الذكرى الـ50 للحرب الأهلية: اللبنانيون عالقون في «الرمادية» بين العودة للعنف أو العبور للسلم

الذكرى الـ50 للحرب الأهلية: اللبنانيون عالقون في «الرمادية» بين العودة للعنف أو العبور للسلم
رلى موفق
50 عاماً من الحرب اللبنانية لا 50 عاماً على الحرب. هذا ما «يحتفل» به لبنان الآن. لبنان، الذي اختزل تاريخه المؤرِّخ كمال الصليبي بعنوان كتابه الشهير «بيت بمنازل كثيرة» تحوَّل على مدى نصف قرن، وربما أكثر، إلى ساحة لـ«حرب بمعارك كثيرة» أسَّستْ لانفجارها في 13 نيسان/أبريل 1975 هزة الـ1958، ولم تخمدها تسوية «الطائف» بعد عقد ونصف على اندلاعها. فالوطن الصغير، الذي يستذكر الرصاصة الأولى في حادثة بوسطة عين الرمانة التي أقلته إلى بئس المصير، هو اليوم أسير الحرب الأخيرة التي انفجرت في الـ2023 على وقع «طوفان الأقصى» ولم تنته فصولاً. 50 عاماً من الحرب، لا 50 عاماً على الحرب، هي «سباق البدل» بين حروب، الواحدة تسلِّم الأخرى في لبنان: حرب السنتين التي استمرت 15 عاماً (1975 – 1990)؛ ثلاث حروب إسرائيلية كبرى ومعارك ما بين الحروب (1978 – 1982 – 2023)؛ حروب أخوة – أعداء في الشطر الغربي من بيروت، وحروب انشقاقات وإلغاء وتحرير في شطرها الشرقي؛ حروب اغتيالات سياسية لرؤساء جمهورية وحكومة ولقادة سياسيين وصحافيين وقادة رأي؛ حروب متاريس وخطوط تماس وسيارات مفخخة و… و…
50 عاماً من الحرب، لا 50 عاماً على الحرب. هي حرب بوجوه كثيرة وهويات كثيرة وأجندات كثيرة… حرب أهلية وحرب الآخرين وحرب طائفية، حرب يمين – يسار، حرب إسرائيلية – فلسطينية في لبنان، حرب سورية – إسرائيلية بالواسطة، حرب الخارج بأدوات الداخل، حرب احتلالات وحسابات وصراع نفوذ، حرب صناديق بريد بين المحاور، حرب «لعبة الأمم»، حرب أكثريات وأقليات… هي هذا وذاك وكل ذلك. فلبنان لم يكن على مدى نصف قرن من الآن أكثر من «ساحة».
نظرة «غوغل» و«تشات جي. بي. تي»
في تعريف «غوغل» لما شهده لبنان مع حادثة عين الرمانة في 13 نيسان/أبريل 1975 أنها «حرب أهلية متعددة» الصعد استمرت بين عامي 1975 و1990، وقد أسفرت عن مقتل نحو 120 ألف شخص، وجرح 300 ألف آخرين، وهجرة نحو مليون لبناني، وتهجير طائفي ومناطقي من 189 قرية وبلدة، وبقاء مصير 17 ألف مواطن مجهولاً، إضافة إلى خسائر تُقدَّر بنحو 25 مليار دولار. وهي «انتهت» بإبرام «اتفاق الطائف» في العام 1989 الذي أحدث تعديلات في «كعكة السلطة» وأوصى بإقرار قانون عفو عام.
الإعلان الرسمي عن إسدال الستارة على الحرب في العام 1989 لم يؤدِ إلى طي صفحاتها السود، فسرعان ما اغتيل رئيس «جمهورية الطائف» رينيه معوض، وبوشر بتطبيق ما عُرف بـ«النسخة السورية» من الاتفاق الذي لم يُستكمل تنفيذه حتّى الآن، واستمرت تالياً الحرب تارة باردة وتارة بالحديد والنار، وما زالت في أوجها مع استعار الصراع على التوازنات في الداخل، وعلى الموقع الإقليمي للبنان، وهو الصراع الذي صار اسمه الحركي «سلاح حزب الله» ومصيره.
ولم يكن عابراً في الذكرى الـ50 لـ«الحرب الأهلية»، أو لـ«حرب الآخرين» استحضار الهاجس من معاودة انفجارها أو التلويح بـ«فزَّاعتها» مع السعي إلى وضع سلاح «حزب الله» على الطاولة ببعديه، الداخلي بعدما أحدث انقلاباً على الدولة وقضماً لها، والخارجي لاقتياد لبنان إلى «المحور الإيراني» في مواجهة الشرعيتين العربية والدولية، واستدراجه البلاد إلى حرب مدمرة ما زال مفعولها سارياً.
ولم يكن مصادفة اختيار الجامعة الأمريكية في بيروت فعاليات بمناسبة مرور خمسين عاماً على اندلاع الحرب الأهلية عنوانها «خمسون عاماً من التناسي» في محاولة لكسر الصمت، على مدى عقود، عن حرب ما زالت متوالية من دون أي مراجعة أو تنقية للذاكرة، أو استخلاص للعبر من محنة وطنية لم تندمل جروحها رغم المساكنة الرجراجة بين أطراف الحرب وقواها التي تسللت إلى الدولة وجعلتها أشبه بـ«محميات» لها.
تعلّموا الدروس ولكن!
السؤال المحوري هو: هل تعلّم اللبنانيون من دروس وعِبَر الحرب الأهلية؟ سؤال وجهته لـ«تشات. جي. بي. تي»، فأعطاني الجواب التالي باللغة المحكية حوَّلتُه إلى الفصحى من دون تدخل: سؤال عميق ومهم جدًا، ويفتح باباً كبيراً للتأمل. هل اللبنانيون تعلموا من دروس الحرب الأهلية؟ الجواب ليس بسيطاً، لكن دعيني أشرح لك بهدوء وبشكل متوازن:
«نعم، هناك أشياء تعلّمها اللبنانيون: كرههم لفكرة الحرب من جديد، فكثير من الناس، خاصة الجيل الذي عاش الحرب، صار عنده رُعب حقيقي من العودة إلى العنف، وأغلب اللبنانيين يقولون: «شو ما يصير، ما بدنا حرب تانية»؛ وعي أكبر حول خطورة الطائفية، فالحرب علّمت الناس أن الطائفية ممكن أن تدمِّر بلدا بالكامل، وكثير من المثقفين والشباب صاروا يرفضون التقسيم الطائفي، حتى لو أنه ما زال موجوداً بالواقع؛ وأدركوا أهمية الدولة القوية بعدما عاشوا سنين من دون مؤسسات حقيقية، فالناس فهمت أهمية وجود دولة تحمي الكل وتكون أقوى من الميليشيات والسلاح؛ حب الحياة والإصرار على النهوض، إذ رغم كل الدمار، رجع اللبنانيون وعمَّروا بلدهم، خاصة بيروت، فهناك طاقة حياة وإصرار عند الشعب تجعلهم دائماً يحاولون أن يقوموا من جديد. لكن للأسف، هناك دروس لم يتعلمها اللبنانيون بعد: الطائفية ما زالت موجودة، فالنظام السياسي نفسه لم يتغيّر، والمحاصصة الطائفية قائمة، والأحزاب الطائفية قوية وتستغل خوف الناس لتكسب أصواتهم، وغياب المحاسبة؛ حيث إن كثيراً من زعماء الحرب صاروا سياسيين كبار، ولم تقم عدالة أو محاكمات حقيقية، ولا مصالحة وطنية حقيقية، ولا كشف لمصير آلاف المفقودين؛ تكرار الأزمات والانقسامات في كل مرة يحصل فيه توتر أو خلاف، فيرجع الخطاب الطائفي والتخويف، وكأن الحرب لم تكن كافية ليتعلموا كيف يختلفوا من دون عنف.
وفي الخلاصة: الشعب اللبناني تعلّم الكثير، وخاصة على الصعيد الشعبي والوجداني. لكن النظام السياسي، والنخب الحاكمة، لم تتعلّم كفاية، وتُكرِّر نفس الأخطاء. هل أقولها بكلمة؟ الشعب فهم… إنما الدولة لم تتغير».
يعكس جواب «تشات جي. بي. تي» حيزاً كبيراً من الواقع. صحيح أن ثمة دروساً تعلّمها اللبنانيون، ولكنهم ما زالوا في المنطقة الرمادية. هم واقفون على الباب. لا يريدون العودة إلى حرب أهلية، لكنهم لم يدخلوا فعلاً في رحاب السلم ومترتباته. فدولة ما بعد «الطائف» لم يتم بناؤها انطلاقاً من معايير «وثيقة الوفاق الوطني»، بل وفق موازين القوى التي حكمت تلك المرحلة. لم يتم في الأصل بناء الدولة، ولا المواطنة، ولا تمت المصالحة الوطنية، لا بل كان ممنوعاً على اللبنانيين التلاقي والتوافق والعمل معاً من أجل تمتين وتدعيم العيش المشترك. حصلت «مصالحة الجبل» عام 2001 بين الدروز والموارنة التي تُوِّجت بزيارة بطريرك الموارنة مار نصرالله بطرس صفير إلى قصر المختارة، لكن التقارب الشعبي تمظهر في «14 آذار 2005» يوم نزل اللبنانيون إلى ساحة الشهداء مطالبين بخروج الجيش السوري. هي لحظة توحَّد فيها اللبنانيون على اختلاف طوائفهم، جمعتهم دماء رفيق الحريري الذي هزّ اغتياله في 14 شباط/فبراير لبنان والمنطقة، فكان انتهاء مرحلة الوصاية السورية على البلد التي دامت 30 عاماً، لكن تلك الوصاية تحوَّلت إلى وصاية إيرانية بفعل سلاح «حزب الله» الذي هيمن على قرار السلم والحرب، وعلى مفاصل الدولة وسياستها الخارجية.
لم تكن الحرب على مر الـ50 عاماً فقط بين المسيحيين والمسلمين، بل تفرَّعت منها وعنها حروب كثيرة صغيرة وكبيرة حتى ضمن الطوائف نفسها، وكان أعنفها «حرب الإلغاء» بين الجيش اللبناني في المناطق المسيحية بقيادة ميشال عون و«القوات اللبنانية» بقيادة سمير جعجع، و«حرب إقليم التفاح» بين «حزب الله» وحركة «أمل». لم تبقَ دماء إلا وسُفكت.
السلاح وامتثال الضرورة
قبل أيام قليلة، قال عضو كتلة «حزب الله» في البرلمان النائب حسن فضل الله: «أبدينا كل استعداد للحوار من أجل الاتفاق على استراتيجية دفاع وطني لحماية السيادة، ونلاقي كل الدعوات الحريصة والصادقة في هذا المجال بيد ممدودة وعقل منفتح». ورغم ما يتضمنه كلام فضل الله من ملامح إيجابية لبحث مسألة سلاح «الحزب»، إلا أنه، في رأي شريحة واسعة من اللبنانيين، لم يأتِ كرمى عيون بناء الدولة أو بفعل القناعة بضرورات حصر السلاح بيد الشرعية، إنما نتيجة هزيمة «الحزب» على يد إسرائيل، وخسارته وسوريا وتقهقر «محور المقاومة». وتسود المخاوف من محاولات «الحزب» الإفلات من تسليم سلاحه، والذي ما عاد مطلباً دولياً وعربياً، بل هو مطلب لبناني أيضاً، إذ لا يمكن للدولة ومؤسساتها أن تستقيم إذا لم تبسط القوى الشرعية المسلحة سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية والاتكاء على القانون ومساواة اللبنانيين أمامه.
فما وصل إليه لبنان من انهيار اقتصادي ومالي وانكفاء الاحتضان العربي له بعدما سقط بيد «المحور» وتركه لمصيره مع دولة أقرب ما تكون إلى الدولة الفاشلة، وسلاح غير شرعي ما فوق لبناني بأجندات إقليمية، وفي ظل المخاوف من الغلبة العددية في بلد ملؤه الهواجس والخوف والقلق، بدأت مشاريع الفيدرالية الجديدة – القديمة تطل برأسها، وعبَّرت عنها، مواربة ومباشرة، قوى مسيحية.
تتغير المنطقة برمتها، وهي تعيش راهناً مخاض ولادة شرق أوسط جديد، يُشكِّل لبنان جزءاً منه. أفضت «حرب الإسناد» لـ«طوفان الأقصى» وما تلاها من حرب إسرائيلية على «حزب الله» إلى بداية تحولات في «بلاد الأرز»، كانت علامتها الفاصلة اتفاق وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، والذي وافق عليه «حزب الله» عبر تولّي حليفه نبيه بري واجهة التفاوض عليه مع الأمريكيين، وأقرَّته حكومة نجيب ميقاتي. ينص الاتفاق على تفكيك البنية العسكرية لـ«الحزب» جنوب الليطاني، وتطبيق القرار 1701 الذي صدر بعد حرب تموز/يوليو 2006 بكل مندرجاته، ما يعني في الترجمة السياسية نزع سلاح الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وعدم وجود سلاح غير السلاح الشرعي.
في خضم التحوُّلات الكبرى، لاحت أمام لبنان الفرصة لأن يكون دولة طبيعية، بعدما بدا أن حدوده الجنوبية مع إسرائيل أضحت خارج المعادلة الإيرانية، وأن المطوب إنهاء الذراع الإيرانية العسكرية كلياً من لبنان، وتحوُّل «الحزب» إلى حزب سياسي ينخرط في اللعبة الديمقراطية. هو التحدي اليوم أمام عهد جوزيف عون الذي يؤكد على حصرية السلاح بيد الدولة ولكن ليس بالقوة، إنما من خلال استراتيجية أمن قومي، ومن خلال حوار مع «الحزب» يُفضي إلى تسليمه السلاح طواعية. ليس هناك في الواقع خيار آخر أمام السلطة الحاكمة اليوم، ولا أمام «حزب الله» الذي يدرك تمام الإدراك أن ورقة السلاح انتهت مفاعيلها، أقلّه في لبنان، وأن الجمهورية الإسلامية تواجه الضغوط، ومصير نظامها على المحك، وأن عودة الجنوبيين إلى قراهم على الحافة الأمامية وإعادة إعمار ما هدَّمته الآلة العسكرية الإسرائيلية لن يحصل من دون الانتهاء من تفكيك منظومة «الحزب» العسكرية جنوب وشمال نهر الليطاني.
لعل إحياء الذكرى الـ50 للحرب اللبنانية تكتسب أهمية خاصة، ما دام يتم رسم مستقبل المنطقة لقرن من الزمن. ولعل الأهمية تكمن في عدم اليقين من النهائيات التي سيرسو عليها لبنان، وخوف الطوائف – التي تتجلى تعبيراتها في أحزاب ومكونات سياسية – من فقدان دورها وموقعها وامتيازاتها في النظام الحالي. فـ»اتفاق الطائف»، الذي لم تُطبَّق بنوده كاملة حتى اليوم، لا يلقى قناعة ضمنية لدى كثير من القوى السياسية، وتطالب بتطبيق بنود منه وفق أهوائها وتماشياً مع مصالحها ولو على حساب لبنان – الوطن الذي يتطلب أولاً وأخيراً وضع خريطة طريق لفهم معناه ودوره ورسالته ودستوره، والعمل الدائم على حفظ عيشه المشترك المُعرَّض للهزات ما دامت النفوس غير نقية، وما دامت الطائفية تنخر حتى العظم في جسده.
التحديات في الداخل اللبناني كبيرة. جيل الحرب يعرف ما اقترفت أياديهم، وغالبية رموزه تلت فعل الندامة وتؤمن بأن العنف ليس وسيلة لحل الخلافات، مهما اشتدت، لكن الجيل الجديد يستحق العيش بسلام وإدراك أنَّ الحربَ حدثٌ جلل بكل المقاييس. هي مسؤولية الجميع في بلد كان يوماً يتغنى بأنه «سويسرا الشرق»، فصار «جمهورية الموز» حتى إشعار آخر.




