ثقافة وفنون

الغياب النقدي للشعر الجديد

الغياب النقدي للشعر الجديد

هاشم شفيق

أذكر أنه في حقبَتي الستينيات والسبعينيات من القرن المنصرم، كان النقد الشعري في العراق له دوره المميز والبارز والمتساوق باتساق معلوم وملحوظ، ومتواتر مع التيارات والموجات والمدارس الشعرية، تلك التي أنتجتها حركة الحداثة الشعرية في العالم العربي، فكانت الحركة النقدية تؤازر الشاعر الجديد، أو الظاهرة الشعرية، وكذلك المواهب المفاجئة في حركة التجديد الحداثي، فيكتب هذا الناقد وذاك المتبحّر في الصروف الثقافية والمسالك الشعرية والأدبية والنقدية موضوعه النقدي، المدعوم برؤيته الموضوعية للشاعر الطالع إلى الواقع الشعري السائد في تلك الأيام، فكم من نقاد تلك الفترة التقينا ودرسنا وقرأنا كتاباتهم في كتب ومجلات وصحف أيضاً.
كان الشاعر الجديد لا يمر هكذا دون تحية نقدية، من قلم ناقد معيّن على قصيدة ما، قد نشرت لهذا الشاعر أو تلك الشاعرة فيدعمها برأيه السديد، وجملته التقديرية المُساندة، والحبلى بالبشارة في الغالب، بميلاد شاعر سيكتب له المستقبل الوعد والقبول، وربما حتى الانتشار. وفعلاً فقد حدث الكثير من هذا القبيل، فرحّب الناقد أحياناً بجيل كامل، كرّس له مواضيع نقدية عدة، وأحيانا يكرّس جهده النقدي والمعرفي والثقافي في كتاب، يحمل طابعه النقدي المكرّس لشاعر فحسب. وهنا نحن لسنا في مقام تعداد الشعراء، الذين شملتهم هذه الحظوة النقدية، سواء كانوا من جيلي الستينيات والسبعينيات، وعلى نحو أقل في مرحلة الثمانينيات، إلى أن انحسر ذلك بالتدريج في الفترات المتعاقبة، ما أدى بعد ذلك إلى حالة من الجفاف النقدي التعبيري، المواكب للتيارات والتحوّلات الشعرية الجديدة، ولاسيما الأجيال اللاحقة التي انضوت تحت كتابة القصيدة النثرية، وما نتج عنها من تقنيات حديثة ومعاصرة أفرزتها الأنسقة الآلية وتطوّرها التقني المتلاحق والسريع، وهذا ما أدى إلى اختفاء الناقد من حياة الشاعر، وعلى نحو سريع، ليحل محله القارئ المُحابي والمُعقِّب المُداجي، وربما النويقد الصديق، الذي سيسهم بجملته المتواضعة في رفع شاعر الإنترنت إلى مصاف النجومية، التي يبتكرها خياله الخالي من المعرفة بالأداة النقدية والأدبية الفنية الموضوعية، كونها علماً جمالياً مثل بقية العلوم الإنسانية، فيكيل إليه المدائح والمسوّغات الأدبية والثقافية، والإشارات اللوذعية، على أنه شاعر فحل، لم تنجب مثله العربية، ليغرقه بالصفات الشعبوية، والإطراء الأعمى والمُداهن.
وهناك من سيسطر العكس عن شاعر واعد ويحمل موهبة واضحة، ومعرفة شعرية بائنة، ليأتي ويحط من جماليات قصيدته وأهدافها ومراميها، لينعته بأبشع الكلمات النقدية النارية، والمتحاملة على فنه الوليد، لتظهر هذه الكلمات المتهافتة، والبعيدة أشد البعد عن الرؤيا المفاهمية والعلمية والجمالية، تلك التي يتميز بها النقد الشعري الرفيع بشكل عام.
في ظل هذا المساق ستظهر الطامة النقدية الكبرى، بعد مرور وقت ليس بالطويل لا يتعدى عاماً أو عامين، على الشاعر الممدوح والمذموم، ليختفيا كلاهما عن الساحة الإنترنتية. فالأول سيركبه الغرور الفني على أنه المتنبي الجديد، ورامبو عصر الحداثة، والثاني سيهجر الشعر وهو في بداية الطريق، كونه قد لاقى ما لاقى من أحدهم، من تجريح كلامي غير نقدي، قد أودى به في النهاية إلى التخلي عن الشعر، وتركه نهائياً دون رجعة، ودون أن يسعى ويفكر من جديد لمواصلة الطريق، متحدّياً ومتصدّياً لما لاقى من عوائق وملابسات وصدود ونقود لم تصب في صالح موهبته الشعرية.
من هنا يتبادر إلى ذهني سؤال محيّر، هل تغير الزمن؟ هل أصبح الشعر سهلاً ومهمة ممارسة النقد صعبة؟ أي أنها رسالة لغوية بعيدة المنال، لممارستها واتخاذها سبيلاً تعبيرياً رؤيوياً وفنياً، يسهم في إنارة البعد الروحي للأدب، بالنسبة للجيل الجديد من الدارسين والمتخرّجين من الجامعات العربية والأجنبية.
أذكر في بغداد في مطلع السبعينيات من القرن الفائت، أن الحركة النقدية كانت نشيطة وفعالة وذات حضور أدبي دائب ودائم، في المحافل النقدية، في المجلات الأدبية المتخصصة، في الصحافة اليومية، في المهرجانات الثقافية، وفي الحياة العامة أيضاً، كجلسات المقاهي والحانات والمقاصف، وكذلك في البيوت البغدادية، الثرية والمتواضعة، على حد سواء.
في ظل هذا المفهوم رافق الجيل الستيني الشعري كوكبة من النقاد البارزين، الذين كانوا شباباً في يومهم آنذاك، كتبوا عن الجيل الستيني الشعري نقوداً مميزة، ذات فائدة وتأثير وفاعلية أدبية كبيرة. وقد زوّد هذا النقد مجلات مشهورة بأرفع الآراء النقدية، فصرنا نعرف الشاعر هذا أنه حقاً شاعر مميز، لما لحقه من نقود وآراء صبّت في مصلحة فنه الشعري، وقد نال الجيل اللاحق للستيني وهو جيل السبعينيات من النقاد ذاتهم الكثير من الآراء المدروسة والمتوازنة، فمسّت أحلامهم، وداعبت رؤاهم، وساهمت في تقدّمهم الفني والتعبيري بحق، وليس عن طريق المحاباة والمجاملة الأخوية والتربيت على الأكتاف.
من زاويتي كقارئ أرى أن النقد علم، له مفاهيم جمالية، مترعة بالدروس الدلالية، اللغوية والتعبيرية والإشارية العالية، ولهذا فإنه بمقدور النقد فك الشيفرات المتواشجة، والأنسجة اللغوية الشبكية المتعالقة في القصيدة، كاستغوار عمقها والإبحار في تياراتها، غاية في الوصول إلى المحتوى واللب لقطف المعاني التي تمتلكها القصيدة العميقة. لذلك يحتاج الشاعر الجديد والشاب الذي يختبر البدايات إلى ناقد دارس وعلمي ومجتهد، من أجل استكشاف مرامي القصيدة وهدفها الفني واللغوي والرمزي لديه، ومن ثم الاستدلال إلى ما تحتويه من غاية فنية ورؤيا إبداعية ومشاعر ثمينة.
كان النقد المواكب للجيل الشعري الستيني والجيل السبعيني، وصولاً إلى بداية الثمانينيات في غاية النشاط التعبيري، عبر مجلات مثل «الكلمة» و»الشعر 69 « و»الأقلام» و»الثقافة» و»الثقافة الجديدة» و»الأديب المعاصر» و»الطليعة الأدبية» و»أسفار» وأسبوعية «ألف باء» و»الفكر الجديد» وصحف مثل «طريق الشعب» و»الثورة» و»الجمهورية» و»الراصد» و»التآخي» وفي ما بعد «القادسية».
أذكر حين أقيم المهرجان الشعري للشعراء الشباب، والمقصود هنا هو الجيل السبعيني، وكانوا جميعاً في مطلع العشرينيات من العمر حينذاك، أن كوكبة من النقاد المميزين رافقتهم، مبشّرين بطلوع هذا الجيل، ومشيرين لأبرز أسمائه بالنقد الصريح، الهادف والدقيق والمعبّر، كاشفين عن الهنات والثغرات والمشكلات، وكذلك القفزات والمميزات والجماليات الجديدة التي تميز بها هذا الجيل.

شاعر عراقي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Thumbnails managed by ThumbPress

جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب