ثقافة وفنون

الثقافة الشعبية وتجلياتها في الروح المصرية… من اللاوعي إلى الفعل

الثقافة الشعبية وتجلياتها في الروح المصرية… من اللاوعي إلى الفعل

محمد عبد الرحيم

القاهرة ـ  لم يتأت سلوك الشخص من فراغ، ولكن هناك عوامل لا شعورية ــ وهي الأهم ـ هي ما تحرّكه وتجعله يفكر ويفعل وفق ما يعتنقه ويتوارثه من هذه العادات، وهو ما يُشكّل ما يُسمى بـ(الأبعاد الاجتماعية للشخصية)، التي بدورها لا تأتي بمعزل عن الثقافة الشعبية التي يعيشها الإنسان، والتي تعد أكثر قوة وتأثيراً من ثقافة رسمية مفروضة، أو تتمثلها وتحرص عليها فئة قريبة من السلطة.
هذه الثقافة ـ الشعبية ـ هي ما نتلمسه في الحياة اليومية للفرد أو الجماعة، وبالتالي القدرة على انتقال هذا التراث من جيل لآخر، رغم التغيرات والتحورات التي تلحقه باختلاف الزمن والظروف السياسية والاقتصادية.
وفي بلد مثل (مصر) تضرب هذه الثقافة في عمق وروح المصريين، حتى من دون وعي منهم. ونستعرض قضيتين من عدة قضايا، لأنهما على درجة كبيرة من التباين والتناقض، هما.. (الحج) و(الثأر)، ذلك من وجهة نظر الموروث الشعبي، من خلال كتاب «الأبعاد الاجتماعية للثقافة الشعبية.. دراسات نظرية وبحوث تطبيقية» لعبد الحكيم خليل، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، سلسلة الدراسات الشعبيةـ القاهرة 2025.

الرحلة المقدسة

لم يغفل المصري تراثه، خاصة في ظل احتفاله بشعيرة دينية لها مكانتها وقداستها في نفسه. فالاحتفالات التي تصاحب شعيرة (الحج)، والتي تقام قبل أداء الفريضة وبعدها، كحدث مهم في حياة الشخص، الذي وفقه الله وأداها. من ناحية أخرى لا يقتصر هذا الأمر على الشخص فقط، أو ربما مجموعة الأشخاص الذي أدوا الفريضة، بل يمتد لأسرهم، والأحياء والقرى التي يسكنونها. ولا ننسى الاحتفال الرسمي المعروف بـ(المَحْمَل)، حيث كانت مصر تقدّم كسوة الكعبة كل عام بمناسبة موسم الحج إلى الأراضي الحجازية في احتفال مهيب.
فعندما يعلم الحالم بالرحلة ــ رحلة الحج ــ بأنه سيزور الكعبة الشريفة، تنعقد الأفراح والتزاور بين الأقارب والجيران، لمنزل المكتوبة له الزيارة، وتأتي الأغنيات المعبّرة عن هذا الحدث العظيم في حياته.. «هنيالك يا حاج.. مكتوبالك يا حاج.. مكتوبالك حجة هنيّة.. تركب مركب ومعدّية». وفي القديم كان يتم رفع الأعلام (بيضاء، حمراء، خضراء) على سطوح البيوت، دلالة على أن صاحبه ذاهب إلى الرحلة المقدسة. كذلك فالرحلة هنا أشبه بميلاد جديد، فهو سوف يتطهر من ذنوبه، ويعود كما ولِد، كموت وبعث من جديد، ولا يخفى الموروث المصري القديم في هذه النظرة إلى الطقس الإسلامي المقدس والحديث نسبياً. أما على المستوى الروحي، فالمنذورة له الزيارة يقوم بزيارة الأقارب والجيران يطلب منهم المسامحة والعفو والدعاء له، حتى لا يحمل ذنباً في رحلته.. «كان الواحد يروح يزور إخوانه وقرايبه وجيرانه، أهو منه يودعهم، ومنه ياخد بخاطر الزعلان، ويزور المريض، يمكن الوشوش ما تتلاقاش، ويطلب منهم الدعاء بالقبول». إضافة إلى ذلك، يقوم الحاج قبل رحلته بسداد ديونه، ورَد الأمانات إلى أهلها، ذلك في حال كونه محل ثقة الآخرين.

من الأولياء إلى المقابر

ولا يقتصر الاستعداد للرحلة على زيارة الأحياء من الأقارب والجيران والأصدقاء، بل يمتد إلى زيارة أولياء الله الصالحين ومقاماتهم الطاهرة، كاستعداد للرحلة الكبرى، فلم يفصل المصري بين زيارة مقام الحسين أو السيدة، وزيارة الكعبة. أما الذين لا يستطيعون الذهاب إلى الحج (الفقراء وهم الغالبية من المصريين) فيقومون في الموسم نفسه ــ موسم الحج ــ بزيارة أضرحة أولياء الله، وهو ما يُطلق عليه (رحلة الحج الصغرى) ـ ونلحظ هنا أنه وقبل السبعينيات من القرن الفائت، وقبل التشدد الديني واستتباب الأمر لإسلام الصحراء، وهو لظروف اقتصادية بحتة ليس أكثر، لم يكن المصري يُفرّق بين سُنّة وشيعة، حيث زيارة الأولياء والأموات من طقوسه الممتدة للآلاف السنين. كذلك لا بد وأن يزور الحاج قبل سفره مقابر أمواته والدعاء لهم، فكأنها رحلة لا تعقبها عودة، على مستوى الروح أولاً، التي لا تعود كما كانت قبل الرحلة، أو على مستوى الجسد، فالرحلة في السابق كانت من المشقة، بحيث من الجائز جداً أن يموت الحاج في رحلته. لم يقتصر الأمر على ذلك، بل يشتري الحاج كفنه معه، ويذهب به إلى أراضي الحجاز، وغسله بماء زمزم، حتى إن أغلب الحجيج يتمنون الموت في الأراضي المقدسة، وإن كان فيكون طقس العزاء احتفالياً بين أهله وأسرته، فهو رجل صالح وهي امرأة صالحة، حاباه الله وكتب له ميتة تليق بقبول التوبة، ودخول صاحبها في رحمة الله وجنته.

من رسومات الجدران إلى السيلفي

ونأتي إلى مظاهر الاحتفال بالعودة المُباركة، وهي توثيق للرحلة من خلال رسومات على جدران البيوت، بداية من الجَمَل، ثم الباخرة والسفينة، وصولاً إلى الطائرة، وفي مقابل وسائل المواصلات هذه مع تطورها، يوجد رسم للكعبة الشريفة، مع كتابة عبارات.. «حج مبرور وذنب مغفور». هذا ما كان، ولم يزل في بعض قرى الريف والأحياء الشعبية في المدن. لكن الأمر تطور الآن إلى لقطات السيلفي للحاج ورفاقه، ورفع الصورة على وسائل التواصل الاجتماعي!

رحلة الموت
«إللي يرُشّك بالميّة.. رُشّه بالدم»
تتخذ قضية (الثأر) من صعيد مصر موطناً لها. وفي البداية نوضح أن هذا السلوك لم يكن يعرفه المصري القديم، وإن كان فحالات فردية، بعيداً عن كونه ظاهرة اجتماعية. فالانتماء القَبَلي والعشائري آفة جاء بها العرب إلى مصر، ومعظم أهل الصعيد جاءوا نتيجة الهجرات العربية عن طريق البحر الأحمر، وحتى الآن كما يذكر المؤلف «ينقسم الصعيد إلى عرب وفلاحين»، وقد أورث العرب المكان وناسه موبقات سلوكهم.. «فالعربي شديد التقدير لذاته إلى حد المبالغة، إلا أنه مع ذلك شديد الانصياع إلى قبيلته ولمعاييرها الجماعية… فالقوى التي تشكل قانون ونظام الثأر هي خضوع أفراد المجتمع للتقاليد والعادات بطريقة لا إرادية تتسم بالعبودية، خوفاً من نبذ الجماعة القرابية من ناحية، واحتقار باقي جماعات المجتمع من ناحية أخرى». مع ملاحظة أن التعليم مهما كانت درجة تحصيله لا علاقة له ولا تأثير على هذه القضية، اللهم إلا فيما ندر.
كذلك يُشير المؤلف إلى كيف يتمثل (الثأر) في تأكيد المكانة الاجتماعية.. «فالثأر والرغبة الشديدة في المحافظة على قوانينه وثقافته، جزء لا يتجزأ من المكانة الاجتماعية للفرد في الصعيد، فقتل الرجال هو انتقاص لشرفهم، وتوضيع لمكانتهم الاجتماعية ولمكانة عائلتهم، أي إلى مكانة كل الرجال الذين ينتسب إليهم القتيل بعلاقة قرابة عصبية، فيكون الثأر محاولة لإنقاذ هذه المكانة والمحافظة عليها… فعدم تقبّل العزاء هو بمثابة سلوك رمزي يُشير إلى رفض الخنوع».

امرأة الصعيد

للطفل الذكر في صعيد مصر مكانة لا تضاهيها مكانة، وإن انتقلت الآفة إلى سكان شمال البلاد. وما للأنثى إلا دورها الثانوي المعهود من الإنجاب ورعاية الصغار. ولكن الحقيقة أن هذه الطفلة والمرأة الشابة والأم، في ما بعد، والجدة في النهاية هي مصدر القوة والسيطرة على الابن الأكبر وباقي الابناء بالتبعية، ورغم أنها لا تخضع لقانون الثأر، حيث يلحق العار مَن يقتل امرأة، إلا أنها وللمفارقة أيضاً الراعية الأولى للثأر في نفس وروح طفلها، فهي «المُحرّض الأول والأقوى داخل الأسرة أو القبيلة… فتوجه وتُغري وتُحرّك وترتب وتنظم الأدوار، لإتمام عملية الثأر منذ مقتل زوجها أو أبيها أو أخيها أو ابنها». حتى يصل بها الأمر إلى تهديد الجميع عند التقاعس عن الأخذ بالثأر، بأن تنذر بحملها السلاح وأخذ الثأر بنفسها، وهو ما يعد عاراً على جميع رجال الأسرة، وهو ما لا يحتملونه، وقد قامت ـ وهي تعلم تماماً ـ بربط قضية الثأر بمسألة الشرف.

ليلى

ونختتم بهذه الحكاية الحقيقية التي حدثت في محافظة قنا.. أقسمت (ليلى) على الثأر لإخوتها الثلاثة، الذين قتِلوا غدراً، خاصة أن أبناءها وأبناء إخوتها ما زالوا أطفالاً، فحلقت شعرها وارتدت ملابس الرجال، وحملت مدفعاً رشاشاً، وانتقلت للإقامة في الكهوف وسط زراعات القصب، وظلت تراقب أعداءها سنوات طويلة، حتى حانت اللحظة الحاسمة، وعلمت أن قاتلي إخوتها يستقلون سيارة ميكروباص لتأدية واجب العزاء في قرية أخرى، فانتظرتهم عند مدخل القرية، وأوقفت السيارة وطلبت من السائق النزول، لأنه ليس من العائلة نفسها، وحصدت أرواح 12 شخصاً من خصومها.

«القدس العربي»:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب