هل تغيّر الإعلام الألماني بعد ثلاث سنوات من حرب غزة؟

هل تغيّر الإعلام الألماني بعد ثلاث سنوات من حرب غزة؟
علاء جمعة
برلين –: قبل أيام من الذكرى الثالثة لحرب غزة، يضع صحافيون يعملون في ألمانيا غرف الأخبار أمام سؤال تأخر طويلاً: هل حصل الفلسطينيون على فرصة لرواية ما جرى لهم، أم ظلت قصتهم تُروى في معظم الأحيان بأصوات الآخرين؟
الصحافي الألماني الاستقصائي المقيم في برلين يوسي بارتال، الذي يكتب لصحيفة «تاتس» الألمانية، يرى في حديث مع «القدس العربي» أن بعض التغطيات أصبحت أكثر استعداداً لمساءلة الرواية الإسرائيلية. لكنه يتحفظ على وصف ذلك بأنه مراجعة جوهرية، ويقول إن المشكلة تمتد من أخبار الحرب إلى طريقة تناول الاحتجاجات المؤيدة للفلسطينيين داخل ألمانيا.
وتأتي شهادته فيما يتجدد النقاش الألماني حول علاقة الصحافة بالمسؤولية التاريخية تجاه إسرائيل. ففي بلد تحتل فيه هذه العلاقة موقعاً حساساً، يُطرح السؤال عن قدرة غرف الأخبار على فحص تصريحات الحكومة والجيش الإسرائيليين بالصرامة نفسها التي تُطبّق على بقية أطراف الحرب.
من يروي سردية الحرب؟
حسب بارتال، حظيت المصادر الرسمية الإسرائيلية في أجزاء من التغطية بثقة أوسع من تلك الممنوحة للمصادر الفلسطينية. ويرى أن هذا التفاوت أثّر في اختيار الروايات المنشورة وطريقة تقديمها، وأنه لم يقتصر على المؤسسات المحافظة، بل ظهر بدرجات مختلفة في وسائل إعلام عامة وصحف ذات توجهات أخرى.
يوسي بارتال: بعض التغطيات أصبحت أكثر استعداداً لمساءلة الرواية الإسرائيلية
ولهذا التفاوت، في تقديره، أثر يتجاوز عدد مرات الاقتباس. فحين تتقدم رواية طرف على سواها، يصبح أكثر قدرة على تحديد ما يستحق الاهتمام وكيف يفهمه الجمهور، بينما يصعب على الفلسطينيين إدخال تجاربهم وتفسيراتهم إلى القصة.
وقد أعاد الصحافي فابيان غولدمان طرح هذه المسألة في مقابلة نشرتها «إسلاميشه تسايتونغ» في 30 أيلول / سبتمبر 2026. وقال إنه حلّل 125 مادة من «بيلد» و»شبيغل» و»تاغيسشاو» و»تاتس» و»تسايت»، نُشرت بين 7 تشرين الأول / أكتوبر 2023 و19 كانون الثاني / يناير 2025، ضمن التحقيقات التي تضمنها كتابه عن التغطية الألمانية.
وخلص غولدمان، وفق عرضه لمنهجيته، إلى اعتماد واسع على المصادر الرسمية الإسرائيلية، وتفاوت في حضور الضحايا ورواياتهم الشخصية. لكنه أقر أيضاً بوجود تقارير جيدة في وسائل الإعلام التي تناولها. وتبقى استنتاجات نابعة من نتائج عمله البحثي الصحافي، ولا يصح التعامل معها بوصفها حكماً نهائياً على الإعلام الألماني كله.
ثقة الجمهور على المحك
أزمة التغطية ظهرت كذلك في نظرة الجمهور إليها. ففي استطلاع تمثيلي أجراه «إنفراتيست ديماب» لصالح برنامج «زاب» التابع لشبكة «NDR»، ونُشرت نتائجه في آب / أغسطس 2024، قال 48 في المئة من المشاركين إن ثقتهم بالتغطية الألمانية للحرب قليلة أو معدومة.
