مقالات

ومن الكتب ما قتل بقلم الدكتور ضرغام الدباغ

بقلم الدكتور ضرغام الدباغ

ومن الكتب ما قتل
بقلم الدكتور ضرغام الدباغ / برلين
من أهم المشكلات في الابنية الحديثة هي صغر مساحات الشقق بدرجة تزعج من لديه مكتبات خاصة ويحتفظ بعدد كبير من الكتب، فالامر يغدو من الدرجة بصعوبة التضحية بالكتب وبذلك تتقلص المساحة المتاحة في الشقة من أجل الاغراض الأخرى. ويصبح لابد من التضحية بالكتب، وهنا سيتعين عليك تحسن أختيار أي الكتب التي ستضحي بمن هم بدرجة الاصدقاء … لذلك فقد حصل أن أرغمت على التخلي عن ألاف الكتب، ولكني في المرتين رفضت بيعها، بل أهديتها مرة لصديق في بغداد، ومرة اخرى تبرعت بها لمعهد عربي في برلين.
وكنت حتى أن ابتلينا بالشقق الصغيرة، ممن يمتلكون مكتبات بيتية كبيرة، وكانت لي مكتبتان: في بغداد، وبرلين، ولكني أضطررت للتخلي عن مكتبة بغداد وكانت تضم نحو 16 ألف كتاب، وأن أكتفي بمكتبة برلين، التي أضطررت بعد عام 2004 إلى إجراء تقليص بكميتها، وتراجعت أعداد الكتب من نحو 15 ألف كتاب، إلى حوالي 1200 كتاب فقط، وهي تضم كتب لابد منها من القواميس والمعاجم، والموسوعات، والكتب الثمينة بأنواعها وأسعارها، والكتب الأساسية لتعليم السياسة، والدبلوماسية باللغتين : العربية والألمانية، وهكذا صارت المكتبة صغيرة لدرجة محزنة، لا تضم إلا الضروري جداً من الكتب.
وفي هذه الحالة، أخذت المكتبة تنوء بحملها الثقيل، وأضيف عليها بين الحين والآخر كتباً أعتبرها ضرورية، وبالفعل بدأت تترنح بعد ما حملت أكثر من ضعف ما يمكن أن تحمله، وبدأ رفوفها تتقوس تحت ثقل الكتب وتنبأ بأحتمال أنهيارها، وحذرتني زوجتي من ذلك، لأني كنت أتخذ صوفا بالقرب من المكتبة في فترات الاستراحة، وضحكنا حين أخبرتها عن الحوادث المؤسفة لمن سقطت عليهم الكتب وأودت بحياتهم، ومنها وأشهرها، أن المفكر العربي الكبير أبو عمرة الجاحظ قتل تحت الكتب التي أنهارت عليه، وحادثة لصديق كان يتنقل بين بغداد وعمان، وقد أشترى كتبا كثيرة من بغداد وهو المقيم في أوربا، ولكن الباص الذي ينقله تعرض لحادث، فأنهار صندوق الكتب على رأس صديقي، وأصابه إصابة بالغة، أدت لوفاته. وهناك حادثة مماثلة حدثت لكاتب ألماني سقط حين كان يستخدم سلماً ليطال كتب الرفوف العليا في مكتبته، وكانت سقطته مؤثرة أودت بحياته،
وبعد أيام من هذه المحادثة وبينما كنت مستلقياً على الصوفا، قمت لأتناول الماء، وما خطوت بضعة خطوات، أنهارت المكتبة بحملها الثقيل الثمين، ولكن القاتل، وبفارق دقيقة واحدة فقط من أبتعادي عن المكتبة، بعدها أضطررت للبحث عن مكتبة جديدة ذات خشب حقيقي متين جداً، والتضحية مكرهاً بعدد من الكتب الجديدة .
واليوم بعد مرور أكثر من عشرين عاماً على أستخدامي الكثيف للكومبيوتر، وقادتني الحاجة لأقتناء أنواع ممتازة منها، تتمتع بقابلية حفظ كم كبير جداً من الكتب الالكترونية، نمت مكتبتي الشخصية بدرجة كبيرة لتبلغ أكثر من 60 ألف كتاب، وكل هذه الكمية الكبيرة صار بالامكان الأحتفاظ بها في مخزن أصغر من نصف حجم كف اليد، وبوسعك أن تضعها في جيبك بوزنها الخفيف، قد لا ترتاح لأستخدام المكتبة الالكترونية في البداية، ولكنك سوف تعتاد عليها، كالمكتبة الورقية بل وأفضل، فهي اسهل وأسرع، وبالطبع لا تحتل مكانا واسعاً في البيت.وأقل تعباً، وكفى الله القراء شر أنهيار المكتبات ….
فاحذروا المكتبات الثقيلة فوزن الكتاب ليس بسيطاً، أما إذا قادتك الكتب والمصادر إلى درجة عالية من الوعي وإلى أكتشافات خطيرة تراها وتدركها بدرجة غير اعتيادية من الوضوح، وتلجأ إلى اقتناء مكتة ضحمة، فأحذر أن لا تقع ضحية لوعيك …! ومن الكتب ما قتل ….!
 الصورة المرفقة :لوحة الرحل الذي يرتقي سلما ليبحث عن كتاب، للرسام كارل شبتسفيغ

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب