجيش الإسرائيلي رفض بصورة واضحة عدداً من الادعاءات التي تضمنها الفيلم، وقال إن بعض المقاطع والاتهامات عُرضت بصورة مجتزأة أو مشوهة، مؤكداً أن قرارات الاستهداف يتخذها بشر وفق إجراءات عسكرية، وأنه يعمل، بحسب روايته، وفق القانون الدولي. كما نفى الجيش تحديداً الرواية المتعلقة بالموافقة على ضربة كان متوقعاً أن تقتل 500 مدني.
لكن المفارقة اللافتة أن الرد الرسمي لم يتوقف عند تفنيد المحتوى، بل اتسع ليشمل بحث الإجراءات القانونية ضد الفيلم ومَن يقف وراءه، والتحقيق في كيفية وصول مواد سرية إلى صانعيه. وأعلن رئيس الأركان إيال زامير تشكيل آلية لمواجهة ما وصفه بالادعاءات الكاذبة، فيما دعا وزير الثقافة ميكي زوهار إلى إجراءات بحق المخرجين وصلت إلى التلويح بسحب الجنسية.
وهنا تحديداً تبدأ القصة السياسية الأهم.
فالرد على الوثيقة يكون بالوثيقة، وعلى الشهادة بالشهادة، وعلى الادعاء بالدليل؛ أما تحويل أصحاب الرواية إلى القضية نفسها، فينقل النقاش من مضمون الاتهام إلى حرية التعبير.
ولافت أن الصحافة الإسرائيلية لم تتعامل مع «نازا» بصوت واحد. فقد أشارت تقارير إعلامية إسرائيلية إلى اجتماع عسكري عاجل لمواجهة ما اعتبرته المؤسسة العسكرية ادعاءات خطيرة، وإلى تحرك إعلامي رسمي لإنتاج رواية مضادة. وفي المقابل، أفادت التقارير بتوقيع أكثر من 200 سينمائي إسرائيلي على عريضة تضامن مع المخرجين، اعتراضاً على مهاجمتهما قبل عرض الفيلم كاملاً.
أما الصحافة العالمية فقد ذهبت إلى قراءة مختلفة. صحيفة «الغارديان»، المنتجة للفيلم، دافعت عن العمل باعتباره نتاج تحقيق استمر أكثر من ثلاث سنوات، فيما ركزت «أسوشيتد برس» على المفارقة بين الرواية الرسمية الإسرائيلية ومضمون شهادات العسكريين السابقين، مع التأكيد في الوقت نفسه على أن إسرائيل تنفي الاتهامات.
حتى المراجعة النقدية في «الغارديان» نفسها لم تتعامل مع الفيلم باعتباره حكماً قضائياً نهائياً؛ فقد أشارت إلى أن مجهولية الشهود تضعف، من الناحية الصحفية، إمكانية التحقق المستقل من بعض شهاداتهم، وإن كانت ترى أن العمل يسلط ضوءاً مقلقاً على طريقة إدارة الحرب.
وهذه نقطة تستحق التوقف.
قوة «نازا» ليست في أن نصدقه لمجرد أنه يروي رواية فلسطينية أو ينتقد إسرائيل، كما أن قوة الرواية الإسرائيلية ليست في أن نرفض الفيلم لمجرد أن المؤسسة العسكرية ترفضه.
القوة الحقيقية في أن تخضع الروايتان للاختبار المهني والقانوني المستقل.
فإذا كانت الشهادات صحيحة، فإنها تطرح أسئلة ثقيلة حول قواعد الاشتباك، ومعايير اختيار الأهداف، والتناسب، وحماية المدنيين، والمسؤولية القيادية، واستخدام التكنولوجيا في اتخاذ القرارات العسكرية.
وإذا كانت بعض الشهادات غير دقيقة، فإن تفنيدها يتطلب تقديم الوقائع والوثائق والأدلة، لا الاكتفاء بالاتهام السياسي.
ومن هنا فإن «نازا» قد يكون أهم من مجرد فيلم عن حرب غزة؛ لأنه يكشف أن الحرب الحديثة لا تُخاض بالصواريخ وحدها، وإنما أيضاً بالبيانات والخوارزميات والصور والروايات.
لقد أصبحت معركة غزة، بالتوازي مع المعركة الميدانية، معركة على الذاكرة الدولية: من يحدد معنى الضحية؟ ومن يعرّف الخطأ العسكري؟ ومن يقرر أين تنتهي الضرورة العسكرية وتبدأ المسؤولية؟
ولذلك فإن حالة الاستنفار التي أثارها الفيلم داخل إسرائيل تستحق القراءة بذاتها، بصرف النظر عن الحكم النهائي على كل شهادة وردت فيه.
فالدول تستطيع أن تواجه الانتقادات بالبيانات، والجيوش تستطيع أن تقدم روايتها المهنية، والقضاء يستطيع أن يفحص الأدلة؛ لكن التاريخ لا يُكتب بالبيانات وحدها.
وفي النهاية، سيبقى السؤال الأهم مفتوحاً:
هل المطلوب إسكات الشاهد، أم التحقيق في الشهادة؟
ذلك هو الفارق بين إدارة الصورة وإدارة الحقيقة.
والحقيقة، في زمن الحروب، لا تحتاج إلى صخب إضافي؛ تحتاج إلى أدلة، وشهود، وتحقيق مستقل، وقانون لا يميز بين الضحية والفاعل على أساس الهوية.