ورأى 31 في المئة أن وسائل الإعلام تميل أكثر من اللازم إلى جانب إسرائيل، مقابل خمسة في المئة رأوا أنها أقرب إلى الجانب الفلسطيني، بينما وصفها 38 في المئة بأنها متوازنة. وهي أرقام تقيس تصور الجمهور، ولا تثبت وحدها انحياز المحتوى أو تكشف كيف تطور لاحقاً.
وفي التحقيق المصاحب، وصف رئيس تحرير «ARD» أوليفر كوهر الأرقام بأنها مقلقة، وأشار إلى أن المواقف المسبقة القوية لدى الجمهور تجعل قبول التغطية بوصفها موضوعية أكثر صعوبة. أما أستاذة الاتصال كارولا ريختر فرأت أن مستوى انعدام الثقة يشير إلى مشكلة في قدرة التغطية على بناء المصداقية لدى المتلقين.
غزة داخل ألمانيا
بارتال يشير إلى ساحة أخرى للنقاش: تغطية الاحتجاجات الفلسطينية والمؤيدة للفلسطينيين داخل ألمانيا. ففي بعض التقارير، وفق تقييمه، تتقدم رواية الشرطة أو الجهات المنتقدة للاحتجاجات، بينما يتراجع حضور المشاركين أنفسهم وشرحهم لدوافعهم.
ويرى أن صعوبة وصول الأصوات الفلسطينية إلى الإعلام تجعل جزءًا من النقاش يدور حول الفلسطينيين من دون مشاركتهم الكافية فيه. وتصبح المظاهرة، في هذه الحالة، خبراً عن الأمن والنظام العام أكثر مما تكون مناسبة لفهم المطالب التي خرج أصحابها من أجلها.
وفي تقريرها عن حرية الصحافة في ألمانيا لعام 2026، سجلت «مراسلون بلا حدود» استمرار التوتر داخل غرف الأخبار بشأن تغطية الشرق الأوسط خلال عام 2025. وقالت إن صحافيين واجهوا صعوبات في تناول انتهاكات حقوق الإنسان المرتبطة بالجيش الإسرائيلي بالطريقة نفسها التي تُتناول بها انتهاكات دول وجيوش أخرى، ورصدت تعرض صحافيين للتشهير وحملات عبر الإنترنت في الجدل حول معاداة السامية ونقد الحكومة الإسرائيلية.
ويتقاطع ذلك مع ما يصفه بارتال بالرقابة الذاتية. فالصحافي، حسب شهادته، قد يتردد في تناول موضوع أو اختيار تعبير معين خشية رد الفعل داخل المؤسسة أو خارجها، حتى في غياب تعليمات مكتوبة تمنعه.
تغير في التغطية وحدود للمراجعة
مع ذلك، لا ينفي بارتال حدوث تحسن. فهو يقول إنه لاحظ خلال الأشهر الأخيرة والعام الماضي مساحة أوسع للتدقيق في المعلومات الإسرائيلية، ويرى في ذلك تطوراً إيجابياً. لكن اعتراضه يتعلق بالتوقيت وبحجم التغيير: لماذا احتاج هذا التدقيق إلى كل ذلك الوقت، وهل أصبح ممارسة ثابتة؟
أقوال بارتال تتيح الحديث عن مؤشرات مراجعة، لكنها لا تكفي لإثبات تحول شامل. كما أن ظهور تقارير ناقدة لا يجيب وحده عن سؤال اختيار المصادر في التغطية اليومية، أو عن الطريقة التي يُقدَّم بها الضحايا الفلسطينيون إلى الجمهور.
وقبيل الذكرى الثالثة، يظل الاختبار واضحاً: أن يستطيع الفلسطيني رواية تجربته، وأن تُفحص البيانات العسكرية قبل أن تتحول إلى خبر، وأن يحضر الضحايا بأسمائهم وحياتهم حين تتوافر المعلومات. غير أن هذا الأمر ما يزال بعيد المنال، كما يقول بارتال لـ»القدس العربي».
«القدس العربي»



