إسرائيل لا تكترث بالعقبات: إنها فرصة المشروع التوراتي

إسرائيل لا تكترث بالعقبات: إنها فرصة المشروع التوراتي
تسعى إسرائيل لاستغلال حرب غزة كفرصة تاريخية لتكريس الضمّ التدريجي للضفة، مستندة إلى مشروع توراتي واستيطان راسخ يتجاهل القانون الدولي.
انتقلت الدعوات إلى تطبيق «السيادة» الإسرائيلية على الضفة الغربية المحتلّة، من حيّز الخطاب السياسي والشعارات الاستيطانية، إلى نطاق الإجراءات العملية؛ إذ لم تَعُد مقتصرةً على جهات وشخصيات «متطرّفة» أو «جماعات الضغط الاستيطانية»، بل امتدّت لتشمل وزراء في الحكومة، إلى جانب قادة في المؤسستَين العسكرية والأمنية، فيما انعكست أيضاً في تصريحات رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، الذي أكّد عمليّاً وجود نية الضمّ.
على أن هذا التحوّل ليس أمراً عابراً يرتبط بردود فعل على «همروجة» الاعترافات الغربية بالدولة الفلسطينية، إنّما يشير إلى تلمُّس حكومة الاحتلال أن الوقت قد حان فعلاً، للانتقال من «الحفاظ على المستوطنات» و«ضمان الأمن»، إلى استعادة «السيادة الكاملة» على أرض «يهودا والسامرة»، ليس باعتبارها مطلباً سياسيّاً مؤقتاً، بل استكمالاً منطقيّاً لمشروع قومي ديني، يستمدّ شرعيته من «الوعد الإلهي».
وعليه، لم يَعُد السؤال عمَّا إذا كان على إسرائيل ضمّ الضفة، ولكن ما إنْ كان في مستطاعها فعل ذلك الآن؛ علماً أنه لا أهميّة، بالنسبة إليها، للمنظور القانوني، ولا لذاك الأخلاقي، ولا للتبعات الإنسانية أو السياسية، بل إن السؤال بحت عمليّ: ما مدى إمكانية تنفيذ الضمّ في المرحلة الراهنة، وفقاً للقدرات المتاحة والقيود الواقعية والمعطيات الدولية التي لا يمكن تجاوزها؟
إلى الآن، عملت إسرائيل على ترسيخ الاستيطان اليهودي في الضفة، حيث يستمرّ القضم والاستيلاء المتدرّجان على الأراضي والاستيطان فيها، وذلك ما شكّل هدفاً مرحليّاً في اتّجاه الغاية النهائية: الضمّ الكامل. أمّا أفعالها، منذ ما يزيد على 50 عاماً، إبّان احتلال الضفة، فتُعتبر عملية جارية تدار بمنطق التدرّج والترسيخ.
غير أن الدعوات الحالية إلى الضمّ، لا تنبع من توتّر عابر، ولا هي ردّ فعل على التحرّكات الدولية المناهضة، بل هي استثمار منهجي في ظرف استراتيجي نشأ من جرّاء تداعيات الحرب على غزة، والتي تمثّل، من المنظور الإسرائيلي، فرصة نادرة لإنجاز المهمّة المُمهَّد الطريق إليها أصلاً: السيطرة على الضفة منذ نحو 60 عاماً، بنية تحتية استيطانية كاملة هي عبارة عن 700 ألف مستوطن وأكثر من 500 مستوطَنة، و1500 كيلومتر من الطرق الحصرية لليهود، مع شبكات كهرباء ومياه وتعليم وخدمات على اختلافها. يضاف إلى ذلك، وجود نظام معمول به في الأساس، يتركّز على كونه نظاماً قانونيّاً مزدوجاً: يُطبّق القانون الإسرائيلي على المستوطنين، والقانون العسكري على الفلسطينيين، فيما الدورة الاقتصادية للمستوطنات وسكانها مرتبطة عضوياً بإسرائيل نفسها. ووفقاً لهذه المعطيات، لا يوجد استيلاء على شيء، بل توسعة لوضع قائم باسم الضمّ.
لا يوجد استيلاء على شيء، بل توسعة لوضع قائم باسم الضمّ
وعلى رغم أنّ لدى إسرائيل النيّة والقدرة المادية، لكنّ قرارها الفعليّ مرتبط بكيفية مواجهة عقبات لا يمكن تجاوزها، تتمثل أولاها في تحدّي السيطرة على أقلّ بقليل من ثلاثة ملايين فلسطيني، وهو ما قد يدفعها إلى تفعيل نظام الفصل العنصري تجاه هؤلاء. كذلك، قد تلجأ الدول العربية، كما تقول السردية الإسرائيلية، إلى إحراج نفسها عبر مواقف وإجراءات، لن تؤدّي عمليّاً إلّا إلى الإضرار بها، ما يحملها لاحقاً على الانكفاء؛ فالتطبيع ليس مصلحة إسرائيلية فحسب، بل هو يصبّ في مصلحة بعض الأنظمة العربية الساعية وراء الرضى الأميركي عليها أيضاً، الأمر الذي ستعتمد عليه تل أبيب لتقليص تبعات رد الفعل العربي.
أما التحدّي الخارجي، فاحتمال وصْم إسرائيل بأنها دولة الفصل العنصري، واتّخاذ إجراءات عقابية ضدها، ما يؤدّي إلى عزلتها دوليّاً. لكن حتى هذه الإجراءات لا توليها تل أبيب اهتماماً خاصاً، لإدراكها أن العواصم الغربية ستعود لاحقاً إلى الاصطفاف إلى جانبها.
في المقابل، يظلّ العامل الأميركي هو الحاسم في قرارات إسرائيل الاستراتيجية، علماً أن تحفّظ واشنطن على عملية الضمّ لا يستند إلى الإقرار بالحقوق الفلسطينية، أو مخافة تجاوز القانون الدولي، أو استغلال الاحتلال للتوسّع الإقليمي، بل يتركّز على التداعيات التي تقدّرها للعملية على مجمل المصالح الأميركية، وهو ما ينسحب نظريّاً على الإدارة الحالية. لكن، هل يعني ذلك أن إسرائيل ستلغي هذا المشروع من برنامجها أو ستمضي في تكريسه رسمياً قدماً؟
الواقع أنه لا استعجال لتحقيق هذا الهدف؛ حتى في أوساط الحكومة الإسرائيلية التي تُطالب صراحة بـ«تطبيق السيادة»، فيما لا يُنظر إلى الضمّ كـ«قرار لحظي»، يُعلن بمرسوم، بل عملية تدريجية، تستكمل حالة الاسيتطان وتطوّره إلى واقع قانوني من نوع آخر.
ويُقدّر أن يبدأ قرار الضمّ، إذا استحصل على الموافقة والدعم الأميركيَّيْن، بتطبيق القانون الإسرائيلي علناً على المستوطنات في المنطقة «ج»، ومن ثم العمل على تفكيك مؤسسات السلطة الفلسطينية في المدن الكبرى في الضفة، وتحويلها إلى ما يشبه «أجهزة أمنية»، تابعة للإدارة المدنية الإسرائيلية، وربّما هذا ما هو قائم حالياً وإنْ بعناوين أخرى، فيما يصار لاحقاً إلى إعطاء «الإقامة الدائمة» للفلسطينيين، كما حصل منذ عقود لفلسطينيّي القدس المحتلّة. والأهمّ، أنه في مرحلة لاحقة، سيُعمل على تغيير طبيعة السلطة من «طرف مفاوض» مع صفة «كيان مستقلّ»، إلى «وسيط إداري» يُدير شؤون «السكان غير المواطنين»، تحت سيطرة إسرائيلية كاملة.



