مقالات

«مجلس السلام» أم مجلس لإدارة الحرب؟ إسرائيل تعرقل الاتفاق ونتنياهو يخشى ثمن التسوية..

«مجلس السلام» أم مجلس لإدارة الحرب؟ إسرائيل تعرقل الاتفاق ونتنياهو يخشى ثمن التسوية..

الأستاذ: علي او عمو.

كاتب من المغرب.

حين يصبح تنفيذ الاتفاق رهينةً للحسابات الانتخابية الإسرائيلية، يصبح الحديث عن السلام مجرد شعار..
ما يُسمّى بـ«مجلس السلام» يواجه اليوم امتحاناً صعباً في قطاع غزة. فبعد حرب مدمرة خلّفت آلاف الضحايا

ودماراً هائلاً، كان يُفترض أن يكون الاتفاق خطوة نحو وقف النزيف وفتح الطريق أمام مرحلة جديدة. لكن بدلاً
من أن يبدأ التنفيذ، عادت الشروط والعراقيل لتضع الاتفاق برمته أمام خطر الانهيار.
والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة: من يعرقل تنفيذ الاتفاق؟.. المفارقة أن الفصائل الفلسطينية أعلنت قبولها بالاتفاق
والاستعداد لتنفيذ بنوده، في حين تواصل إسرائيل وضع العراقيل والشروط، وفي مقدمتها محاولة تحويل بند «تخزين السلاح» إلى مطلب مختلف تماماً هو «نزع السلاح». وهذا ليس تفصيلاً لغوياً.
فالفرق بين تخزين السلاح ونزعه فرق جوهري. الأول يعني ترتيباً متفقاً عليه ضمن مرحلة انتقالية، أما الثاني فيعني تجريد طرف فلسطيني من قدرته العسكرية بالكامل. ولذلك فإن فرض نزع السلاح كشرط مسبق لتنفيذ الاتفاق يعني عملياً إعادة كتابة الاتفاق بعد التوصل إليه.

وهنا تبرز مسؤولية الولايات المتحدة و«مجلس السلام» بصورة مباشرة. إذا كانت الفصائل الفلسطينية قد وافقت على الاتفاق، فلماذا لا يُطلب من إسرائيل تنفيذ ما عليها من التزامات دون إضافة شروط جديدة؟..إن الوسيط الحقيقي لا يكتفي بالضغط على الطرف الأضعف، ولا يسمح للطرف الأقوى بإعادة صياغة الاتفاق وفق مصالحه. الوساطة تعني أن تكون الالتزامات متبادلة، وأن يكون الاتفاق ملزماً للجميع.
نتنياهو بين الاتفاق وصندوق الاقتراع
لكن ثمة عاملاً سياسياً إسرائيلياً لا يمكن تجاهله عند محاولة فهم أسباب التعثر: الحسابات الانتخابية الداخلية.
فبنيامين نتنياهو لا يتحرك في فراغ سياسي. إنه يواجه ضغوطاً داخلية وحسابات تتعلق بمستقبله السياسي
وبموقف اليمين الإسرائيلي من أي اتفاق يُنظر إليه باعتباره تنازلاً أمام الفلسطينيين.

