مقالات

الإمبراطور: من مُدّعٍ لإنهاء الحروب إلى إشعالها

الإمبراطور: من مُدّعٍ لإنهاء الحروب إلى إشعالها

عوض عبد الفتاح

إسكات الشعوب العربية ومنعها من التعبير عن غضبها، وعن مساندتها للشعب الفلسطيني ووقف الإبادة، سيشكّل وقودًا إضافيًا لمخزون الغضب المكتوم منذ سحق الثورات، وقد لا يطول الزمن حتى يتشكّل وعي شعبي جديد…

تتساقط الأوهام تباعًا، تلك التي بثّها العديد من المعلقين والمحللين، الأجانب والعرب، بشأن ما قيل عن نفور الرئيس الأميركي دونالد ترامب من حروب أميركا، وميله لإنهائها. فالمنطقة العربية والشرق الأوسط عمومًا، بل العالم بأسره، يمرّ بلحظة شبيهة باللحظة الزمنية التي سبقت الحرب العالمية الثانية. وهذا التوصيف صادر عن مؤرخين ومحللين كُثُر. إن طبول الحرب التي تُقرع الآن ضد إيران، وتصمّ الآذان وتثير الرعب، من خلال تحريك الحشود العسكرية الضخمة، التي تشمل حاملات الطائرات والقاذفات الأشد تدميرًا وفتكًا بالبشر، تأتي من ترامب، الذي روّج لكراهيته لحروب أميركا، طبعًا ليس لأسباب إنسانية، بل لعدم جدواها اقتصاديًّا.

مع ذلك، يحتار المحللون والخبراء المعارضون للسياسة الأميركية التقليدية، الذين عوّلوا على تصريحات ترامب السابقة بشأن وقف الحروب، إزاء الهدف الحقيقي من هذه الحشود. ومن هؤلاء جيفري ساكس، وجون ميرشايمر، عالما السياسة والاقتصاد الأميركيان، وهما من أكثر المحللين المستقلين ظهورًا على المنصات الإعلامية الأميركية المستقلة، اللذَين باتا، خلافًا لتقديراتهما السابقة، يعتقدان أن هناك مؤشرات قوية على أن هدف هذه الحشود ليس ممارسة الضغط على القيادة الإيرانية قبل الجلوس إلى طاولة المفاوضات بخصوص البرنامج النووي، بل رضوخًا لتصور ورؤية بنيامين نتنياهو التي تدعو إلى توجيه ضربة ساحقة للقدرات الإيرانية الدفاعية، أو شن حرب ساحقة.

يُذكر أن ميرشايمر هو أحد مؤلفي كتاب يفضح دور اللوبي الصهيوني في توجيه سياسات واشنطن العدوانية تجاه فلسطين والمنطقة العربية. أما جيفري ساكس، فهو لا يكفّ في لقاءاته وكتاباته عن توجيه النقد اللاذع لدور نتنياهو في توريط أميركا في حروب الشرق الأوسط، وكان ترامب قد أعاد نشر تغريدة لساكس، على صفحته الخاصة، في الأيام الأولى لتسلّمه الرئاسة، مما دفع محللين إسرائيليين للقول إن إعادة نشر هذه التغريدة تشير إلى أن ترامب لن ينجرّ وراء نتنياهو. غير أن ما نشهده منذ أسابيع يختلف كليًّا عن تلك التحليلات والتوقعات، وقد قيل مبكرًا إن ترامب لا يمكن التنبؤ بتصرفاته، إذ تبيّن أن منحى السياسة الانعزالية التي نُسبت إلى ترامب، تحت شعار “أميركا أولًا”، ليست إلا نسخة جديدة لإعادة تأهيل أميركا كقوة مهيمنة، خاصة في مجالي التكنولوجيا والاقتصاد، على العالم. ومن أجل ذلك لا يتورع عن إشعال الحروب عندما لا تنفع التهديدات للآخرين، وقد أطلق يد إسرائيل كليًا لتمارس عربدتها، وحربها الإبادية في غزة، والضفة الغربية، ولبنان وسوريا وغيرها.

ويشكّل هذا الدعم الأميركي المطلق لجرائم الإبادة في غزة، والتجويع، والحصار، المدعوم بالتواطؤ العربي الرسمي، الذي يمثل ذروة في الانحطاط والخِسّة، دركًا غير مسبوق في تاريخ النخب الأميركية الحاكمة.

لا أحد يستطيع تقدير حجم الكوارث التي ستُنزلها الإمبريالية الأميركية وقاعدتها الصهيونية بالمنطقة وبالبشرية، قبل أن تصطدم بحقائق التاريخ والجغرافيا وإرادة الشعوب. إذ يُجمع الخبراء والمراقبون على أن حربًا على إيران ستولّد كارثة رهيبة، وقد تشعل حروبًا ممتدة، أوسع وأكثر تدميرًا. ومع أن خبراء أميركيين مستقلين يقدّرون أن أميركا، سواء شنّت هذه الحرب أم لم تشنّها، فإنها تمرّ أصلًا في حالة تراجع وتفكك، وأن ما تقوم به الآن هو إدارة هذا التراجع. وهي، كأي إمبراطورية في التاريخ، آيلة للسقوط والانكماش في دولتها الوطنية، كما يكرّر المحلل الاقتصادي والاستراتيجي الأميركي المعروف ريتشارد وولف في محاضراته وكتاباته. في حين يرى آخرون أن ما تقوم به الإدارة الأميركية الحالية، كما سابقاتها، هو الدفاع بشراسة عن صدارتها التي تربّعت عليها لعقود طويلة، خاصة في مواجهة العملاق الصيني الصاعد، والذي يهدد بإزاحتها عن هذه الصدارة، كما تعتقد النخبة الإمبريالية الأميركية.

في هذه المعركة المحتدمة، تتكشف أكثر، وبصورة مأساوية، هامشية وهزال النظام العربي، بأنظمته كلها دون استثناء، مع أن أكثر من يتضرر من هذه المعركة هم العرب. فهم إما صامتون، أو متخاذلون، أو متواطئون ومتعاونون مع الحلف الأميركي-الغربي-الصهيوني، في مخطط وأد أي صوت مقاوم للبلطجية والعربدة والإبادة الصهيوأميركية.

لقد تم تحييد الشعوب العربية من معركة التحرر والبناء والديمقراطية، ومقاومة العدوان الخارجي، منذ زمن بعيد، وعندما قررت أخذ مصيرها بيدها عام 2011، تم سحقها بالحديد والنار، لتكون الأرض ممهّدة أكثر من السابق نحو المزيد من التبعية والانحطاط والوهن والتخلف.

إن إسكات الشعوب العربية ومنعها من التعبير عن غضبها، وعن مساندتها للشعب الفلسطيني ووقف الإبادة، سيشكّل وقودًا إضافيًا لمخزون الغضب المكتوم منذ سحق الثورات، وقد لا يطول الزمن حتى يتشكّل وعي شعبي جديد، وإرادة متجددة للتحرر من هذه المهانة. إن القوى الغربية والصهيونية التي تستمدّ منها الأنظمة العربية شرعيتها وبقاءها، لن تستطيع مواصلة مخططاتها الشيطانية، فقد انكشف الغرب على حقيقته أمام شعوبه، وأمام شعوب الجنوب، مما يفتح الباب واسعًا، آجلاً أو عاجلاً، لانبلاج تشكيلات مدنية وشعبية كونية، ذات تصورات إنسانية وأخلاقية لعالم مختلف. ومن المؤلم، أنه إلى حين حدوث ذلك، سيظلّ شعب فلسطين، ومعه الشعوب العربية، يتكبّدون الخسائر البشرية والمادية الباهظة، قبل أن تتجمّع عناصر اللحظة التاريخية التحوّلية.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Thumbnails managed by ThumbPress

جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب