فال كيلمر… «طفل» هوليوود المزعج

فال كيلمر… «طفل» هوليوود المزعج
لقد مرّ 39 عاماً منذ أن وقع جيل كامل من المراهقين في غرام فيلم «توب غان» (1986 ــــ Top Gun)، الفيلم الذي دفع توم كروز إلى الشهرة. مع ذلك، في فيلم توني سكوت، كان الشخص الذي سرق كلّ لقطة وفاض بالكاريزما من كلّ مسام هو الممثل المساعد المتغطرس والمستفزّ الذي أطلق على نفسه اسم «آيس مان».
كانت تسريحة شعره، وشفتاه البارزتان، ولمسة شبابه المضطرب، أكثر من كافية لتحويل فال كيلمر (1959 – 2025) إلى نجم. لكن، بالنسبة إلى فال، لم تكن هوليوود حلم طفولته، إذ كان يصنع أفلاماً منزلية مع إخوته. علاقته بالصناعة معقدة: هي علاقة ممثل جسّد بعض أشهر الشخصيات في السينما، ولكنه كان يخفي وراء غطرسته وموهبته، هشاشةً لم تظهر لدى نجوم السينما الذكور في ذلك الوقت.
المعروف عن كيلمر الذي انطفأ أمس أنّه أحد «الأطفال المزعجين» في السينما، شخصيته الغامضة وتقلباته جعلته شخصيةً فريدة في هوليوود. في التسعينيات، بلغ كيلمر ذروة شهرته في فيلم «هيت» (1995ـــ Heat). ببندقية في يده، خلّد كيلمر أحد أشهر مشاهد الحركة في تاريخ السينما.
كيلمر النجم التي أرشدته بوصلته الخاصة، كان مزيجاً فريداً من نوعه قادراً على تجسيد مئة صوت مختلف. بكاريزما ومرونة ودقة والتزام، انغمس في أدواره. في فيلم «تومبستون» (1993 ـــ Tombstone)، ملاء سريره بالثلج في المشهد الأخير ليجرب معاناة مرض السلّ. ولتجسيد دور جيم موريسون في فيلم «ذا دورز» (1991 ـــ The Doors)، ارتدى بنطالاً جلدياً طوال الوقت، وطالب بأن يُنادى باسمه الموسيقي، واستمع إلى موسيقى الفرقة لمدة عام، إلى درجة أنّ ذلك أثّر في علاقته بزوجته.
أكسبته هذه الشدة سمعةً بأنه صعب المراس في موقع التصوير. أمر اعترف به لاحقاً، مع أنه كان دائماً يدافع عن نفسه مجادلاً بأنه يعطي الفن الأولوية على التجارة. بالنسبة إليه، التمثيل لا يتعلق بكونه مشهوراً أو يعرف كيف يمثل، بل بدخول جسد شخص آخر وعقله واكتشاف ذاته أولاً.
في نهاية مسيرته، أراد الممثل أن يصنع مشاريع يجد نفسه فيها وذات صلة بشخصه، وذات عمق لم يحققه في الشخصيات التي لعبها في هوليوود. هكذا، قرّر كتابة سيناريو فيلم عن مارك توين حوّله إلى مونولوج مسرحي، وكان ناجحاً جداً، وخطوته التالية كانت نقله الى السينما، إلا أن المرض أوقف خططه.
في الوثائقي الشخصي «فال» (2021 ـــ Val)، كشف كيلمر عن الوجه الحقيقي لهوليوود، وكيف تعامل معها ومع الشهرة. اعترف أنّ جميع الأفلام التي مثّل فيها لم يكن تماماً مقتنعاً بالشخصيات السطحية التي يقدّمها.
اعترف أنّه ليس بحجم مارلون براندو ولكنّه كان يكافح طوال حياته. لم يخف أنّ فكرة «توب غان» لم تعجبه، ولكنها في النهاية استحقّت المغامرة، واصفاً العمل مع المخرج توني سكوت بـ«التجربة الضخمة». أخبرنا عن «ويلوو» (1988) وكيف التقى بزوجته خلال تصويره.
وبالطبع، ذكر فيلم «باتمان للأبد» (1995)، كاشفاً أنّ حلم كل صبي هو أن يكون رائعاً مثل باتمان، ولكن لعب شخصية البطل الخارق لم تكن تجربة جيّدة بالنسبة إليه شخصياً. اعترف باختصار أنّه شعر بالوحدة في زي باتمان، كأن باتمان أخذ صوته قبل الأوان.
منذ طفولته، مروراً بلحظات فارقة في مسيرته، وصولاً إلى المحنة الشخصية التي عاناها في معركته ضد «ما يُطلق عليه الآخرون اسم السرطان»، كان الدين شريان حياته.
بفضل إيمانه، ظلّ على تواصل مع شقيقه الأصغر، ويسلي، الذي غرق في الجاكوزي في الخامسة عشرة من عمره، وكذلك مع والدته. قبل اعتزاله السينما تماماً، عاد كيلمر إلى إحدى شخصياته الشهيرة في فيلم «توب غان: مافريك» (2022)، حيث ظهر لوقت قليل ولكن مثير، بدور «آيس مان». تأثّر كيلمر بمرضه بشكل واضح، وأظهر مرة أخرى موهبته في التكيّف مع أي موقف، واستمرّ في الحفاظ على رباطة جأشه برشاقة وأناقة وابتسامة عريضة على وجهه.
«لقد تصرفت بشكل شيء، تصرفت بشجاعة، تصرفت بطرق يراها بعضهم غريبة. لا أنكر أياً من هذا، ولا أشعر بأيّ ندم، لأنني فقدتُ واكتشفتُ جوانب من نفسي، لم أكن أعلم بوجودها من قبل». هذا ما قاله عن نفسه في فيلم «فال»، مع أنّ الناس يعتبرون فال نجماً هوليوودياً، فهو لا يرى نفسه كذلك، ولم يكن يريدها.
إلا أنه كان وسيظل فناناً يتمتع بقوة إبداعية وتعبيرية هائلة. طوال حياته، وفي الأوقات الصعبة، وجد فال طريقة لاستخدام الفن والإبداع كشكل من أشكال الشفاء.