منوعات

الحرب على الهوية… من العَمارة نبدأ

الحرب على الهوية… من العَمارة نبدأ

حيدر مستراح
ندخل في هذه الأيام الشهر الخامس لوقف الأعمال الحربية المتبادلة بين المقاومة اللبنانية وكيان العدو، كما أننا ندخل الشهر الثالث لخرق العدو اتفاق وقف إطلاق النار الذي أحكم فيه قبضته على قرى الحافة الأمامية وعاث فيها فساداً ودماراً من دون حسيب أو رقيب إلى أن محا عدداً من القرى عن خريطة الوطن بعدما كانت شاهدة على صمود أسطوري لم يرَ له العالم من مثيل بين أقليّة تقاتل باللحم الحي مقابل العالم الغربي بكل تطوره يقاتل بإسرائيل.

‏دائماً ما حجز عدد من المدن مكاناً لها في صفحات التاريخ كشاهدة على ملاحم بطولية. لقد شكلت هذه المدن أيقونات هوياتية لدى مجتمعاتها، فباتت جزءاً غير قابل للانسلاخ عنها. إذ تشكل هذه المدينة أو تلك جزءاً من الذاكرة الجماعية للسكان. هذا الارتباط لم يكن حالة عابرة للحظة في تاريخ الشعوب التي قاومت الاحتلال، بل هو حالة استمرارية تتوارثها الأجيال بكل فخر لتعزيز الانتماء، فكل مجتمع يعبّر عن ذلك بطريقته الخاصة.

‏ترتبط العمارة ارتباطاً وجودياً بالهوية الاجتماعية، فهي تعكس هوية المجتمع وثقافته وقيمه. إنها مرآة للشعوب تتحدث عنها بصمت وتنقل أخبارها وإرثها الحضاري من دون الحاجة إلى النطق، فكانت خير مخبر عن الفراعنة واليونان والرومان وغيرهم من الحضارات الخالدة في التاريخ.

أما على صعيد الحرب، فتشكل العمارة والمدينة ارتباطاً لحظيّاً بالنصر والهزيمة كما تتعدى ذلك لما بعد سكوت المدافع وصولاً إلى إعادة الإعمار. تعدّ إعادة بناء ما دمّر في الحرب تأكيداً على إرادة الشعوب لمواجهة التحديات وعدم الاستسلام، إذ يظهر المواطنون التزامهم بالبقاء والصمود وإعادة تشكيل هويتهم الاجتماعية وذاكرتهم الجمعية بما يعكس رؤيتهم لما يريدونه.

أراد العدو أن يعيد تشكيل الهوية الاجتماعية لأهل الحافة الأمامية

لقد استحالت فولغوغراد (ستالينغراد سابقاً) بأكملها أيقونةً للصمود والانتصار السوفياتي على ألمانيا النازية. 200 يوم من الصمود غيّرت مسار الحرب. أكثر من مليون قتيل و90 في المئة من المدينة قد دمِّر، إلا أنّ السوفيات أعادوا بناءها بالكامل وجعلوها رمزاً للصمود وحفظ تاريخهم الذي شكّل هويتهم الجمعية في المدينة عبر بناء تمثال «الوطن الأم ينادي». كذلك، حوّلوا موقع المعركة إلى «متحف ستالينغراد الوطني» للحفاظ على تاريخ المدينة وتضحيات سكانها.

‏حاصرت ألمانيا النازية وارسو 63 يوماً. دمّرت 85 في المئة من مبانيها، لكنّ إرادة القتال عند المقاومة البولندية لم تهزم. بعد الحرب، قرّر البولنديون أن يعيدوا بناء مدينة وارسو بتصميمها التاريخي نفسه. لقد أرادوها رمزاً للحياة بعد الدمار. أنشؤوا «متحف انتفاضة وارسو»، أحد أهم المعالم التي توثق للمقاومة البولندية.

‏لندن أبقت على برج «بيغ بن» وقصر «ويسمنستر» رغم القصف، إذ تحوّلا إلى رمزي الاستمرارية. إضافة إلى ذلك، حوّل البريطانيون ملاجئ الغارات الجوية إلى متاحف لحفظ تجربة السكان خلال الحرب.

1425 يوماً من الحصار! لقد كان أطول حصار في التاريخ الحديث. نتحدّث عن حصار سراييفو على يد «جيش يوغسلافيا الشعبي» وجيش «جمهورية صرب البوسنة». يومها، عانى السكان من الجوع والقصف المستمر، لكنّهم صمدوا وقاوموا.

وبعد انتهاء الحصار، حوّل البوسنيون ما عرف بـ «نفق سراييفو» إلى متحف. لقد كان وسيلتهم الوحيدة للنجاة من الحصار، إضافة إلى حفاظهم على سراييفو كمركز ثقافي رغم محاولات تدميرها.

‏كثيرة هي المدن الأيقونية التي واجهت أقصى الظروف ولم تستسلم وأعادت بناء نفسها بعد الحرب، لتثبت أنّ الصمود أقوى من التدمير ومحاولات الإلغاء. هذه المدن بنت «ذاكرة التضحيات» لأجيال قادمة عبر المعالم والمناسبات الوطنية. لقد أضحت أكثر من مجرد مدن تاريخية تروي قصة عابرة. إنها في صلب الذاكرة الجمعية والهوية الاجتماعية للسكان ورمز للعزيمة الإنسانية والإرادة التي لا تنكسر.

‏لقد حاول العدو الإسرائيلي خلال مهلة «الشهرين +» أن يمحي أي أثر مادي لوجود هوية قاومت وأذلت هذا المحتل على مر العقود. في عام 2000، حاول أن يحقق إنجازاً تكتيكياً بأن يصل إلى ملعب مدينة بنت جبيل، عاصمة المقاومة والتحرير لكي يمحي ما حفرت هذه المدينة في وعيه عندما صدح صوت سيد شهداء الأمة السيد حسن نصر الله بأنّ «إسرائيل، واللهِ أوهن من بيت العنكبوت»، فالمدينة لم تعد أحياءً وشوارع مادية، بل رمزاً للذلّ لم يستطع العدو تخطيه إلا بالاحتلال الرمزي للملعب ولم ينجح في ذلك.

‏دمّر العدو قرى كانت جزءاً من هوية أهل المنطقة وآثاراً كانت شاهداً يربط السكان بالمنطقة التي يعيشونها مع تاريخهم. لقد أراد العدو أن يعيد تشكيل الهوية الاجتماعية لأهل الحافة الأمامية، فلم يبقِ لهم مسجداً اجتمعوا فيه ولا ساحة عامة التقوا فيها. لقد أراد تدمير النسيج العمراني وتفكيكه، إذ إنّ تماسكه مع الثقافة المحلية يزيد من الشعور بالانتماء والهوية المشتركة. لقد شنّ العدو حرباً صريحة على الهوية الاجتماعية لسكان الجنوب اللبناني.

‏نحن اليوم أمام تحدّ تاريخي من عمر أهل جبل عامل عموماً وأهل الشريط الحدودي والحافة الأمامية خصوصاً.

إن تعزيز الهوية الاجتماعية المشتركة وإعادة تشكيل النسيج العمراني بشكل يعزّز من الترابط بالقضية ويحفظ الهوية المشتركة ويؤسس لمستقبل تشكّل فيه هذه القرى والمدن مع معالم صمود لأجيال قادمة وتؤكد على إرادة الحياة عبر أدق تفصيل في إعادة الإعمار والحفاظ على الذاكرة الجمعية، يجب أن يكون أولوية لدى المعنيين بصياغة الهوية الجماعية لمجتمع المقاومة. إنه مسار متكامل يواكب إعادة ترميم القدرة العسكرية للمقاومة ولا يقلّ أهمية عن تعزيز قدراتها الصاروخية وإعادة صياغة معادلات الردع الجديدة.

* مهندس معمار لبناني ومتخصص في سوسيولوجيا المدينة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب