19 مقعداً عربياً في الكنيست.. هل تتغير استراتيجية إسرائيل تجاه فلسطين؟.

19 مقعداً عربياً في الكنيست.. هل تتغير استراتيجية إسرائيل
تجاه فلسطين؟.
الأستاذ: علي او عمو
كاتب من المغرب
أثارت النتائج الأولية للانتخابات الإسرائيلية، وما أظهرته من
حصول القائمتيْن العربيتين على 19 مقعداً في الكنيست، اهتماماً
واسعاً لدى بعض المحللين والمعلقين العرب، الذين سارعوا إلى
اعتبار هذه النتيجة عاملاً قد يحد من قدرة بنيامين نتنياهو على
تشكيل الحكومة المقبلة، بل إن بعضهم تعامل معها وكأنها تحمل
في طياتها تحولاً سياسياً يمكن أن ينعكس إيجاباً على مستقبل
القضية الفلسطينية.
لكن السؤال الذي يبدو أن هؤلاء المحللين لا يولونه ما يستحقه
من اهتمام هو: هل تغيير موازين القوى داخل الكنيست، أو
وصول شخصية أخرى إلى رئاسة الحكومة الإسرائيلية، كفيل
بتغيير السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين؟.
إن المشكلة لا تكمن في عدد المقاعد التي يحصل عليها عرب
فلسطين، ولا في حقهم في المشاركة السياسية والدفاع عن
مصالحهم داخل المؤسسات الإسرائيلية، وإنما في المبالغة في
تقدير قدرة هذه المشاركة على تغيير استراتيجية دولة تتعلق
سياساتها بمستقبل شعب وأرض وقضية وطنية.
أولا: نتنياهو ليس هو الاستراتيجية الإسرائيلية.
من الأخطاء التي يقع فيها بعض المحللين العرب اختزال السياسة
الإسرائيلية في شخص بنيامين نتنياهو، وكأن رحيله عن رئاسة
الحكومة سيضع حداً للسياسات التي انتهجتها حكومته تجاه
الفلسطينيين.
إن نتنياهو يتحمل مسؤولية سياسية عن قرارات حكومته، لكن
السياسات الإسرائيلية المتعلقة بالاحتلال والاستيطان ورفض قيام
دولة فلسطينية مستقلة لا يمكن تفسيرها كلها بشخصه وحده. فقد
تتغير الحكومة، وتتبدل التحالفات الحزبية، ويصل إلى السلطة
منافسوه السياسيون، من دون أن يعني ذلك بالضرورة حدوث
تحول جوهري في الموقف الإسرائيلي من الحقوق الوطنية
الفلسطينية.
فهل يكفي أن يخسر نتنياهو رئاسة الحكومة حتى تتخلى إسرائيل
عن المستوطنات في الضفة الغربية؟ وهل سيقبل خلَفُه بقيام دولة
فلسطينية مستقلة ذات سيادة، أم أن التنافس على السلطة سيظل
محكوماً بحساباتِ السياسة الداخلية الإسرائيلية، بينما تستمر
معاناة الفلسطينيين؟.
إن تغيير رئيس الحكومة لا يعني بالضرورة تغيير السياسة، كما
أن إضعاف حزب أو معسكر انتخابي لا يساوي التخلي عن
استراتيجية ممتدة في الزمن.
ثانيا: 19 مقعداً.. ما حدود التأثير؟.
لا شك أن حصول الأحزاب العربية على 19 مقعداً، وفق النتائج
الأولية المتداولة، يمنحها وزناً تمثيلياً يستحق الاهتمام في
المشهد البرلماني الإسرائيلي. غير أن هذا الوزن لا ينبغي أن
يتحول إلى مبرر للاعتقاد بأن تغييراً جوهرياً في السياسة
الإسرائيلية تجاه فلسطين أصبح أمراً وشيكاً.
فالتأثير في حسابات تشكيل الحكومة شيء، والقدرة على فرض
تغيير في توجهاتها الاستراتيجية شيء آخر. وقد تؤثر المقاعد
العربية في التوازنات البرلمانية، أو تزيد صعوبة تشكيل ائتلاف
حكومي معين، لكن ذلك لا يضمن أن تقبل الأحزاب الإسرائيلية
الأخرى بتغيير مواقفها من الاحتلال والاستيطان وحق
الفلسطينيين في تقرير مصيرهم.
وهنا ينبغي التمييز بين أهمية التمثيل السياسي لعرب الداخل،
بوصفه حقاً من حقوقهم، وبين حدود ما يمكن أن يحققه هذا
التمثيل في قضية تتجاوز حدود البرلمان الإسرائيلي، وتتعلق
بحق شعب بأكمله في الحرية والاستقلال.
إن الاحتفاء بالنتائج الانتخابية لا ينبغي أن يحجب عنا السؤال
الأهم: ما الذي سيتغير في حياة الفلسطينيين إذا تغيرت تركيبة
الحكومة الإسرائيلية، بينما ظلت السياسات التي تتحكم في
واقعهم على حالها؟.
ثالثا: غزة والضفة الغربية تكشفان حقيقة الرهان.
إن المعيار الحقيقي لتقييم أي حكومة إسرائيلية ليس هو اسم
رئيسها، ولا عدد المقاعد التي حصل عليها خصومه، وإنما ما
ستفعله على الأرض.
ففي غزة، تظل الأولوية لإنهاء الحرب والدمار، وحماية
المدنيين، ومنع التهجير القسري، وضمان حق السكان في العودة
إلى بيوتهم والعيش بأمان وكرامة. وفي الضفة الغربية، يظل
وقف الاستيطان ومصادرة الأراضي والإجراءات التي تقوض
التواصل الجغرافي الفلسطيني شرطاً أساسياً للحفاظ على إمكانية
قيام دولة مستقلة قابلة للحياة.
إذا استمرت هذه السياسات في ظل الحكومة المقبلة، أياً كانت
هويتها، فما الذي تغير فعلياً في الاستراتيجية الإسرائيلية؟ وإذا
ظلت إسرائيل ترفض تسوية تضمن للفلسطينيين حقوقهم
الوطنية، فكيف يمكن اعتبار تغيير الحكومة انتصاراً سياسياً
للقضية الفلسطينية؟.
إن الوقائع على الأرض هي التي ينبغي أن تحكم على النتائج
السياسية، لا الأمنيات ولا الحسابات الانتخابية وحدها.
رابعا: متى يتحرر التحليل العربي من أوهام الانتخابات
الإسرائيلية؟.
المؤسف أن بعض المحللين العرب ينشغلون بتفاصيل المنافسة
بين الأحزاب الإسرائيلية، ويمنحون النتائج الانتخابية دلالات
تتجاوز ما تسمح به الوقائع. فتارة يصبح ضعف نتنياهو مؤشراً
على قرب انتهاء سياساته، وتارة تتحول زيادة التمثيل العربي في
الكنيست إلى علامة على إمكانية تغيير مستقبل القضية
الفلسطينية.
لكن التحليل السياسي الرصين يقتضي التمييز بين التغيير
التكتيكي والتحول الاستراتيجي، وبين إرباك الحسابات البرلمانية
وتغيير المواقف السياسية. كما يقتضي عدم الخلط بين ما قد
تحققه الأحزاب العربية في إطار المشاركة السياسية داخل
إسرائيل، وما يتطلبه إنهاء الاحتلال وتحقيق الاستقلال الفلسطيني
من تغييرات في السياسات والوقائع القائمة.
لسنا مطالبين بإنكار أهمية أي تطور قد يحد من نفوذ القوى
الأكثر تشدداً، لكننا مطالبون بعدم تحويله إلى انتصار لم يتحقق
بعد، أو إلى أمل سياسي لا تسنده ضمانات واضحة.
فالقضية الفلسطينية لا تختزل في مصير نتنياهو، ولا تتوقف على
قدرة هذا الحزب أو ذاك على تشكيل الحكومة. إنها قضية شعب
يطالب بحقه في الحرية وتقرير المصير وإقامة دولته المستقلة،
وهي حقوق لا تتحقق بمجرد تبدل الوجوه في المشهد السياسي
الإسرائيلي.
إن السؤال الذي ينبغي أن يشغل بال المحللين السياسيين العرب
ليس من سيفوز برئاسة الحكومة الإسرائيلية، ولا ما إذا كانت
المقاعد العربية ستعرقل عودة نتنياهو، بل ما إذا كانت الحكومة
المقبلة ستغير فعلياً سياساتها تجاه الفلسطينيين. فما لم يتغير
الموقف من الاحتلال والاستيطان وحق الفلسطينيين في إقامة
دولتهم المستقلة، فإن تغيير الأشخاص سيظل مختلفاً عن تغيير
الاستراتيجية، وستبقى الاحتفالات بالنتائج الانتخابية أقل أهمية
من الوقائع التي يعيشها الفلسطينيون كل يوم.



