الأرقام تفضح الإبادة.. تغيير إسرائيلي ممنهج لديموغرافية غزة

الأرقام تفضح الإبادة.. تغيير إسرائيلي ممنهج لديموغرافية غزة
غزة: تكشف أرقام الضحايا في غزة عن جريمة تغيير ديموغرافي ممنهج ترتكبها إسرائيل بحق الفلسطينيين، عبر حرب الإبادة الجماعية التي تشنها على القطاع المحاصر.
وتسببت الغارات الجوية المكثفة والقصف العشوائي باستشهاد عشرات الآلاف من المدنيين، وتشريد أعداد هائلة، وأحدثت تحولا جذريا في البنية السكانية لغزة، وفق مسؤولين فلسطينيين ومحللين سياسيين.
ومنذ بداية الإبادة بدعم أمريكي مطلق، في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، قتلت إسرائيل 50 ألفا و21 فلسطينيا، معظمهم أطفال ونساء، حسب وزارة الصحة الفلسطينية في غزة.
وارتكبت إسرائيل، وفق إحصائيات من وزارة الصحة، 11 ألفا و850 مجزرة بحق عائلات فلسطينية، ما أدى إلى إبادة 2165 عائلة بالكامل، وفقدان 9272 فردا من 5064 عائلة أخرى.
خلل سكاني
المدير العام للمكتب الإعلامي الحكومي في غزة إسماعيل الثوابتة قال إن “مليوني فلسطيني نزحوا داخليا منذ بدء الحرب الإسرائيلية التي خلفت آثارا كارثية على الفئات الأكثر ضعفا في القطاع، خاصة الأطفال والنساء وكبار السن”.
وأفاد بأن الهجمات الإسرائيلية أدت إلى استشهاد أكثر من 17 ألفا و954 طفلا و12 ألفا و365 امرأة، وفقد 39 ألفا و384 طفلا أحد والديهم أو كليهما، فيما فقدت 14 ألفا و323 امرأة أزواجهن.
وحذر من أن “التغيرات الديمغرافية الناجمة عن الحرب ستكون لها آثار بعيدة المدى على مختلف المستويات، وفي مقدمتها خلل في التوازن السكاني بسبب استهداف العائلات وفقدان آلاف الأسر بالكامل”.
الثوابتة تابع أن الحرب أوجدت أزمة في البنية الاجتماعية جراء ارتفاع عدد الأرامل والأيتام، ما يزيد العبء الاجتماعي مع تزايد حالات فقدان المعيل الرئيسي للأسرة.
فضلا عن الضغط الاقتصادي الهائل بفعل تدمير أكثر من 165 ألف وحدة سكنية كليا، وتهجير جماعي أدى إلى تغيير أنماط الاستقرار السكاني، وزيادة معدلات الفقر والبطالة، مع تجاوز الخسائر الأولية 41 مليار دولار، وفق الثوابتة.
وتحاصر إسرائيل غزة للعام الـ18، وبات نحو 1.5 مليون من مواطنيها البالغ عددهم حوالي 2.4 مليون فلسطيني بلا مأوى بعد أن دمرت حرب الإبادة مساكنهم، ودخل القطاع أولى مراحل المجاعة جراء إغلاق تل أبيب المعابر بوجه المساعدات الإنسانية.
كوارث عديدة
وأدت الإبادة الإسرائيلية إلى إعادة تشكيل الخريطة السكانية في غزة، فالقطاع اليوم لم يعد كما كان قبل الحرب، إذ تضاعفت كثافة السكان في مناطق بينما خلت أخرى منهم تماما، حسب متحدث بلدية غزة حسني مهنا.
وأضاف مهنا أن النزوح الذي شهده قطاع غزة ضاعف الضغط على الخدمات الأساسية، لا سيما المياه والصرف الصحي، وتسبب بتكدس 360 ألف طن من النفايات في الشوارع والأزقة.
وحذر من أن “هذا التكدس ليس فقط كارثة بيئية، بل تهديد صحي خطير ينذر بانتشار الأمراض والأوبئة”.
واستطرد: “الدمار الواسع في شبكات الطرق والمياه والصرف الصحي والكهرباء والاتصالات، وانهيار النظام الصحي والبيئي، أوجد أزمات وكوارث صحية وبيئية”.
كما “ينذر بانتشار الأمراض والأوبئة في مختلف أرجاء قطاع غزة، وخاصة في مراكز الإيواء ومخيمات النزوح”، بحسب مهنا.
ورأى مهنا أن هذا التدمير ليس تدميرا للمباني والمرافق الخدمية والبنية التحتية في غزة فحسب، بل تدمير للحياة نفسها، وحرمان للفلسطينيين من أبسط مقومات البقاء لدفعهم إلى الهجرة.
وأكد أن هذا التغيير الديموغرافي ليس مجرد أرقام، بل تغيير في هوية المجتمع الفلسطيني، وتدمير لأسسه الاجتماعية.
تهجير قسري
وفق الكاتب والمحلل السياسي مصطفى إبراهيم، فإن الحرب الإسرائيلية تستهدف إحداث تغيير ديمغرافي طويل الأمد.
وأوضح أن التغيير يتم عبر دفع الفلسطينيين إلى الهجرة القسرية وتقليص عددهم بالقطاع، في انتهاك صارخ للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.
وفي 4 مارس/ آذار الجاري، اعتمدت قمة عربية طارئة بشأن فلسطين خطة لإعادة إعمار غزة دون تهجير الفلسطينيين منها، على أن يستغرق تنفيذها خمس سنوات، وتكلف نحو 53 مليار دولار.
لكن إسرائيل والولايات المتحدة رفضتا الخطة وتمسكتا بمخطط يروج له الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتهجير الفلسطينيين من غزة إلى دول مجاورة مثل مصر والأردن، وهو ما رفضه البلدان، وانضمت إليهما دول عربية أخرى ومنظمات إقليمية ودولية.
وتابع إبراهيم أن “الاحتلال الإسرائيلي يهدف من حربه على غزة إلى إجبار الفلسطينيين على النزوح، وتقليص عدد السكان، وتهجيرهم من القطاع، مستغلا الوضع الإنساني الصعب والقاهر”.
وأكد أن هذا التهجير ليس مجرد نزوح مؤقت، بل محاولة لتغيير التركيبة السكانية للقطاع، وتحقيق أهداف سياسية.
وأضاف أن “لدى إسرائيل مخاوف ديموغرافية من التزايد المستمر في عدد السكان الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، حيث يتجاوز عددهم 7 ملايين نسمة”.
وزاد أن هذا الوضع “يشكل تحديا للتركيبة السكانية التي تسعى إسرائيل للحفاظ عليها، لذلك بدأت بتنفيذ خطط قديمة وسياسات تهجير وإحلال تعود إلى عام 1948، بهدف السيطرة على أكبر قدر ممكن من الأراضي الفلسطينية”.
وليلة السبت/ الأحد الماضيين، صدق المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر “الكابينت” على إنشاء إدارة لتهجير الفلسطينيين من غزة، وفق مخطط ترامب.
وبينما تدعي تقارير صحافية وناشطون مغادرة أكثر من ربع مليون فلسطيني غزة، قالت جهات أمنية فلسطينية في القطاع إن عدد الذين غادروا غزة لأسباب مختلفة، عبر معبر رفح منذ 7 أكتوبر 2023، يراوح بين 90 ألفا و100 ألف فلسطيني معظمهم في مصر ويريدون العودة إلى القطاع.
جحيم وبدائل
متفقا مع إبراهيم، قال مهنا إن عمليات النزوح ليست مؤقتة، بل محاولات إسرائيلية لتغيير التركيبة السكانية.
وأوضح أن إسرائيل تنفذ ذلك عبر تدمير حياة الفلسطينيين، ودفعهم إلى الهجرة قسرا وطوعا، بعد تحويل حياتهم اليومية إلى جحيم، وإيجاد أزمات عديدة تدفعهم إلى البحث عن بدائل.
بدوره أكد الثوابتة أن “تدمير المستشفيات وشبكات المياه والصرف الصحي أدى إلى انتشار الأمراض وتلوث المياه وتفاقم الأوضاع البيئية، للضغط على الفلسطينيين وتهديد حياتهم ومستقبلهم”.
وأشار إلى جهود الحكومة في “إعادة تشغيل المستشفيات، والتنسيق مع المنظمات الدولية، وإنشاء مراكز إيواء، وإعادة تأهيل البنية التحتية”.
واستدرك أن “هذه الجهود ليست كافية لمواجهة حجم الكارثة، ولكنها محاولة يائسة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه”.
أداة ضغط
“مبدأ اليمين المتطرف الإسرائيلي يقوم على تهجير السكان الفلسطينيين”.. هكذا بدأ المحلل السياسي إياد القرا حديثه، مضيفا أن “اليمين المتطرف يحاول الآن تنفيذ سياسات ليصبح التهجير واقعا”.
وتابع: “لا شك أن التهجير هو أداة ضغط تستخدمها إسرائيل ضد المقاومة في غزة، باعتبارها تهديدا استراتيجيا بعد (هجوم “طوفان الأقصى”) 7 أكتوبر (2023)، وحتى لا يكون هناك أي تهديد مستقبلي”.
وفي ذلك اليوم هاجمت حماس 22 مستوطنة و11 قاعدة عسكرية بمحاذاة غزة، فقتلت وأسرت إسرائيليين ردا على “جرائم الاحتلال الإسرائيلي اليومية بحق الشعب الفلسطيني ومقدساته، ولا سيما المسجد الأقصى”، حسب الحركة.
وأكد القرا أن “وقفا فوريا للحرب، وفتح المعابر، وتوفير المساعدات، وإعادة إعمار غزة، ليست مجرد رغبات، بل ضرورة إنسانية لإنقاذ حياة السكان، وإعادة بناء ما دمرته الحرب، وتعزيز صمود الفلسطينيين في قطاع غزة ضد سياسات التهجير”.
بينما رأى إبراهيم أن “هذه المخططات والسياسات (الإسرائيلية) تتطلب توحيد الجهد السياسي الفلسطيني أمام العالم من خلال إنهاء الانقسام، لأن الانقسام الفلسطيني مصلحة (لإسرائيل)”.
ومنذ صيف 2007 تعاني الساحة الفلسطينية انقساما سياسيا وجغرافيا، حيث سيطرت حماس على قطاع غزة، في حين تُدار الضفة الغربية من جانب حكومات تشكلها منظمة التحرير التي تسيطر عليها حركة “فتح”.
(الأناضول)