الافتتاحيهرئيسي
من الاعتراف بدولة فلسطين إلى تنفيذ قرارات الشرعية الدولية: مسؤولية التحرك العربي

من الاعتراف بدولة فلسطين إلى تنفيذ قرارات الشرعية الدولية: مسؤولية التحرك العربي
بقلم رئيس التحرير
في ظل تصاعد الإجراءات الإسرائيلية في الأرض الفلسطينية المحتلة، من توسع استيطاني وتهديدات بالضم وهدم وتهجير وتقييد لحركة المواطنين، يبرز سؤال جوهري: هل استنفدت القيادة الفلسطينية أوراق القوة السياسية والقانونية، أم أن هذه الأوراق ما زالت قائمة وتحتاج إلى استراتيجية فاعلة لتحويلها إلى إجراءات دولية مؤثرة؟
تؤكد القراءة الموضوعية أن القضية الفلسطينية لا تفتقر إلى المرجعيات القانونية أو القرارات الدولية أو التأييد السياسي، بل تواجه فجوة بين الاعتراف بالحقوق الفلسطينية وتنفيذها على الأرض. لذلك، لم يعد كافياً تكرار البيانات، بل بات ضرورياً الانتقال إلى تحرك سياسي ودبلوماسي منظم، يستند إلى القانون الدولي ويوحد المواقف العربية والدولية ضمن برنامج عملي واضح.
الاعتراف بدولة فلسطين: رصيد سياسي
يشكل قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 67/19 لعام 2012 محطة أساسية، إذ منح فلسطين صفة دولة مراقب غير عضو، وأكد حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير والاستقلال على أرضه المحتلة منذ عام 1967. كما عززت موجات الاعتراف الدولي اللاحقة مكانة فلسطين في العلاقات الدولية.
وتعزز هذا المسار مع المؤتمر الدولي الذي ترأسته السعودية وفرنسا عام 2025، وما صدر عنه من «إعلان نيويورك» بشأن التسوية السلمية وتنفيذ حل الدولتين، والذي أيدته الجمعية العامة بأغلبية 142 دولة. وقد أكد الإعلان رفض التهجير القسري والتغييرات الديموغرافية، ودعا إلى خطوات عملية لتحقيق حل الدولتين.
غير أن الاعتراف لا ينهي الاحتلال تلقائياً ولا يضمن قيام الدولة. وتتمثل الخطوة التالية في تحويل هذا الرصيد إلى التزامات وإجراءات دولية تحمي الأرض والسكان، وتمنع تقويض قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة وقابلة للحياة، عاصمتها القدس الشرقية.
المرجعيات القانونية وآليات التنفيذ
يشكل قرار مجلس الأمن 2334 لعام 2016 مرجعية أساسية، إذ أكد عدم شرعية المستوطنات الإسرائيلية في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، ودعا إلى وقف الأنشطة الاستيطانية ورفض تغيير طابع الأرض المحتلة ووضعها القانوني.
كما خلص الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر في 19 تموز/يوليو 2024 إلى عدم قانونية استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة، وأكد ضرورة إنهائه، ووقف الاستيطان، وعدم الاعتراف بالوضع الناشئ عنه أو تقديم المساعدة في استمراره.
وتوفر هذه المرجعيات أساساً للتحرك، لكنها تحتاج إلى متابعة وتنفيذ. وينبغي تحويل الانتهاكات الموثقة، من مصادرة الأراضي وهدم المنازل إلى التهجير وتقطيع أوصال المناطق الفلسطينية، إلى ملفات قانونية ودبلوماسية متكاملة ترفع إلى الهيئات الدولية المختصة.
نحو آلية عربية موحدة
تقتضي المرحلة عقد اجتماع طارئ لمجلس جامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية، لصياغة خطة تتجاوز الإدانة إلى العمل، تشمل:
تشكيل لجنة عربية بالتنسيق مع دولة فلسطين لإعداد ملف موثق حول التطورات الميدانية وآثارها.
التحرك الموحد في مجلس الأمن لمتابعة تنفيذ القرار 2334 وحماية المدنيين، مع إدراك احتمال عرقلة أي قرار باستخدام حق النقض.
الدعوة إلى اجتماع طارئ للجمعية العامة لتوسيع الحشد الدولي بشأن تنفيذ قرارات الأمم المتحدة والرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية.
تفعيل مجلس حقوق الإنسان وتعزيز التوثيق والتحقيق والمساءلة.
التواصل مع الاتحاد الأوروبي والدول المعترفة بدولة فلسطين لبلورة إجراءات عملية لحماية السكان ومواجهة الاستيطان وضمان المساعدات.
استعادة المبادرة الفلسطينية
لا يكتمل التحرك الخارجي من دون وحدة وطنية وتوحيد للقرار السياسي وتعزيز مؤسسات منظمة التحرير وإصلاح المؤسسات العامة على أساس سيادة القانون والمساءلة. كما أن الحفاظ على وحدة الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وقطاع غزة، ضرورة لمنع تحويل التجزئة إلى واقع دائم.
إن أوراق القوة الفلسطينية والعربية والدولية ما زالت قائمة، لكنها تحتاج إلى إرادة سياسية موحدة وآليات متابعة وضغط مستدامة. فالمطلوب اليوم ليس تعداد القرارات، بل تنفيذها ومنع فرض وقائع جديدة على الأرض، وتحويل الاعتراف بدولة فلسطين إلى مسار فعلي لإنهاء الاحتلال وتجسيد الدولة المستقلة.
