ميديابارت: المجاعة ما زالت سيدة الموقف في غزة والاستئناف الجزئي للمساعدات ليس سوى عملية دعائية

ميديابارت: المجاعة ما زالت سيدة الموقف في غزة والاستئناف الجزئي للمساعدات ليس سوى عملية دعائية
باريس-
اعتبر موقع “ميديابارت” الفرنسي أن الإعلان عن استئناف جزئي جداً للمساعدات الإنسانية في قطاع غزة ليس سوى عملية دعائية وليس إنقاذاً فعلياً لسكان يخضعون للمجاعة، إذ لم يُلاحظ أيّ تحسن على الأرض. فالصور تبدو جميلة على شاشات التلفزيون: مظلات سوداء تحمل منصات من الطعام تتأرجح في سماء غزة الزرقاء بشكل موحد وتهبط ببطء نحو الأرض. بالإضافة إلى ذلك، تتيح هذه الصور لبعض الدول أن تُظهر نواياها “لفعل شيء” من أجل غزة، بينما تُنتقد بشدة بسبب تقاعسها، أو حتى دعمها لحرب الإبادة التي تُشنها إسرائيل على القطاع الفلسطيني.
الإمارات العربية المتحدة، الموقعة في عام 2020 على اتفاقات أبراهام التي رُوّج لها في عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من أجل تطبيع العلاقات بين إسرائيل والدول العربية، ما زالت حليفاً ثابتاً لإسرائيل. أما ألمانيا، فهي تحتفظ بمكانتها كثاني أكبر مزود للسلاح لتل أبيب، ولا تسمح بأي انتقاد باسم “مقتضيات الدولة”. إسبانيا، والمملكة المتحدة، وبلجيكا، والأردن، كذلك أيضاً. أما فرنسا، وبعد تردد، فقد أعلنت انضمامها إلى الحملة، وتستعد لإسقاط 40 طناً من المساعدات ابتداءً من يوم الجمعة، يُشير الموقع، موضحا أن صور أطفال غزة، الذين لا يبقَى منهم إلا الجلد والعظم، بدأت تملأ الصحف في جميع أنحاء العالم في الأسابيع الأخيرة. حتى وسائل إعلام محافظة مثل صحيفة Daily Express البريطانية وقناة Fox News الأمريكية، والتي لا يُعرف عنها دعمها للقضية الفلسطينية، تناولت مسألة المجاعة في غزة.
إسقاط المساعدات من الجو: غير مجدٍ و مكلف وخطير
إسرائيل قامت بما وصفته بـ”بادرة”. وهي المسؤولة الكاملة عن هذه المجاعة. فقد فرضت منذ سنوات قيوداً على دخول المواد الغذائية والسلع الأخرى، مما أضعف صحة السكان. وتفاقم الحصار أكثر بعد 7 أكتوبر 2023. ومع الحصار شبه الكامل المفروض منذ مارس/ آذار 2025، جاء تدمير الأراضي الزراعية، والمزارع، والثروة الحيوانية في القطاع الساحلي خلال اثنين وعشرين شهراً من الحرب، يقول “ميديابارت”، مُعتبرا أن تقاعس الدول، خاصة الأوروبية والعربية، أصبح غير قابل للاستمرار، وأن ضغط الرأي العام العالمي أجبر إسرائيل على الإعلان، يوم الأحد 27 يوليو/ تموز، عن وقف مؤقت للعمليات العسكرية في ثلاث مناطق بغزة للسماح بمرور الشاحنات واستئناف إسقاط المساعدات من الجو. لكن هذه الطريقة، التي تم استخدامها سابقاً في عام 2024، تم التخلي عنها لكونها مكلفة وغير فعالة وخطيرة.
كما اعتبر “ميديابارت” أن الكمية التي تعتزم فرنسا إسقاطها -40 طناً فقط- تُظهر أن هذه العمليات دعائية بحتة. “شاحنة واحدة تنقل من 30 إلى 40 طناً، أي أكثر من طائرة بمرتين إلى ثلاث مرات” كما يقول إياد عماوي من لجنة الإغاثة في غزة، من دير البلح، مضيفًا أن هذه الشحنات “إضافة إلى أنها غير كافية، فإنها تسقط بشكل عشوائي. الناس يتدافعون ويتقاتلون للحصول على ما يمكنهم. إنهم جوعى، وأطفالهم جوعى، وكل شيء مباح للحصول على طعام”.
العاملون في المجال الإنساني يعارضون بالإجماع هذه الطريقة
“إنه مجرد ذر للرماد في العيون، ويزيد من الفوضى دون أن يقدم أي حل فعلي للمجاعة. لو كانت إسرائيل تريد حقاً إنقاذ الأرواح، لفتحت المعابر البرية. بفتح المعابر السبعة نحو غزة ولو لساعة واحدة، يمكننا إدخال أربعة أضعاف ما تفعله الطائرات!”، تقول لـ“ميديايارت” بشرى خليدي من منظمة أوكسفام، من داخل غزة.
تؤكد جولييت توما من وكالة الأونروا أيضا: “هناك طرق برية لإدخال المساعدات إلى غزة. تأمينها والسماح بدخول 500 أو 600 شاحنة يومياً لا يعتمد إلا على الإرادة السياسية. وعادةً ما تُستخدم الإسقاطات الجوية كملاذ أخير عندما لا يكون هناك خيار آخر. وهذا ليس هو الحال هنا. لا ينبغي حتى أن يكون هناك نقاش حول هذا الموضوع. الطريقة الوحيدة للسيطرة على المجاعة وإنقاذ الأرواح هي إدخال الشاحنات بكميات كافية”.
شاحنات بالقطارة
ضمن الإعلانات الإسرائيلية، تمت الموافقة على دخول شاحنات من وكالات الأمم المتحدة محمّلة بالطحين، بعد تفتيشها من قبل الجيش الإسرائيلي. يُفترض أن تسهّل “الوقفات التكتيكية” من الجيش الإسرائيلي -بين العاشرة صباحاً والثامنة مساءً- وصول المساعدات إلى مناطق مثل المواصي، دير البلح ومدينة غزة. لكن حتى الآن، ما يحدث بعيد جداً عن تلبية الحاجة. فبحسب مصدر إنساني، حتى 29 يوليو، تم تفتيش 254 شاحنة، ولم تدخل سوى 180 شاحنة عبر نقطتي العبور المفتوحتين، معظمها تابع لبرنامج الغذاء العالمي.
أما إدارة مكتب تنسيق أنشطة الحكومة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية (كوغات) فتدّعي أن “أكثر من 200 شاحنة” قد تم توزيع شحناتها من قبل وكالات الأمم المتحدة، وأن “أكثر من 220” شاحنة تنتظر. لكن جولييت توما ترد بحزم: “في الأونروا، لدينا 6 آلاف شاحنة محمّلة بالغذاء والدواء عالقة في مصر، تنتظر الضوء الأخضر من إسرائيل منذ 2 مارس/ آذار أي منذ خمسة أشهر. ولا واحدة من الشحنات التي دخلت منذ الأحد الماضي تعود لنا. وحتى القليل الذي أُبلغنا به لا يكفي أبداً. وخلال فترة الهدنة، من 15 يناير/ كانون الثاني حتى الأول مارس/ آذار، كنا ندخل بين 500 و600 شاحنة يومياً من الطعام، الماء، الوقود والمستلزمات الطبية. نحن نعرف كيف نقوم بذلك”.
الفوضى والنهب والتجويع المنهجي
وتابع موقع “ميديابارت” التوضيح أنه في بعض الأحيان يُمنع دخول الشاحنات أو يتأخر بسبب نقص التنسيق داخل الجيش الإسرائيلي نفسه. كما سُجلت حوادث في معبر زيكيم، الذي لا يستطيع التعامل مع أكثر من 40 شاحنة يومياً. وتُنهب الشحنات فور دخولها غزة. يقول إياد عماوي: “الرجال والنساء والأطفال يتجمعون ويهاجمون الشاحنات للحصول على شيء يأكلونه. العصابات تنشط أيضاً. لا توجد وسيلة لمنع هذا، الناس جوعى. قوات الأمن والشرطة لا تظهر، بعد أن تم استهدافها من قبل الجيش الإسرائيلي. البنية الاجتماعية دُمرت بسبب الجوع. إنه فوضى تامة”.
يؤكد أمجد الشوا، مدير شبكة المنظمات غير الحكومية الفلسطينية في غزة: “لم تصل أي شاحنة إلى المخازن. يوم الاثنين، دخلت 66 شاحنة عبر كرم أبو سالم. لكنها سلكت طرقاً تسيطر عليها إسرائيل، وتعرضت للنهب من قبل العصابات وآلاف الجياع. الأضعف لا يحصلون على شيء”.
تحذير رسمي من المجاعة
ومضى “ميديابارت” قائلاً إن “الأدلة المتزايدة تؤكد على أن المجاعة، وسوء التغذية، والأمراض تؤدي إلى زيادة في الوفيات المرتبطة بالجوع. وتشير البيانات الأخيرة إلى أن عتبة المجاعة قد تم تجاوزها في معظم أنحاء قطاع غزة وفي مدينة غزة من حيث استهلاك الغذاء وسوء التغذية الحاد” وفقاً لما جاء في التقرير التابع للأمم المتحدة.
بناءً على أحدث البيانات التي جُمعت في مايو/ أيار عام 2025، توقعت “شبكة تصنيف الأمن الغذائي المتكامل (IPC)” أن “كامل سكان قطاع غزة سيواجهون انعداماً حاداً في الأمن الغذائي (المرحلة الثالثة أو أعلى من تصنيف IPC) بحلول سبتمبر/ أيلول 2025، من بينهم نصف مليون شخص في حالة كارثية (المرحلة الخامسة من تصنيف IPC)، والتي تتميز بنقص غذائي حاد، والمجاعة، والبؤس، والموت”.
لكن تصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية، وتحول مراكز التوزيع التي أنشأتها مؤسسة الإغاثة الإنسانية لغزة إلى أفخاخ مميتة للعديد من الجوعى، فاقم من حدة سوء التغذية، بحسب ما أفادت به شبكة IPC. وتطالب هذه الشبكة، كما جميع المنظمات الدولية، برفع الحصار، والسماح بدخول مساعدات إنسانية بشكل واسع، ووقف إطلاق النار.
“القدس العربي”:




