«نقد النقد» كتاب الناقد المغربي محمد بو عزة: غياب المسافة والاحتشاد المعرفي

«نقد النقد» كتاب الناقد المغربي محمد بو عزة: غياب المسافة والاحتشاد المعرفي
عادل ضرغام
يستند كتاب الناقد المغربي محمد بوعزة «نقد النقد من النقد الأدبي إلى تحليل الخطاب» إلى مجموعة من المنطلقات التي تعاين وتقارب الموضوع المقترح، وربما يكون أوّلها ماثلا في قيمة المساءلة، لأن المساءلة حين ترتبط بالمنجز النقدي تمثل عنصرا من عناصر تأسيس الوعي بتجلياته المختلفة في سكونه وحركته. بالإضافة إلى كونها راصدة للعلاقة المتوترة بين الأنا والآخر الغربي، فتوتر هذه العلاقة يمثل السبب الأساس في تعدد التوجهات وتباينها، خاصة في ظل التوالد المتسارع للنظريات والمناهج من دون أن يكون هناك فاصل زمني أو معرفي يسيّج الحدود بينها.
وأعتقد أن المنطلق الثاني يتمثل الوعي الدائم بأنظمة وسياسات القوة والسلطة لكل نظرية، فالنظرية في منطقه ليست إطارا نقديا فارغا بل هي سياق وعلاقة مشكّلة منفتحة على السياسي والاجتماعي، وفي بؤرتها نوع من الهيمنة التي قد تتوارى أو تظهر بلقاءَ في عمليات المثاقفة وأطوارها المختلفة، وتتجلّى في إهاب من التفوّق والغطرسة. وهذا قد نراه ماثلا في المستوى الأول الكاشف عن تلقي النظريات والمناهج في الدرس النقدي، حيث تأتي محاطة بالنقل الحرفي المشفوع بالتقديس. وهو مستوى خاص بالنقل أو الاجترار، وتظهر فيه علاقات التفاضل والتراتب، وتتشكّل في حدوده التبعية من جانب، والهيمنة الثقافية من جانب آخر.
نفور بوعزة من المستوى الأول في تلقي النظرية القائم على النقل، جعله يؤسس لفكرة الوعي النقدي التي تحمل مساحة من التفكير في كل أنظمة القوة والهيمنة المعرفية، وإعادة النظر والمراجعة لصورة الذات في مقابل صورة الآخر، وخلخلة موضعها من الدونية إلى المساواة. فإعادة المساءلة انطلاقا من سياقات حضارية مختلفة باب لتشكيل المغايرة، وطريق للتعاظم على أية تظرية واستدامتها فاعلة خارج حدودها وثقافتها. المساءلة حضور لقدرة الذات وبعث لخصوصيتها وحقها في إعادة تشكيل ملامح أية نظرية، والمساءلة تمثل مساحة من الفعل والتأثير بعيدا عن الانفعال والارتباك أمام أسسها اللامعة، لأنها تفتح الباب لإسهام الفكر العربي داخل النظرية في سياقها العالمي بالتحوير والتعديل.
يرصد الكتاب ويقدم الوعي الفائق الذي ولدَ وتأسس، واكتسب أصحاب هذا الوعي قدرة معرفية تجعلهم قادرين على الحركة في مسارب يعدّونها ويصنعونها بأنفسهم بعيدا عن التقليد والتبعية للمناهج الغربية. وهذا لم يتحقق لحظيا، بل بالتراكم في الفعل والإنجاز، وهذا لم ولن يحدث إلا من خلال سبيلين: الأول منهما يرتبط بالوعي بهذا القادم من ثقافة أخرى، والآخر يرتبط بمدى ملاءمة هذا القادم النظري أو المنهجي في معاينة السياقات الحضارية العربية، وأنساق ثقافتها.
الاحتشاد وهيمنة المعرفي
يتجلى لقارئ الكتاب أن هناك تأملا مستمرّا للخطاب النقدي، ومعاينة مدى اقترابه أو ابتعاده من السكون والتسليم وانفتاحه في المقابل على الحركة. فهو مجال لا يكفّ عن طرح الأسئلة المشدودة إلى الوعي المتحرّك. فمنجز بوعزة في الكتاب يتمثل في التعاظم على الوعي السكوني الذي يرضى بما تقدمه النظرية في وجودها المتعالي فوق الأجناس والثقافات. في الكتاب استناد إلى وعي حركي يُبنى بالتدريج، لكي يغيّر ملامح النظرية أو المنهج، أو يجعلها- على الأقل- تتغير وتتحوّر إطاراتها طبقا لسياقات وأنساق كل ثقافة.
يتوجّه نقد النقد في الكتاب نحو تأمل الإسهامات النقدية، وهو- لطبيعته المراجِعة والمتسائلة- يعيد النظر فيما استقرّ من أساليب وإجراءات، ويراجع آليات وخطوات استخدامها نظريا ومنهجيا، ويراجع خصوصية تعالقها بالنصوص، وجدوى اختيار توجّه دون آخر. فنقد النقد بوصفه إطارا معرفيا لا يقف عند معاينة المنهج في مقاربة النصوص، لكنه يعنى أيضا بإعادة النظر في الدلالات المقترحة والتأويلات، وكيفية الوصول إليها بتفعيل الإجراءات والمنطلقات، لأنه- أي نقد النقد- ضد التسليم وضد السكون، وربما تشكّلت له هذه الحركة المزدوجة بتأثير طبيعته المعرفية.
إن الدور المعرفي الذي يقدمه بوعزة في كتابه يفصح عن نفسه عبر مظاهر عديدة، أهمها المقدمات أو البدايات التي يمكن أن ننظر إليها بوصفها لبّ صناعة السردية النقدية، وتوجيه الحركة. ففي البدايات التي تسبق الفصول- أو المباحث داخل الفصول- هناك خلق وصناعة سياق للقراءة والتوجيه، خاصة البداية التي تسبق الفصل الخاص بكتاب سعيد علوش (عنف المتخيل في أعمال إميل حبيبي)، وفي فصول أخرى بالضرورة. في هذه المقدمات هناك تهيئة وصناعة سياق للتلقي والقراءة، وفيها نوع من الاستباق، وربما نوع من الإحاطة الكاشفة عن القدرة والتوجيه.
من الجزئيات الدالة على النسق الاحتشادي في الكتاب جزئية النمو البطيء للفكرة، وهذا النمو الجزئي للفكرة الذي يعاني نوعا الحركة المتأنية المشدودة للاستعادة، يجعل تقديمها إلى القارئ محاطا بشبهة التكرار، أي تكرار الفكرة بأكثر من صيغة بنائية. لكن المتأمل لهذا النسق البنائي يكتشف أن داخل هذا التكرار إضافة يتمّ بناؤها، فالأمر في مثل هذه التكرارات أو الإعادات، خاصة في الجزئيات المرتبطة بالإشارة إلى توجّه سلبي لا تقف عند حدود البلاغة أو الصياغة، فهناك بناء متنام للفكرة، لكنه نمو مقطّب بالإضافة المتدرجة.
وقد يوجهنا الاحتشاد المهيمن على المقاربة إلى الطبيعة الإنجازية لمقاربة الموضوع، فالكاتب مهموم برصد كل الجزئيات بدون أن يوجّه خطته نحو أفق بنائي خاص يجعل إسهامه شديد التحديد. فقد يشده الحديث عن جزئيات عديدة مبتعدا عن الهدف المرجو الخاص بالكتاب موضوع الدراسة، مثل تغوّله في الحديث عن أثر السرديات في البنية الثقافية العربية، ومدى تفعيل آلياتها الاختزالية في التطبيق أثناء حديثه عن كتاب عبدالرحمن مودن «الرحلة المغربية في القرن التاسع عشر»، ثم عودته إلى الحديث عن أساليب التفاوض التي تنتهجها كل ثقافة مهزومة في مقابل الثقافة المنتصرة، مثل المؤلفات التي تعنى بالحكاية التراثية، أو الخبر، أو التراث السردي، وكأن هذه العناية تشكّل عملية استقواء ضد المنجز أو المؤسس الاستعماري الفني القادم.
البحث العلمي موكل بالجزئيات البارقة اللافتة التي تعطي شعورا بالمغايرة في اللمعان والضوء والبرق. ما أعنيه هنا يتمثل في أن عناية بوعزة بكل الجزئيات في المقاربة التفصيلية لكل كتاب تطرّق إليه، لا تشده نحو اختيار اللقطة الكاشفة شديدة الخصوصية، أو اللقطة الشعرية التي يجب الوقوف عندها والحفر لمقاربتها، للوصول إلى جزئية تشكل مناط اهتمام، ويمثل الوقوف عندها باحتشاد خاص كشفا وإضافة. فمن يصرّ على إضافة كل غرف منزله بذات الضوء، يفقد في غمرة أصراره واحتشاده، القيمة التي يوجدها توجيه الوهج نحو غرفة واحدة أو ركن وحيد.
إن التشكّل النصي الذي يأخذ ويعطي في علاقته بالنظرية والمنهج- وهي فكرة مهمة داخل تكوين بوعزة المعرفي- لم يتحقق بشكل كامل في معاينته لهذا التشكل، نتيجة لانشغاله بالدور المعرفي، لأن هذه المشاركة والإصرار على وجودها في كل لحظة قد تحدث نوعا من اهتزاز المعاينة، وتجعلها مؤطرة بمسافة أو غياب ما. فهذا الاحتشاد يصنع حالة من حالات التماهي المعرفي مع أفق أو آفاق النص، وليس النص النقدي بحد ذاته.
وهنا يتحوّل المنجز الكتابي في نقد النقد، إلى أداة مثيرة لخلق هذه المقاربة التي تتجلّى على نحو خاص في كتاب بوعزة، بالرغم من أن هذا التماهي يمكن أن يكون حاجزا رهيفا، في إدراك مقاربات نقد النقد موضوع الاشتغال والمقاربة في وجودها العيني، وكأن مقاربة بوعزة تحرّك المنجز من وجوده العيني المتحقق، إلى وجوده المثالي المتخيل تحت ضغط الإضافات والاستطرادات، وتحت تأثير العناية بالدور المعرفي الذي يحققه الكتاب في سياقه الثقافي العربي بامتياز.
غياب المسافة ومركزية الهامش
يمثل هذا الكتاب نقلة مهمة في مجال الاشتغال على نقد النقد، ولكن القارئ للكتاب يدرك أن هناك غيابا للمسافة بين النقد الأدبي ونقد النقد، وأن النقد الأدبي باتجاهاته ومناهجه ونظرياته- وهذا به نوع من المشروعية- يمارس تأثيرا وحضورا كبيرين على منجز نقد النقد. وتجلّى ذلك في استراتيجيات الترتيب والتنظيم داخل الكتاب مثل البدء من الأيديولوجيا بوصفها صدى ماركسيا للدراسات الأدبية والنقدية في الفترة الأولى.
غياب المسافة بينهما يؤدي إلى نوع من الإرباك وغياب الخصوصية التي يستند إليها نقد النقد. وفي ظلّ غياب المسافة يحدث نوع من توازي المنطلقات والإشكاليات ذاتها. وفي ظني أن نقد النقد عليه أن يشتغل على أسس تتواري فيها المنطلقات الأساسية المنهجية لكل منهج أو توجّه، بحيث يكون هناك بحث أو توليد لمنطلقات جديدة. يكشف عن ذلك أن كتاب بوعزة يظلّ في حركته النامية متساوقا مع الخطاب النقدي تابعا له ومشدودا إليه، وكأن به نوعا من النشأة سابقة التجهيز.
إن مقاربة بوعزة في هذا الكتاب لمنجز النقاد في مجال نقد النقد، لم تستطع أن تتحرّك حرة في ارتياد رؤاها، لأنها ظلت معنية بالحركة داخل الإطار ناقدة إياه مشيرة إلى سلبياته وارتكاساته بشكل رائع. ولكن الحرية التي كنت أتمنى وجودها تتمثل في صناعة الإجراء أو الإجراءات الخاصة لهذا التخصص التي يجب أن يؤسسها لنفسه، لكي يتنفس هواء غير مستخدم. فنقد النقد عليه أن يبحث عن فرادة إجرائية، ليس لها صفة الثبوت الدائم، وإنما فرادة مرحلية من لحظة زمنية إلى أخرى، ومن ناقد إلى آخر، فرادة تتشكّل من الهدف، وتتجلّى داخل مجال الاشتغال في أشكال وتحويرات مختلفة.
مغايرة الإنجاز المتوالي لنقد النقد في كتاب بوعزة- وإن كانت مغايرة إجرائية منهجية- لم تسلم من فكرة التعاقب الزمني، ما يجعلها مشدودة كأنها ظلّ على بعد مسافة بسيطة من النقد وخطابه. فهناك في كل جزئيات الكتاب حركة كاشفة عن تبعية، بداية من التنازع بين الأيديولوجي والإبستمولوجي، ومرورا بمنهجيات الدور اللغوي من خلال البنيوية، وانتهاء بنظريات الخطاب، وكأننا أمام بنية تلازمية في المنطلقات والإشكاليات تجعل نقد النقد ظلا للنقد، وتزلزل أية خصوصية منتظرة لهذا التخصص.
الخروج من أزمة التقعيد لدى الدغمومي لا يتمّ- كما يرى بوعزة- من الانتباه للشاذ الهامشي البعيد عن النسقي المركزي، وإنما بتبني انفتاحية غير مشدودة للثبات، وهذه الانفتاحية توجهنا نحو صناعة النسقية المرجأة التي تظلّ ناقصة دائما، وتظلّ بحاجة إلى استمرارية الإضافة والتحوير والتعديل. ويبدو أن نهج تودروف يمثل تصوّرا مقبولا، في اقترابه من الخطابات النقدية دون نموذج تقعيدي يستند إلى العلمية، وإنما تأتي مقاربته محمية بإجراءات مرنة يتم استيلادها، وتطويرها وتطويعها استنادا إلى كل حالة نقدية بوجودها الخاص المفرد. فلابد أن تكون هناك منطلقات تكيّف هذه الإسهامات النقدية، وتعاين مساراتها. ثمة منطلق أساسي في فكر بوعزة النقدي في هذا الكتاب، يطلّ واضحا في كل مقارباته لجزئيات موضوعه، يتمثل في مركزية الهامش، فمأخذه الجاهز على كثير من الإسهامات في مجال نقد النقد، يتوجه دائما حول إهمال الهامش، ويجيد في كتابه تفعيل وتدوير هذا المأخذ وتحويره، لكنه في كل مرة- أي الهامش- يتشكل وفق طبيعة الاهتمام بالمتن، كما وجدنا عند أحمد بوحسين في كتابه عن طه حسين، أو في سياق الاهتمام بالنسق كما ظهر في تناوله لكتاب الدغمومي، في محاولته الوصول إلى كليات تقعيدية عليا، يتوارى في داخلها كل مغاير أو مقلق لسلطة وديمومة النسق وفاعليته.
في كتاب بوعزة اهتمام خاص بهذا الهامش الذي يشوّش النسق أو المتن، فهو دائما يشير إلى قيمة هذا الهامش الذي يحدث اضطرابا داخل المتن، وتنبع قيمته وتتشكل وتتجلى في احتمالية التأثير على الكلية النسقية، ومن ثم يكون قادرا على إحداث تعديل في هذا النسقي أو المتن، أو على الأقل يسهم في توسيع مساحة اشتغاله، أو افتراضاته، حتى يشمل هذه العناصر الهامشية التي تخرق سطوته، فتجعله يعاين منطلقاته وتخلخل ثباته، وتعطيه نوعا من المرونة.
يأتي نقد النقد في ظلّ هذا الفهم بوصفه محاولة لزحزحة الثبات والخروج من التبعية، بإحداث مساحة من الحوار مع الآخر وثقافته، فهو وعي يحاول التملص دائما من النقل الحرفي. والاشتغال على نقد النقد لا نجده غالبا إلا لدى أناس مشغولين بفكرة المساءلة لتأمل المنجز النقدي العربي في مداه الطويل. وفي ظل ذلك، وفي ظل طبيعة النظر إلى كتاب بوعزة، نجده يلحّ إلحاحا متزايدا في كل جزء من الكتاب على آليات المثاقفة، ففي رأيه أن النقل من الآخر أو الارتباط بمنجزه يجب ألا يغفل الأشكال التفاوضية التي تؤسس لتشكيل الهوية والمغايرة والاختلافات الثقافية التي تلازم حتما عملية المثاقفة، وتكشف عن تقابلات وثنائيات. فوضع النظرية على محك المساءلة- في منطق بوعزة- يمثل التجسيد العملي للوعي النقدي الذي لا يكتفي بالتقليد والاستهلاك، وإنما يتجاوز ذلك إلى التوليد والانتاج الأصيل.
محمد بو عزة: «نقد النقد»
المركز العربي للأبحاث، بيروت 2025
480 صفحة.