ومن هذا المنظور، يمكن فهم أحد أسباب صعوبة إقدام نتنياهو على قبول تسوية كاملة تنهي الحرب وتفرض
انسحابات والتزامات سياسية وأمنية. فقبول مثل هذه التسوية قد يعرّضه لهجوم من القوى اليمينية التي
ترفض أي تنازل لحماس أو للفلسطينيين، وقد يُقدَّم سياسياً باعتباره تراجعاً أو هزيمة بعد حرب طويلة.
وبالتالي، فإن السؤال المشروع ليس فقط: ماذا تريد إسرائيل من الاتفاق؟ بل أيضاً: ماذا يستطيع نتنياهو أن
يقبل به دون أن يدفع ثمناً سياسياً في الداخل الإسرائيلي؟ وهنا تكمن خطورة تحويل اتفاق يفترض أن ينهي
الحرب إلى ورقة في الحسابات الانتخابية.
فغزة ليست ساحة انتخابية إسرائيلية، وأرواح المدنيين الفلسطينيين ليست أوراقاً تفاوضية في معركة نتنياهو
السياسية.
أين «مجلس السلام» من كل ذلك؟
إذا كان «مجلس السلام» قد أُنشئ فعلاً لإنهاء الحرب، فإن عليه أن يثبت ذلك بالفعل لا بالشعارات. وعليه أن يطرح السؤال البسيط: هل يوجد اتفاق أم لا؟ إذا كان هناك اتفاق، فليُنفَّذ كما تم التوافق عليه.
إذا كان بند الاتفاق يتحدث عن تخزين السلاح، فلا يجوز تحويله إلى نزع السلاح. وإذا كانت هناك التزامات إسرائيلية وفلسطينية متبادلة،فلا يجوز مطالبة طرف بتنفيذ التزاماته فوراً، بينما يُسمح للطرف الآخر بإرجاء التزاماته أو إضافة شروط
جديدة.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول «مجلس السلام» إلى أداة لإدارة الأزمة بدلاً من إنهائها، أو إلى منصة للضغط على الفلسطينيين فيما تُترك إسرائيل حرة في تحديد شروط التنفيذ وتوقيته.
فالسلام لا يُقاس باسم المجلس، ولا بعدد الاجتماعات، ولا بالتصريحات الدبلوماسية.
السلام يُقاس بعدد الأيام التي لا يُقتل فيها فلسطيني واحد بريء، وبمدى احترام الاتفاقات، وبالقدرة على منع الطرف الإسرائيلي من إفشالها عندما لا تتوافق نتائجها مع مصالحه السياسية.

أمريكا مطالبة بإثبات أنها راعية للسلام..
أما الولايات المتحدة، التي تقف وراء هذا المسار، فإنها أمام اختبار أكبر. فلا يمكن لواشنطن أن تطلب من الفلسطينيين الثقة في «مجلس السلام» وهي عاجزة عن ممارسة الضغط الكافي على إسرائيل لتنفيذ الاتفاق.
ولا يمكن أن تكون الولايات المتحدة في الوقت نفسه الداعم السياسي والعسكري لإسرائيل، ثم تطلب من العالم التعامل معها باعتبارها وسيطاً محايداً تماماً.
إذا أرادت واشنطن فعلاً إنجاح الاتفاق، فعليها أن تقول بوضوح للكيان الإسرائيلي:لا شروط جديدة بعد الاتفاق، ولا انتقائية في التنفيذ،
ولا حصانة سياسية لأي طرف يعرقل السلام. أما أن يصبح الاتفاق رهينةً للحسابات الداخلية الإسرائيلية ولرغبة نتنياهو في تجنب الظهور بمظهر المهزوم أمام ناخبيه وخصومه السياسيين، فمعنى ذلك أن مستقبل غزة قد أصبح مرتبطاً بمستقبل حكومة إسرائيلية ومصالح رئيس وزرائها السياسية.

وهذا تحديداً ما يجب أن يرفضه أي مشروع يدّعي صناعة السلام.
غزة ليست ورقة انتخابية لنتنياهو، والاتفاق ليس نصاً قابلاً لإعادة الكتابة كلما تغيرت موازين السياسة.
لقد دُمرت غزة بما يكفي، ودفع المدنيون الثمن بما يفوق قدرتهم على الاحتمال.
والآن المطلوب ليس مجلساً جديداً يحمل اسم السلام، وإنما إرادة حقيقية لتنفيذ الاتفاق. فإذا كانت الفصائل الفلسطينية قد قبلت بما جاء فيه،فعلى إسرائيل أن تلتزم به أيضاً. وإذا كانت إسرائيل تريد تعديلاً جوهرياً على الاتفاق، فعليها أن تقول ذلك صراحة أمام العالم، لا أن تعرقل التنفيذ تحت عناوين وشروط جديدة.
أما «مجلس السلام»، فإن لحظة الحقيقة أمامه قد حانت: إما أن يكون مجلساً لفرض السلام على الجميع، أو يتحول إلى مجلس لإدارة الحرب بشروط المنتصر.

والتاريخ لن يحاسب غزة على ما يحدث بعد الاتفاق؛بل سيحاسب كل من امتلك القدرة على إيقاف الحرب واختار، لأي سبب كان، أن يتركها مستمرة.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب