ثقافة وفنون

بشار بن برد / مصطفى معروفي

بشار بن برد
مصطفى معروفي
ــــ
يــا قَومُ أَذْني لِبَعضِ الحَيِّ عاشِقَةٌ
وَالأُذنُ تَــعشَقُ قَــبلَ العَينِ أَحيانا
قالوا بِمَن لا تَرى تَهذي فَقُلتُ لَهُم
الأُذنُ كَالعَينِ تُؤتي القَلبَ ما كانا
بشار بن برد
ــــــــــــــــ
بشار بن برد بن يرجوخ العُقيلي (96 هـ – 168 هـ )بشار وما أدراك ما بشار في الشعر العربي،هو شاعر ولد أعمى في بادية البصرة لأبوين فارسيين،ويكنى” أبو معاذ” ويلقّب ب”المرعّث”،واشتهر شعره في كل البلاد وذاع صيته،ولكن في آخر أيامه اتهم بالزندقة وقتله الخليفة العباسي المهدي لما كان هذا في البصرة وسمع أذانا وقت الضحى فسأل عن الفاعل فأخبروه بأنه بشار برد وكان بشار سكرانا لما أخذ يؤذن فأحضره الخليفة وقال له:
يا زنديق أتلهو بالأذان في غير وقت الصلاة وأنت سكران،ثم أمر بضربه ،وأخذوه على زورق وهم يضربونه حتى مات ،ورموا جثته على قطعة خشب،فحمله الماء إلى البصرة ،فأخذه أهله ودفنوه بها.
ما يهمنا في بشار الآن ليست شاعريته التي لا ينكرها أحد،ولا شعره الذي سارت بذكره الركبان ،وإنما يهمنا منه مواقفه التي تتميز بالتعصب للفرس والاستطالة بهم على العرب ،وتحريض قومه على عدم موالاتهم.
وأنا شخصيا لا تهمني في بشار زندقته،فذلك شأنه الشخصي ،وإنما يهمني فيه رأيه في نفسه وفي العرب .
يحكون عنه أنه مرة سئل عن رأيه في علي بن أبي طالب ،فتمثل بقول عمرو بن كلثوم:
وما شر الثلاثــــة أمَّ عمروٍ
بصاحبك الذي لا تصبحينا
وذهب بعيدا في آرائه الخاصة التي كان من المفروض أن يحتفظ بها لنفسه،مما ألب عليه الناس،كتصويبه رأي إبليس وتفضيل النار على الطين:
إِبــليسُ خَــيرٌ مِــن أَبيكُم آدَمٍ
فَــتَنَبَّهوا يــا مَــعشَرَ الــفُجّارِ
إِبــليسُ مِــن نــارٍ وَآدَمُ طينَةٌ
وَالأَرضُ لا تَسمو سُمُوَّ النارِ
أما عصبيته الصارخة فنلحظها في هذه القصيدة:
هَــل مِــن رَسولٍ مُخبِرٍ
عَــنّــي جَــميعَ الــعَرَبِ
مَـــن كــانَ حَــيّاً مِــنهُمُ
وَمَــن ثَــوى فــي التُرُبِ
بِــــأَنَّــنــي ذو حَــــسَــبٍ
عــالٍ عَــلى ذي الحَسَبِ
جَــدّي الَّــذي أَســمو بِهِ
كِــسرى وَســاسانُ أَبــي
وَقَــيــصَــرٌ خــالــي إِذا
عَـــدَدتُ يَــومــاً نَــسَبي
كَــم لي وَكَم لي مِن أَبٍ
بِــــتــاجِــهِ مُــعــتَــصِبِ
أَشـــوَسَ فـــي مَــجلِسِهِ
يُــجــثى لَـــهُ بِــالــرُكَبِ
يَــغــدو إِلـــى مَــجــلِسِهِ
فــي الــجَوهَرِ الــمُلتَهِبِ
مُــســتَفضِلٌ فـــي فَــنَكٍ
وَقــائِــمٌ فـــي الــحُجُبِ
يَــســعى الــهَــبانيقُ لَــهُ
بِــــآنِــيــاتِ الـــذَهَـــبِ
لَــم يُــسقَ أَقــطابَ سِقىً
يَــشــرَبُها فـــي الــعُلَبِ
وَلا حَـــدا قَـــطُّ أَبـــي
خَــلــفَ بَــعــيرٍ جَــرِبِ
وَلا أَتـــــى حَــنــظَــلَةً
يَــثــقُبُها مِـــن سَــغَــبِ
وَلا أَتــــى عُــرفُــطَــةً
يَــخــبِــطُها بِــالــخَــشَبِ
وَلا شَـــوَيـــنـــا وَرَلاً
مُــنَــضــنِضاً بِــالــذَنَــبِ
وَلا تَــــقَــــصَّــعــتُ وَلا
أَكَــلــتُ ضَــبَّ الــحِزَبِ
وَلا اِصــطَلى قَــطُّ أَبــي
مُــــفَــحِّــجــاً لِــــلَّــهَــبِ
وَلَــــم بــــايــدَ نَــسِــيــاً
وَلا هَــــوى لِــلــنُصُبِ
كَـــلّا وَلا كـــانَ أَبـــي
يَــركَــبُ شَــرجَي قَــتَبِ
إِنّـــا مُــلــوكٌ لَــم نَــزَل
فـــي ســالِفاتِ الــحِقَبِ
نَــحنُ جَــلَبنا الــخَيلَ مِن
بَــلــخٍ بِــغَــيرِ الــكَــذِبِ
حَــتّــى سَــقَــيناها وَمــا
نَــبــدَهُ نَــهــرَي حَــلَــبِ
حَــتّــى إِذا مــا دَوَّخَــت
بِــالشامِ أَرضَ الــصُلُبِ
سِــرنا إِلــى مِــصرَ بِها
فــي جَــحفَلٍ ذي لَــجَبِ
حَــتّــى اِســتَــلَبنا مُــلكَها
بِــمُــلــكِــنا الــمُــســتَلَبِ
وَجـــادَت الــخَــيلُ بِــنا
طَــنــجَةَ ذاتَ الــعَــجَبِ
حَــتّى رَدَدنــا الــمُلكَ في
أَهـــلِ الــنَــبِيِّ الــعَرَبي
يَــهزَ أَبــا الــفَضلِ بِــها
أَولـــى قُــرَيشٍ بِــالنَبي
مَن ذا الَّذي عادى الهُدى
وَالــديــنَ لَـــم يُــســتَلَبِ
وَمَـــن وَمَـــن عــانَــدَهُ
أَو جـــارَ لَـــم يُــنتَهَبِ
نَــغــضَــبُ لِــلَّــهِ وَلِـــل
إِســلامِ أَســرى الغَضَبِ
أَنــا اِبــنُ فَــرعَي فارِسٍ
عَــنها المُحامي العَصِبِ
نَــحنُ ذَوو الــتيجانِ وَال
مُــلــكِ الأَشَــمِّ الأَغــلَبِ
يقول أبو الفرج الأصفهاني :
دخل أعرابي على مجزأة بن ثور السدوسي وبشار عنده وعليه بزة الشعراء فقال الأعرابي من الرجل فقالوا رجل شاعر فقال أمولى هو أم عربي قالوا بل مولى فقال الأعرابي وما للموالي وللشعر فغضب بشار وسكت هنيهة ثم قال أتأذن لي يا أبا ثور قال قل ما شئت يا أبا معاذ، فأنشأ بشار يقول بعد البيت الأول:
سَــأُخبِرُ فــاخِرَ الأَعرابِ عَنّي
وَعَــنــهُ حــيــنَ بــارَزَ لِــلفَخارِ
أَنــا اِبــنُ الأَكــرَمينَ أَبــاً وَأُمّــاً
تَــنازَعَني المَرازِبُ مِن طُخارِ
نُــغاذى الــدَرمَكَ المَنفوطَ عِزّاً
وَنَشرَبُ في اللُجَينِ وَفي النُظارِ
وَنَركَبُ في الفَريدِ إِلى النَدامى
وَفــي الــديباجِ لِــلحَربِ الحِبارِ
أُسِــرتُ وَكَــم تَــقَدَّمَ مِــن أَسيرٍ
يُــزَيِّــنُ وَجــهُهُ عَــقدَ الأَســارِ
كَــكَعبٍ أَو كَــبِسطامِ بــنِ قَيسٍ
أُصــيــبا ثُــمَّ مــا دَنِــسا بِــعارِ
فَــكَيفَ يَــنالُني مــا لَــم يَــنَلهُم
أَعِــد نَــظَراً فَــإِنَّ الــحَقَّ عــارِ
إِذا اِنــقَلَبَ الــزَمانُ عَــلا بَــعَبدٍ
وَسَــفَّــلَ بِــالــبَطاريقِ الــكِــبارِ
إلى آخر القصيدة وهي كلها رفع من قيمة الفرس وزراية على العرب:
وخصوصا في هذا البيت:
تـــفــــاخر يا بن راعـــية وراع
بني الأحرار؟حسبك من خسارِ
وقد دخل بشار يوما على المهدي فقال له:
فيمن تعتد يابشار؟ فقال :أما الزي واللسان فعربيانوأما الأصل فأعجمي.
والحاصل أن بشار كان يتبرأ من الولاء للعرب ويحث الموالي على معاداتهم والتنصل من الولاء لهم،يقول بشار:
أَصبَحتَ مَولى ذي الجَلالِ وَبَعضُهُم
مَــولى العُرَيبِ فَجُد بِفَضلِكَ وَاِفخَرِ
مَـــولاكَ أَكـــرَمُ مِــن تَــميمٍ كُــلِّها
أَهــلِ الــفَعالِ وَمِــن قُرَيشِ المَعشَرِ
فَــاِرجَع إِلــى مَــولاكَ غَــيرَ مُــدافَعٍ
سُــبــحانَ مَـــولاكَ الأَجَــلِّ الأَكــبَرِ
بشار شاعر كبير ما في ذلك،وله الحق كل الحق أن يفتخر بنفسه وبقومه ،ولكن في حدود اللباقة وتبليغ ما يريد أن يبلغه بدون فجاجة ولا إسفاف.
والواقع أننا عندما نقرأ بشار نقرأ الشعر،وأننا حينما نختلف معه نكون قد اختلفنا مع شاعر حقيقي لا مع واحد من أيها الناس.
والسلام عليكم ورحمة الله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب