الصحافه

وكالة “الاونروا” تتعرض للهجوم منذ سنة… ورؤساؤها يصرون: نحن الحل ولسنا المشكلة

وكالة “الاونروا” تتعرض للهجوم منذ سنة… ورؤساؤها يصرون: نحن الحل ولسنا المشكلة

نير حسون

كان الأسبوع الماضي عاصفاً بشكل خاص لوكالة الأونروا التابعة للأمم المتحدة، وحتى نسبياً مقارنة مع الفوضى التي تمر فيها منذ 7 أكتوبر. الثلاثاء الماضي، جاء رجال شرطة إلى عيادة الأونروا في البلدة القديمة في القدس وأمروا بإغلاقها. العيادة عملت بشكل متواصل تقريباً منذ إقامة الأونروا في خمسينيات القرن الماضي، وقدمت خدمات لآلاف المرضى في كل سنة، ومن المرجح ألا يعاد فتحها.

في ذلك اليوم، أعلنت شركات البنى التحتية في القدس بأنه ابتداء من الأسبوع القادم سيتم قطع الكهرباء والمياه عن مباني الوكالة التي ما زالت تعمل في المدينة، وعلى رأسها مركز التأهيل المهني الذي يعمل في شمال القدس والذي كما يبدو سيغلق. 350 شاباً، أبناء عائلات فقيرة من مخيمات اللاجئين، الذين يحصلون على تأهيل في ميكانيكا السيارات واللحام والنجارة والبناء ومهن أخرى، سيتم لفظهم إلى الشارع.

في تلك الساعات، اندلعت عاصفة جماهيرية في لبنان، بعد أن عرف الآباء بشطب اسم فلسطين من الخرائط التي تتضمنها كتب تعليم أولادهم في مدارس الأونروا، وكتبت تحته أسماء “قطاع غزة” و”الضفة الغربية”. وإذا لم يكن هذا كافياً، فقد عرف هذا الأسبوع عشرات آلاف موظفي الأونروا نبأ تقليص 18 في المئة في رواتبهم بسبب الوضع الاقتصادي الصعب.

رغم الهجوم متعدد الجبهات، ما زالت الأونروا الجسم الإنساني الأهم الذي يعمل في قطاع غزة، والمشغل الأكبر في الضفة الغربية بعد السلطة الفلسطينية. في مقابلة شاملة أجرتها “هآرتس”، رغب رئيسا المنظمة رونالد فريدريك وهو مدير النشاطات في الضفة، وسام روز مدير النشاطات في غزة، بشرح الواقع حسب رأيهما. “يتهموننا بأننا نخلد مكانة اللاجئين الفلسطينيين، لكن الأمر خلاف ذلك، نحن هنا لأن المشكلة الفلسطينية لم تُحل”، قال فريدريك.

منتقداً قرار إسرائيل.. مدير نشاطات “الأونروا”: إذا اتهمتمونا بالإرهاب فالمدرسة اليهودية في مانشستر منبته الأول

منذ سنة تقريبًا، بعد أن بدأت الكنيست تشريعاتها ضد الأونروا، لا يسمح لفريدريك وروز بدخول إسرائيل والضفة وقطاع غزة. عقب ذلك، مثل كل أعضاء الإدارة الدولية في الأونروا، قاما بنقل نشاطهما إلى عمان عاصمة الأردن. هناك التقينا معهما. روز، وهو دبلوماسي بريطانيا عمره 51 سنة ومن مواليد مانشستر، وفريدريك وهو دبلوماسي وباحث ألماني عمره 49 سنة وهو خبير في النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني، يريدان من الجمهور الإسرائيلي الإصغاء، على الأقل عندهما ما يريدان قوله.

“مخربان ملثمان”

أصبح اسم الأونروا لدى الخطاب الإسرائيلي منذ بداية الحرب مرادفاً للاشمئزاز. ويتنافس أعضاء الكنيست على وصفها بأكثر الأوصاف تشهيراً، مثل: “ذراع لحماس”، “إرهابيون مقنعون”، “منظمة إرهابية”، هذه ليست إلا بعض الألقاب التي يستخدمونها. إضافة إلى ذلك، سنت الكنيست مؤخراً قوانين مهمة ضد الأونروا بأغلبية ساحقة: الأول، منعها من العمل في إسرائيل. الثاني، منع السلطات الإسرائيلية من التواصل معها. وصدر تعديل آخر في الأسبوع الماضي يحظر على شركات البنى التحتية تزويد منشآت الأونروا بالكهرباء والمياه.

معظم اتهامات إسرائيل ضد الأونروا تتعلق بموظفي الوكالة الذين تعاونوا مع حماس، وحتى شاركوا في مذبحة 7 أكتوبر، وتقول أيضاً بأن منشآت الأونروا في القطاع، لا سيما المدارس، خدمت حماس لسنين. وقد رفض فريدريك وروز هذه الادعاءات، وعرضا بيانات وتقارير للأمم المتحدة ترسم صورة معقدة أكثر مما هو معروض في وسائل الإعلام الإسرائيلية والكنيست.

فيما يتعلق بالموظفين، تزعم إسرائيل أنها قدمت أدلة على وجود صلة بين حماس وبين 12 موظفاً فقط من أصل 12 ألف موظف في القطاع. كانت الأدلة ضد 8 منهم كافية، وقد تم فصلهم جميعاً أو قتلوا أثناء الحرب. “أحدهم هو الإرهابي الذي اختطف جثة يونتان سمارنو”، قال فريدريك. “هذا أمر فظيع وغير مقبول، لا أحد يريد أشخاصاً كهؤلاء في الأونروا، لكن المسافة كبيرة من هنا إلى 12 ألف شخص”.

روز يتابع أقوال زميله: “علينا فصل سلوك الفرد عن سلوك الوكالة. الأمر يشبه أنني لم أدعو إلى إلغاء النظام الملكي في بريطانيا بسبب سلوك فرد واحد فاسد (روز يشير هنا إلى تورط الأمير اندرو في قضية ابستين). كان بإمكان الأونروا بذل المزيد، ولكننا لا نملك مخابرات أو آلية أمنية خاصة بنا. نحن نجري فحوصاً وتدريباً للموظفين ونشارك قائمة موظفينا مع إسرائيل كل ستة أشهر. وأعتقد أن إسرائيل لم ترد علينا إلا مرة واحدة حول سؤالها عن أحد الموظفين. إذا كنا منظمة إرهابية، فلماذا نشارك القائمة مع إسرائيل؟ أي منظمة أخرى في غزة لم تقم بفعل ذلك”.

وقال روز أيضاً بأن إسرائيل ألغت في الفترة الأخيرة تصاريح عمل لـ 37 منظمة إنسانية تعمل في غزة، غالباً بسبب رفض هذه المنظمات مشاركة قائمة موظفيها الفلسطينيين. “لا أعتقد أن أحداً يريد تشغيل عاملين شاركوا في 7 أكتوبر”، قال فريدريك. “إسرائيل أعطت أسماء، لكن لم تكن هناك دلائل حقيقية. أعطونا الأدلة والأسماء. وقد اقترحنا على إسرائيل أن يقوم طرف ثالث بفحص الأمر، ولكنها لم ترغب في ذلك”.

“الأونروا هدف سهل للسياسيين الشعبويين”، قال روز. “يقولون بأن كل المخربين الذين نفذوا مذبحة 7 أكتوبر تعلموا في مدارس الوكالة. لذلك، إذن فالوكالة مصنع للإرهاب، ولذلك فأنا إرهابي أيضاً. ولكني أيضاً نتاج مدرسة تعلمت فيها في مانشستر؛ بالصدفة، المدرسة اليهودية الأكبر في مانشستر (والد روز يهودي – الكاتب)، هذا يعني إذاً بأن هذه المدرسة هي مصنع للإرهاب، لأنها أنبتت إرهابياً”.

قال روز إن الأونروا تعودت قبل الحرب على إبلاغ إسرائيل عما يسمى في الأونروا “خروقات محايدة”، أي أن حماس استخدمت منشآتها. وهو يعترف أن الأنفاق حفرت تحت المدارس في غزة، لكنه قال إنه لم تكن للأونروا سيطرة على ذلك. “في الحرب في 2021 (عملية حارس الأسوار) سقطت قنبلة لسلاح الجو في ملعب مدرسة للأونروا في القطاع. كان يجب أخذها وبعد ذلك شاهدنا وجود نفق تحت الملعب، لكن على بعد نصف ميل، كان مركز للشرطة. إذاً، ربما يكون الأمر متعلقاً بهذا المركز. غزة مليئة بالأنفاق. نحن لا نسيطر على ما هو تحت الأرض. في لندن قطار تحت الأرض يسافر تحت كل بيت، هذا لا يعني أن أصحاب البيوت مسؤولون عن النفق الذي تحتهم”.

“الأونروا تذكير دائم على أن كل شيء ليس بالضرورة جيد، وأن هناك احتلالاً”، قال روز. “الأونروا أصبحت هدفاً للانتقاد الشديد، لكنها في الحقيقة أداة أقامها المجتمع الدولي لإدارة الوضع الإنساني وتوفير الخدمات إلى أن يتم التوصل إلى حل”. وواصل روز حديثه بعرض صورة لمنظمة حاولت التصدي لحماس في قطاع غزة أثناء سنوات الحصار الإسرائيلي، وقال: “كنا ننظم سباق ماراثون، ثم طلبت حماس فصل الرجال عن النساء. فكان الرجال يركضون في اتجاه والنساء في آخر، لكن حماس أدركت فيما بعد أن الرجال والنساء يلتقون في الوسط، فألغت السباق”. ووصف أيضاً كيف أصدرت الأونروا، خلافاً لرغبة حماس، مواد إعلامية حول المساواة بين الجنسين وحقوق المثليين. “إسرائيل تتهمنا بتأجيج التطرف في أوساط الفلسطينيين، لكن الأمر الذي يؤجج التطرف هو ظروف الحياة”، قال.

42 ألف شخص يائس

عدد العاملين الذين يعملون الآن في الأونروا أعلى من عدد كل العاملين الذين يعملون في كل مؤسسات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية في قطاع غزة معاً. بالإجمال، يعمل فيها 1347 طبيباً ورجال الطواقم الطبية، و10 آلاف معلم وعاملين اجتماعيين وغيرهم. حسب أقوال روز، فإن 80 في المئة من التطعيمات في القطاع تقدمها الأونروا. إضافة إلى ذلك، يعيش في المدارس التي تديرها الوكالة أكثر من 100 ألف نازح، وأكثر من هذا العدد يعيشون قرب المدارس ويحصلون على خدمات الوكالة. منذ وقف القتال، استأنفت الوكالة جزءاً من نشاطاتها التعليمية، والآن يوجد 70 ألف ولد يتعلمون في مراكز تعليم مؤقتة من قبلها. إضافة إلى ذلك، الأونروا هي المسؤولة أيضاً عن جمع القمامة في أماكن كثيرة في قطاع غزة.

إلى جانب هذه الإنجازات، هجوم إسرائيل على الأونروا يمنعها منذ سنة من إدخال الغذاء والمساعدات إلى القطاع. “كان علينا أن نبذر مئات آلاف الدولارات لاستبدال الملصقات وإعادة تصنيف الغذاء الذي أدخلناه ونقلناه بواسطة منظمات أخرى، بدلاً من استثمار ما هو لدينا في توفير الغذاء للسكان”، قال روز. وشرح بأنهم اضطروا إلى إخفاء مصدر الغذاء بعد منع الأونروا من توفيره.

في الفترة الأخيرة، بالأساس عقب وقف تمويل الوكالة من قبل الولايات المتحدة، واجهت الأونروا صعوبات مالية، ما جعلها تعلن عن تخفيض كبير لرواتب العاملين فيها. مع ذلك، استأنفت معظم الدول الداعمة للمنظمة، باستثناء الولايات المتحدة والسويد، تمويلها، بل وزادته أيضاً. ولكن هذا التمويل غير كاف لسد الفجوة التي خلفتها الولايات المتحدة، ما اضطر الوكالة إلى تسريح بعض العاملين فيها. وفي تشرين الثاني، جددت الجمعية العمومية للأمم المتحدة ولاية الأونروا بأغلبية ساحقة، ما أثار استياء إسرائيل، وفي كانون الأول أصدرت الجمعية قراراً آخر، بأغلبية ساحقة، يطلب من إسرائيل إنهاء مقاطعة الأونروا.

في بداية الحرب، سافر فريدريك وعدد من رجال الطاقم إلى مكان المذبحة في “بئيري” و”نوفا”. “نعرف التأثير الصادم لـ 7 أكتوبر”، وأضاف: “أعرف إسرائيل وفلسطين، كان هذا أمراً صادماً. ما خطر ببالي هو غابات لاتفيا والكارثة. أفهم أحاسيس الإسرائيليين، الأمر الذي يفسر جزءاً من النظرة للأونروا. ولكن في نهاية المطاف، يجب العودة والتحدث عن حل لمشكلة اللاجئين في إطار اتفاق سياسي واسع. ما نقوم بفعله يساهم في الاستقرار، الأونروا تعمل لأنه لا حل سياسياً لمشكلة اللاجئين بعد”.

“لو لم تكن الأونروا لوجب إيجادها، لكنها قائمة. عليكم مواجهة المشكلة وليس مواجهة الأونروا. ها هو قد أصبح لديك عنوان جيد للمقال”، قال روز.

هآرتس 20/1/2026

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب