دراسات

بين النص الديني المطلق والواقع المتغير -1-بقلم حسن خليل غريب

بقلم حسن خليل غريب -طليعة لبنان -

بين النص الديني المطلق والواقع المتغير -1-:
قراءة في تعقيب حسن خليل غريب على مناقشة نقدية كتبها أحد الإسلاميين لكتابه (الردة في الإسلام).
مقدمة
في زمنٍ تتراجع فيه ثقافة الحوار لصالح الاصطفاف والانغلاق، يطلّ علينا الكاتب حسن خليل غريب بتعقيب فكري رصين على مناقشة لكتابه “الردة”، ليقدّم نموذجًا نادرًا في أدب الاختلاف، حيث تتلاقى المعرفة مع التواضع، والنقد مع الاحترام.
يبدأ غريب مقاله بشكرٍ صادق لمُحاوره، مشيدًا بفضيلة القراءة النقدية التي باتت عملة نادرة في زمن السرعة والسطحية. ويؤكد أن الحوار الجاد هو السبيل الأنجع لتطوير المعرفة، لا سيما حين يكون مبنيًا على احترام متبادل ومنهجية واضحة.
يمتدح الكاتب منهج ناقد كتابه، الذي يتسم بعمق في الاطلاع على التراث الفقهي السلفي، وقدرة على الاستنتاج، وهدوء في الطرح، مما يخلق بيئة حوارية صحية خالية من الاتهامات والانفعالات.
لكنه، في الوقت ذاته، يلفت إلى التباين الجوهري بينهما في المنهج: فبينما ينطلق محاوره من مسلّمات دينية يعتبرها مطلقة وثابتة، يتعامل غريب مع النصوص بوصفها استجابات ظرفية لمشكلات آنية، وبالتالي فهي نسبية وقابلة للتأويل.
هذا التباين المنهجي يطرح إشكالية مركزية في الفكر الإسلامي المعاصر: هل يمكن مناقشة النصوص الدينية بوصفها مطلقة في عالم يتغير باستمرار؟ وهل من المجدي أن يُكبّل الحوار بقيود النصوص دون النظر إلى سياقاتها التاريخية والاجتماعية؟
يرى غريب أن الحوار يفقد جدواه إذا كان أحد أطرافه يعتبر أن نتائج النقاش محسومة سلفًا لصالح “ما قاله الله”، لأن ذلك يُقصي العقل البشري من المعادلة، ويحوّل الحوار إلى طقس من التسليم لا من التفكير. لكنه لا ينكر في الوقت ذاته عظمة الخالق، بل يرفض أن يُختزل الدين في أوامر تفصيلية تُفرض على الإنسان دون مراعاة لظروفه ووعيه.
ينطلق غريب من رؤية تؤمن بأن الله زوّد الإنسان بمُثل عليا كالحرية والعدالة، وترك له حرية الاجتهاد في تحقيقها. ويُفرّق بوضوح بين القيم المطلقة (كالحرية) والوسائل المتغيرة (كالإكراه)، رافضًا أن يُعتبر الإكراه مبدأً إلهيًا مطلقًا، كما يذهب بعض الفقهاء. فالإكراه، في نظره، وسيلة متغيرة قد تُستخدم في ظروف معينة، لكنها لا ترقى إلى مرتبة القيمة الثابتة.
ويصل إلى ذروة نقده حين يتساءل: هل خُلق الإنسان ليكون وسيلة لخدمة الشريعة، أم أن الشريعة وُجدت من أجل سعادته؟ وهل من المعقول أن يُمتحن الإنسان بين طاعة عمياء أو عذاب أبدي، في حين أن الله فطره على الحرية والاختيار؟
في هذا المقال، لا يهاجم غريب الدين، بل يدعو إلى تحريره من الجمود، وإلى إعادة تأويله بما ينسجم مع القيم الإنسانية العليا. إنه صوت عقلاني يطالب بأن يكون الإنسان غاية لا وسيلة، وأن يكون الدين رسالة تحرر لا أداة قسر.
أولاً: الناسخ والمنسوخ بين النص والواقع: قراءة في ملاحظات حسن خليل غريب
في مداخلته النقدية يواصل حسن خليل غريب تفكيك البنية التقليدية للفقه الإسلامي، متناولًا هذه المرة قضية “الناسخ والمنسوخ” بوصفها مدخلًا لفهم العلاقة بين النص الديني والواقع المتغير. وهو لا يكتفي بطرح الأسئلة، بل يذهب أبعد من ذلك، ليعيد ترتيب الأولويات بين القيم الثابتة والوسائل المتغيرة، في محاولة جريئة لإعادة الاعتبار للعقل والاجتهاد.
1-النسخ ليس إلغاءً بل تطويراً للأحكام القرآنية:
ينطلق غريب من قراءة مغايرة للآية القرآنية: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾، ليرى أن النسخ ليس إلغاءً لحكم بحكم، بل هو تعبير عن حيوية الشريعة وقدرتها على التكيف مع تغير الظروف. فالأحكام، في نظره، ليست مطلقة، بل أدوات مرحلية لتنظيم حياة الناس وفق مصالحهم المتغيرة. ومن هنا، فإن النسخ يصبح دليلاً على مرونة الشريعة لا على جمودها.
2-نقد المنهج الفقهي التقليدي:
لا يتردد غريب في مساءلة التراث الفقهي، متخذًا من الإمام النيسابوري مثالًا على من تعامل مع النسخ كقضية شكلية، دون الغوص في جوهر النص. ويطرح تساؤلات عميقة حول منطقية نسخ الخط والحكم، أو الإبقاء على أحدهما دون الآخر، متسائلًا: هل الغاية من النص هي الحرف أم المعنى؟ وهل يمكن اعتبار ما قاله الفقهاء نصوصًا مقدسة لا يجوز مناقشتها؟
في هذا السياق، يستحضر مقولة الإمام محمد عبده: “هم رجال ونحن رجال”، ليؤكد أن الاجتهاد ليس حكرًا على من تخرجوا من كليات الشريعة، خاصة وأن هذه الكليات نفسها تختلف في مناهجها وتوجهاتها، بينما اعتمد المسلمون الأوائل على كفاءاتهم العقلية والنقلية دون شهادات أكاديمية.
3-الحوار والسيف: أيهما الأصل؟
ينتقل غريب إلى مناقشة إشكالية الدعوة الإسلامية بين مرحلتي الحوار والسيف، رافضًا فكرة أن تكون آية السيف قد نسخت آيات الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة. ويستدل على ذلك بأن الذين آمنوا في المرحلة المكية، حيث كانت الدعوة سلمية، هم أكثر إيمانًا وثباتًا من أولئك الذين أسلموا تحت وطأة السيف، والذين كان كثير منهم من المنافقين.
ويخلص إلى أن الحوار هو القاعدة الثابتة في الدعوة، بينما القتال أداة ظرفية، تُستخدم فقط عند الضرورة القصوى. فليس من المنطقي، في رأيه، أن نساوي بين الحوار والإكراه، أو أن نعتبر القتال قيمة ثابتة، بل هو وسيلة تُستخدم للدفاع عن القيم العليا كالمساواة والعدالة، لا أكثر.
4-الحرية والإيمان: بين الفرد والجماعة
يتوقف غريب عند مسألة حرية الإيمان داخل الأسرة الواحدة، رافضًا فكرة أن يكون الإيمان موحدًا قسرًا داخل البيت، أو أن يُمنع أحد أفراد الأسرة من اختيار معتقده بدعوى الحفاظ على وحدة الإيمان. ويعتبر أن هذا الطرح يصادر حرية الإنسان، ويحوّل الدين إلى سلطة قهرية لا تقبل التعدد والاختلاف.
5-القيم المطلقة والوسائل المتغيرة:
في ختام مداخلته، يعيد غريب ترتيب القيم، فيضع العدالة والحرية والحوار في خانة القيم الثابتة، بينما يضع القتال والإكراه في خانة الوسائل المتغيرة. ويؤكد أن استخدام القوة لا يكون مشروعًا إلا عندما تفشل وسائل الحوار، وأن الأفضلية دائمًا للحوار، لأنه الأصل في العلاقة بين البشر.
خلاصة المقال
ما يقدمه حسن خليل غريب ليس مجرد نقد للتراث، بل هو دعوة لإعادة بناء العلاقة بين النص والواقع، بين الثابت والمتغير، بين الغاية والوسيلة. إنه يطالب بإعادة الاعتبار للعقل والاجتهاد، وبأن يكون الحوار هو الأصل، لا الاستثناء، في فهم الدين وتطبيقه. وفي زمن تتعالى فيه أصوات الإقصاء والتكفير، تبدو هذه الدعوة أكثر من ضرورية، بل مصيرية.
يتبع الحلقة الثانية والأخيرة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب