الصحافه

هآرتس..ترامب “عليهم تنفيذه” وأبو مرزوق “لم يطرح للنقاش”: نزع السلاح.. بين “البدائل الإدارية” واستئناف الحرب

هآرتس..ترامب “عليهم تنفيذه” وأبو مرزوق “لم يطرح للنقاش”: نزع السلاح.. بين “البدائل الإدارية” واستئناف الحرب

  “وافقوا على ذلك، وعليهم تنفيذه. وسنعرف في الأيام القريبة القادمة، وبالتأكيد في الأسابيع الثلاثة القادمة، إذا كانوا سينفذونه. وإذا لم يفعلوا فسيتم القضاء عليهم”، هكذا هدد دونالد ترامب حماس.

 بعد أقل من أسبوع على تهديد ترامب على هامش مؤتمر دافوس، قدم السفير الأمريكي في الأمم المتحدة، مايكل والتز، الأربعاء صيغة جديدة، مرنة ومناسبة، لا تتضمن تهديداً، فقال: “سيتم تدمير البنية التحتية الكاملة للإرهاب العسكري الهجومي، بما في ذلك الأنفاق ومنشآت إنتاج السلاح، ولن يعاد بناؤها. سيشرف مفتشون دوليون مستقلون على نزع السلاح في غزة، الذي سيشمل نقل السلاح من خلال عملية تفكيك متفق عليها، بمساعدة برنامج دمج وإعادة شراء ممول دولياً”.

 لم توضح الوثيقة الغامضة التي قدمها والتز الجهة التي ستشرف على العملية أو الجهة التي ستمول شراء السلاح وما هو معنى هذا الدمج أو إذا كانت “الصفقة” ستتم على أساس تنظيمي، أم أن أعضاء حماس سيسلمون السلاح أو “يبيعونه” بشكل فردي، أو إذا كانت الصفقة ستقتصر على السلاح الشخصي (الذي يقدر بـ 60 ألف قطعة) أو ستشمل أيضاً مئات الصواريخ والقذائف ومواد تخريبية أخرى. لم يذكر والتز جدولاً زمنياً، ولم توضح خطته إذا كان الهدف هو تنفيذها قبل بدء مرحلة إعادة الإعمار أو مدة استمرارها. وبشكل خاص، من غير الواضح إذا كانت الخطة قد نوقشت مع حماس أو إذا كانت وافقت على تبنيها. في الواقع، كانت لدى حماس إجابة قاطعة على السؤال الأخير. فقد صرح موسى أبو مرزوق، القائد البارز في حماس، في قناة “الجزيرة” الأربعاء وقال: “حماس لن توافق أبداً على تسليم سلاحها. وسلاح المقاومة لم يكن موضوع نقاش قط”.

لم يكن أبو مرزوق دقيقاً. فالمحادثات حول نزع السلاح تجري منذ عدة أسابيع مع أعضاء حماس في مصر وقطر وتركيا، ولكن لم يتم التوصل إلى أي تفاهمات ملموسة حتى الآن. وفي كانون الأول، صرح وزير خارجية مصر، بدر عبد العاطي، لصحيفة “الشرق الأوسط” السعودية: “سيتم التوصل إلى اتفاق بشأن نزع السلاح بين الفصائل الفلسطينية. أعتقد أنه يمكن التوصل إلى صيغة يتم بحسبها تسليم السلاح بالتدريج ضمن إطار فلسطيني”. ولم يتم سؤال عبد العاطي عن ماهية هذا الإطار الفلسطيني، لكن حسب مصدر فلسطيني رفيع، فإن النية هي تسليم السلاح للشرطة الفلسطينية التي ستصل إلى غزة برعاية الهيئة الديمقراطية وتحت إشراف مجلس الإدارة المدنية برئاسة نيكولاي ميلادينوف.

 مبدأ التدرج هذا طرحه وزير خارجية تركيا هاكان فيدان قبل أسابيع. وفي الشهر الماضي، صرح: “لا يمكن أن يكون نزع السلاح الخطوة الأولى في هذه العملية، يجب التقدم بالترتيب الصحيح والبقاء واقعيين”، هذا يعني -حسب رأيه- بأن نزع سلاح حماس بشكل سريع وكامل أمر غير منطقي ضمن الجدول الزمني الذي حدده ترامب. ربما يدرك فيدان والرئيس التركي أردوغان أكثر من أي زعيم آخر في المنطقة، المعنى العملي لنزع سلاح التنظيمات الإرهابية. فخلال نصف قرن تقريباً وتركيا تخوض حرباً ضد المقاومة الكردية التي جبت أرواح عشرات الآلاف. وقد باءت محاولات التوصل إلى اتفاق مصالحة ونزع سلاح المقاومة بالفشل الذريع، ولم تتمكن الأطراف إلا في السنة الماضي من التوصل إلى بداية اتفاق أعربت فيه المقاومة عن استعدادها لنزع سلاحها بشكل عام. هذه العملية تعتبر معقدة هنا أيضاً؛ إذ من المفروض أن تشمل العفو عن حاملي السلاح والاعتراف بحقوق الأكراد الثقافية واستثمارات مالية ضخمة في المناطق الكردية.

 غزة ليست الساحة الوحيدة التي تسعى فيها الولايات المتحدة إلى نزع سلاح المليشيات والمنظمات المسلحة غير الحكومية. ففي العراق بدأت حملة نزع سلاح المليشيات في فترة ولاية بايدن عندما طالب وزير خارجيته أنتوني بلينكن في 2024، رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني بنزع سلاح ثلاث مليشيات موالية لإيران. وحتى لو تم اعتماد هذا النهج التدريجي لما كان سيحل مشكلة الجيش الموازي الذي أقامته إيران في العراق. يضم هذا الجيش 12 مليشيا موالية لإيران في إطار “الحشد الشعبي”، وهو الجهاز العسكري الذي تشكل في 2014 لمحاربة “داعش”. وقد تضخم هذا الجهاز بشكل كبير وأصبح يضم أكثر من 220 ألف جندي، أي أكثر من الجيش الوطني العراقي. صحيح أنه كان تابعاً قانونياً لوزارة الدفاع في العراق، لكن الأمر إداري فقط. أما في نشاطاته العسكرية فهو مستقل وينسق تحركاته مع “قوة القدس” التابعة لحرس الثورة ومع سياسيين عراقيين.

 في هذه السنة، قرر ترامب تصعيد جهوده لتفكيك هذا الإطار الخارج عن الجيش. وكعادته، هدد بإلحاق الضرر بالاقتصاد العراقي إذا تم تعيين أعضاء من المليشيات الموالية لإيران في الحكومة القادمة. وقد أعلن بعضهم، بالمناسبة، استعدادهم لنزع السلاح مقابل تعويضات سياسية واقتصادية. ولكن المليشيات الكبيرة التي تشكل ركيزة النفوذ الإيراني في العراق أوضحت بأنها لن تنضم لهذه الخطوة “في الوقت الراهن”. أما في سوريا، فاتبع ترامب نهجاً مختلفاً وأكثر مرونة؛ فقد سمح للرئيس أحمد الشرع بدمج المليشيات الإسلامية المتشددة في الجيش السوري الجديد وإنشاء وحدة منفصلة لها، التي يمكن دمجها في الجيش بعد إعادة تأهيلها. مع ذلك، ما زالت هناك مليشيات مسلحة مستقلة تنشط في سوريا، من بينها التي شاركت في مجازر العلويين والدروز. ويتمثل التحدي الأكبر الذي يواجهه النظام السوري في دمج القوات الكردية والدرزية في الجيش الوطني، وهي العملية التي أدخلت الإدارة الأمريكية بالفعل إلى صراع مع القوات الانفصالية، ويتوقع أن يتفاقم هذا الصراع نظراً لمطالبتهم بالحكم الذاتي أو ضمان حقوقهم العرقية. ورغم أن ترامب لا يفرض ضغطاً زمنياً على سوريا (خلافاً لحماس)، لكن ضغطه الكبير على الأكراد أثر في وقف إطلاق النار بينهم وبين الجيش السوري. ويقدر أنه سيتم التوصل قريباً إلى اتفاق شامل، أو فرضه، لتنظيم وضعهم.

 في لبنان، أعلن الرئيس جوزيف عون في بداية الشهر عن استكمال المرحلة الأولى في خطة نزع سلاح حزب الله، على أن تبدأ المرحلة الثانية الشهر القادم، وهي جمع السلاح الموجود بين نهر الليطاني ونهر الأولي. وتواصل إسرائيل هجماتها في لبنان بادعاء أن جنوب لبنان لم يتم تطهيره بالكامل من السلاح. ولكن يبدو أن الإدارة الأمريكية تبنت بالفعل الخطة المرحلية. ولم تسمع تهديدات “فتح باب جهنم” على لبنان مؤخراً. وربما يعرض قائد الجيش اللبناني، رودولف هيكل، في الأسبوع القادم خطة عمل لمواصلة نزع السلاح على كبار المسؤولين في الإدارة الأمريكية والجيش الأمريكي. وربما تستمر هذه الخطة بضعة أشهر على الأقل ما لم تتطور مواجهة عنيفة بين الجيش وحزب الله. يبدو أيضاً أن الضغط على لبنان لن يكون قريباً ولا على رأس أولويات الإدارة الأمريكية في ظل التوتر في الخليج وتوقع هجوم أمريكي على إيران ورد إيراني. وإذا قرر حزب الله الانضمام للحملة ومهاجمة إسرائيل، فإسرائيل هي التي ستتعامل مع الحزب وليس الجيش اللبناني.

 يكمن الفرق بين معركة الولايات المتحدة لتقليص الوجود العسكري للمليشيات والمنظمات المسلحة في دول المنطقة وبين تحركاتها ضد حماس في أن لكل دولة من هذه الدولة حكومة ذات سيادة، تمتلك جيشاً ومصلحة في التصدي لهذه المنظمات. ويمكن للولايات المتحدة أن تمارس الضغوط أو التهديدات أو تتفاوض للتوصل إلى حل ينقل المسؤولية إلى الدولة. أما في غزة، فلا توجد حكومة ذات سيادة، ويتم إجراء المفاوضات مع حماس من خلال دول وساطة أو من خلال الولايات المتحدة مباشرة (في حالات استثنائية)، ويلتزم الوسطاء بالعمل على نزع سلاح حماس، لكن بعضهم، مثل قطر وتركيا، غير مسموح لهم حالياً بالعمل في قطاع غزة. ولم يتم بعد تشكيل القوة متعددة الجنسيات التي من المفروض أن تنزع سلاح حماس حسب خطة ترامب، ولا يعرف متى سيتم تشكيلها.

 ظاهرياً، تمتلك إسرائيل الحق والقدرة على شن حملة عسكرية جديدة في غرب غزة، في محاولة لتحييد حماس عسكرياً. ولكن هذا لا يعني تجميداً كاملاً لتنفيذ خطة ترامب وإلغاء خطة إعادة الإعمار وإعادة مسؤولية إدارة غزة لإسرائيل، مع كل ما يترتب على ذلك من تداعيات عسكرية وسياسية وإنسانية واقتصادية. صحيح أن ترامب يهدد بتدمير حماس إذا لم تنزع سلاحها، لكن لا يبدو في الوقت الراهن بأنه مستعجل لإعطاء إسرائيل الضوء الأخضر لتنفيذ هذا التهديد. فهو يفضل فحص بدائل “إدارية” تدريجية على شاكلة النموذج الذي اعتمده في سوريا والعراق ولبنان. عملياً، هذا تفاوض سياسي مع حماس حول وضعها في المستقبل. إذا كان هذا هو قرار ترامب، فربما تبقى حماس في القطاع، وتصبح جزءاً من الإدارة المدنية المحلية كجزء من التعويض الذي ستحصل عليه مقابل نزع سلاحها.

تسفي برئيل

هآرتس 30/1/2026

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب