مقالات

“لقاء ترامب ـ ممداني: من انحنى للآخر أكثر؟” بقلم الدكتور وائل الريماوي 

بقلم الدكتور وائل الريماوي 

“لقاء ترامب ـ ممداني: من انحنى للآخر أكثر؟”

بقلم الدكتور وائل الريماوي 

.. خلال أول لقاء يجمعهما في البيت الأبيض، كانت الفوارق صريحة بين آراء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول زهران ممداني المرشح لرئاسة بلدية نيويورك، وبين نظرته إلى الأخير وقد بات منتخباً على رؤوس الأشهاد، ومنتصراً على أفيال الأحزاب التقليدية وحيتان المال والأعمال. وإذا كانت نبرة المجاملة والمساومة والتسليم بالأمر الواقع قد غلبت على أقوال سيد البيت الأبيض، فإن روحية المسؤولية والثبات والمعارضة طبعت ردود عمدة مدينة لا يُجادل في أنها الأعلى تمثيلاً للواقع الأمريكي الراهن، الحلم مثل المعضلة، والشرطي الكوني الإمبريالي مثل محجّ الهجرة والتعدد.
ولعلّ الأهم خلف معطيات ذلك اللقاء كان مصير مواقف العداء والاستعداء التي صدرت عن ترامب وذهبت إلى درجة التهديد بترحيل ممداني إلى مسقط رأسه في أوغندا، وقطع عشرات الملايين من المساعدات الفدرالية للمدينة، وتخويف السكان من «أجندة شيوعية» يعلنها المرشح الشاب وسوف «تجعل التفاحة الكبرى تتعفن». وكيف، في المقابل، سوف تكون عليه خيارات المعارضة الشاملة التي وعد بها ممداني، على الجبهات كافة، لتلبية آمال السواد الأعظم من أهل نيويورك، والإصرار على برامج إصلاحية كبرى، في حال من المواجهة المفتوحة ضد رعاة الاستغلال والركود والنهب والهيمنة.
والسؤال بالتالي يمكن أن يتخذ الصيغة التالية، حتى إشعار آخر قد يطول أو يقصر: من الذي انحنى للآخر أكثر، ليس أمام الرأي العام والتصريحات لوسائل الإعلام فقط، بل على صعيد المداولات خلف الكواليس، وتلمّس موازين القوى الراهنة والمستقبلية، وآفاق التصادم أو التعاون بصدد شؤون المدينة المعيشية والاجتماعية والاقتصادية والتنموية والمدنية أولاً، ثم شجونها السياسية والأخلاقية والإيديولوجية العابرة للمدينة وللمحيط الأطلسي بأسره.
إذْ لا يخفى أن مواقف ممداني المناهضة لحرب الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزة، وقراءة الرجل لتراث نيويورك العريق في ميدان الهجرة والآخر مقابل التمييز العنصري وانتهاك الحقوق المدنية، ومعارضة سياسات الرئيس الحالي وشخصه أيضاً، كانت وسواها راسخة بقوة على محك العلاقة مع البيت الأبيض خصوصاً، ومع السلطات الفدرالية عموماً.
وأن يقول ممداني إنه لا يزال يعتبر ترامب فاشياً، وهذا توصيف أعلنه خلال الحملة الانتخابية ولن يبدله بعد الفوز، أمر يؤشر على خطّ أول قاطع ومبدئي بينهما، قد يجري التصالح فيه حول ملفات عامة بلدية الطابع، تخصّ تكلفة السكن ورعاية الأطفال والبقالة والمرافق. وقد تستعر بسببه خلافات أكثر حدة في ملفات أخرى حساسة، على غرار ما التزم به العمدة المنتخب من عزم على اعتقال رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو تنفيذاً لمذكرة الجنائية الدولية.
ثم أن يلجأ ترامب إلى الإشادة العلنية بفوز ممداني في الانتخابات، معتبراً أنه «قادر على القيام «بعمل رائع»، وأن الإدارة سوف تساعده على «تحقيق حلم الجميع: أن تكون نيويورك قوية وآمنة للغاية»، أمر يؤشر بدوره على مقاربة تصالحية تنطلق على الأرجح من التسليم بالأمر الواقع، سواء لجهة الشعبية العالية التي يتمتع بها ممداني، أو لأن الرجل لا يعتزم التنازل عن الاعتبارات الجوهرية الناظمة التي كانت وراء انتصاره التاريخي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب