دراسات
بين النص الديني المطلق والواقع المتغير-2- بقلم حسن خليل غريب
بقلم حسن خليل غريب -طليعة لبنان -

بين النص الديني المطلق والواقع المتغير -2-:
قراءة في تعقيب حسن خليل غريب على مناقشة نقدية كتبها أحد الإسلاميين لكتابه (الردة في الإسلام).
الحلقة الثانية (2/ 2)، والأخيرة
ثانياً: تفكيك البنية الفقهية:
في مداخلته الثالثة، يواصل حسن خليل غريب تفكيك البنية الفقهية التقليدية التي قامت على مبدأ الناسخ والمنسوخ، متخذًا من العلاقة بين الحوار والقتال محورًا لنقده. ويطرح تساؤلات جذرية حول مدى صلاحية هذه القواعد في عصرنا، مستندًا إلى الواقع المعاصر، وإلى روح النص القرآني، لا إلى تأويلاته المتراكمة.
1-الحوار أولًا… والقتال استثناء:
ينطلق غريب من ملاحظة لمحاوره في الحوار، الذي أقر بأن الحوار لم ينقطع حتى بعد نزول الإذن بالقتال، مستشهدًا بصلح الحديبية وغزوتي بدر والخندق. ويضيف غريب بأن هذا الإقرار بحد ذاته دليل على أن الحوار كان الخيار الأول، وأن القتال لم يكن إلا أسلوبًا مرحليًا، فرضته ظروف معينة، ثم تجاوزه الواقع.
ويذهب أبعد من ذلك، ليقول إن الحوار، بوصفه قيمة ثابتة، قد نسخ واقعيًا أسلوب القتال، لا العكس. ففي القرن الحادي والعشرين، لم يعد ممكنًا تقسيم العالم إلى مؤمنين وكفار، ولا يمكن فرض الإيمان بالقوة. ومن هنا، فإن قاعدة “آية السيف نسخت آيات الحوار” تصبح لاغية بحكم الواقع، وتفقد مشروعيتها الأخلاقية والعملية.
2-النص القرآني وسياقه التاريخي:
يذكّر غريب بأن القرآن نزل خلال 23 سنة، استجابة لوقائع محددة في بيئة جزيرة العرب. ويتساءل: هل يمكن تعميم هذه الأحكام، التي نزلت في سياق اجتماعي وسياسي واقتصادي خاص، على مجتمعات معاصرة تختلف جذريًا عن تلك البيئة؟ وهل من المنطقي تجاهل النظريات الإنسانية الحديثة التي أثبتت نجاحها، فقط لأنها ليست من صلب الشريعة الإسلامية؟
هنا، يضع غريب إصبعه على الجرح: إن الجمود في فهم النصوص، ورفض الاجتهاد، يؤدي إلى عزل الإسلام عن العصر، ويحول الدين من رسالة هداية إلى منظومة مغلقة ترفض التفاعل مع العالم.
3-من يمثل الله على الأرض؟
في معرض رده على خصمه، ينتقد غريب بشدة من يزعمون أن لهم حقًا إلهيًا في محاسبة الناس، مستندين إلى قاعدة الناسخ والمنسوخ. ويستنكر أن تُختزل الإرادة الإلهية، التي أوكلت للنبي مهمة البلاغ فقط، في أيدي فقهاء ينصّبون أنفسهم وكلاء عن الله، فيصدرون أحكام الكفر، ويستتيبون، ثم يقتلون.
ويعيد التذكير بآية: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾، ليؤكد أن الحساب شأن إلهي خالص، لا يحق لأحد أن يصادره باسم الدين.
4-القتال في النصوص… قراءة نقدية:
يرد غريب على اتهام محاورهله بالإكثار من ذكر القتل والقتال، موضحًا أن هذه العبارات وردت في سياق نقده لآراء فقهية تبرر استخدام القوة في الدعوة. ويستعرض عددًا من النصوص القرآنية والأحاديث التي استُند إليها لتبرير القتال، ثم يطرح سؤالًا جوهريًا: هل هذه النصوص تمثل قاعدة مطلقة، أم أنها جاءت في سياق دفاعي ظرفي؟
ويشير إلى أن بعض الفقهاء، من مختلف المذاهب، أفتوا بقتل المرتد دون استتابة، مستندين إلى أحاديث ونصوص، لكنه يرى أن هذا التوجه يتناقض مع روح الإسلام التي تعطي الأولوية للحوار، وتؤمن بحرية الاعتقاد.
5-القيم العليا والوسائل المتغيرة:
يعود غريب إلى تأكيد مبدئه الجوهري: أن القيم العليا كالحوار والحرية والعدالة هي الثوابت، أما القتال والإكراه فهي وسائل متغيرة، تُستخدم فقط عند الضرورة القصوى. ويؤكد أن الأفضلية دائمًا للحوار، لأنه الأصل، ولأنه يعبر عن احترام الإنسان ككائن حر عاقل.
ويختم بسؤال حاسم: إذا كان الحوار كافيًا لحل النزاعات، فلماذا نلجأ إلى القتال؟ وإذا كان القتال وسيلة، فهل يجوز أن نرفعه إلى مرتبة القيمة المطلقة؟ الجواب، في نظره، لا. لأن القيم لا تُفرض بالقوة، بل تُبنى بالحوار والاقتناع.
خلاصة المقال
في هذا الجزء، يواصل حسن خليل غريب تفكيك الأسس الفقهية التي قامت على مبدأ النسخ، ويعيد الاعتبار للحوار كقيمة مطلقة، وللحرية كحق أصيل. إنه لا يهاجم النصوص، بل يطالب بقراءتها في سياقها، وبفهمها على ضوء الواقع المتغير. وفي زمن تتجدد فيه الدعوات إلى العنف باسم الدين، تبدو دعوته إلى الحوار أكثر من ضرورية، بل هي صرخة عقل في وجه الجمود.
ثالثاً: الحوار الحقيقي والحوار المشروط:
ويتابع غريب تساؤله:
1-آية السيف… أم آية الحرية؟
ينقل غريب عن محاوره استشهاده بآراء النيسابوري وغيره من الفقهاء الذين يرون أن آيات الحوار، كـ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ و﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾، قد نُسخت بآية السيف. ويعترض غريب على هذا المنطق، معتبرًا أن الحوار والحرية قيم مطلقة لا يجوز نسخها، لأنها تمثل جوهر الرسالة الإسلامية، لا مجرد أدوات ظرفية.
ويؤكد أن القتال، في أحسن أحواله، وسيلة دفاعية مشروطة، لا يمكن أن تُرفع إلى مرتبة القيمة الثابتة. فكما لا يجوز اشتراط العدل أو الكرم أو الحرية، لا يجوز أيضًا تبرير الإكراه باسم الدين، لأن الإكراه نقيض الحرية، والحرية هي جوهر الإيمان.
2-بين الحوار الحقيقي والحوار المشروط:
ينتقد غريب ما يسميه “الحوار المشروط” الذي يتبناه بعض الفقهاء، والذي لا يهدف إلى تبادل الآراء، بل إلى إعطاء الطرف الآخر “مهلة” للتراجع عن قناعاته، وإلا فالسيف بانتظاره. ويرى أن هذا النوع من الحوار لا يرقى إلى مستوى القيمة، بل هو قناع للإكراه، وتكريس لسلطة لا تقبل النقاش.
ويؤكد أن الحوار الحقيقي هو الذي يقوم على الاعتراف المتبادل، وعلى حق كل طرف في أن يحتفظ بقناعاته، حتى لو لم يقتنع برأي الآخر. أما أن يُفرض عليه الإيمان تحت التهديد، فذلك نفي للحوار، لا تجسيد له.
3-القتال لحماية القيم… لا لفرضها:
يقر غريب بأن القتال قد يكون مشروعًا في حالات الدفاع عن القيم العليا، كرفع الظلم أو حماية المعتقد، لكنه يرفض أن يُستخدم لفرض الإيمان. فالدين، في جوهره، دعوة لا قسر، بلاغ لا إكراه. ويستشهد بآية: ﴿إِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾، ليؤكد أن الحساب شأن إلهي، لا يحق لأحد أن يصادره باسم الشريعة.
ويستنكر أن تُنصّب بعض الفتاوى الفقهية الإنسان ممثلًا لله، يحكم على الناس بالكفر، ويستتيبهم، ثم يقتلهم إن لم “يتراجعوا”. ويرى أن هذا المنطق يختزل الدين في سلطة بشرية، ويجعل من الفقهاء وكلاء على ضمائر الناس، وهو ما يتناقض مع روح الإسلام.
4-القيم الثابتة لا تُنسخ
يعود غريب إلى تأكيد قاعدته المركزية: أن القيم العليا، كالحوار والحرية، لا تُنسخ، لأنها تمثل جوهر الرسالة، بينما القتال وسيلة ظرفية، لا يمكن أن تنسخ الأصل. ويستغرب من اتهامه بتشويه صورة الإسلام، في حين أن ما يفعله هو الدفاع عن وجهه الإنساني، الرافض للإكراه، والداعي إلى الإقناع.
ويذكّر محاوره بأنه هو نفسه أقر بأن القتال كان دفاعًا عن النفس، وأن الظروف هي التي كانت تحدد استخدام السلاح. ويخلص إلى أن الفرق بينهما ليس في النتائج، بل في المنهج: فمحاوره يوازن بين الحوار والقتال، بينما يعطي غريب الغلبة للحوار، نقلًا وعقلًا، لأنه الأصل، ولأن القيم لا تُفرض بالقوة.
خلاصة المقال
في هذا الجزء، يضع حسن خليل غريب إصبعه على الجرح الفقهي العميق: هل يمكن أن يُنسخ الحوار بالسيف؟ وهل يجوز أن تُرفع الوسائل الظرفية إلى مرتبة القيم المطلقة؟ إنه لا يهاجم النصوص، بل يطالب بقراءتها في ضوء مقاصدها الكبرى، وفي سياقها التاريخي، وبما ينسجم مع كرامة الإنسان وحقه في الحرية. وفي زمن تتجدد فيه الدعوات إلى العنف باسم الدين، تبدو دعوته إلى تغليب الحوار على القتال، لا مجرد خيار فكري، بل ضرورة أخلاقية وإنسانية.
رابعاً: بين أمجاد الماضي وأسئلة الحاضر:
في خاتمة تعقيبه على مناقشة محاوره، يفتح حسن خليل غريب نافذة تأملية عميقة، تتجاوز الجدل الفقهي إلى مساءلة الخطاب الديني والتاريخي السائد، وتعيد طرح أسئلة جوهرية حول دور العرب في حمل الرسالة الإسلامية، وحول العلاقة بين الإيمان والانتصار، بين النص والواقع، وبين المجد الموروث والمأزق المعاصر.
1-هل كان الجبر قدريًا أم تاريخيًا؟
ينطلق غريب من مقولة محاوره بأن “الجبر كان للعرب لكي يتحمّلوا تبعات انتشار الإسلام”، ليرد بأن الفتوحات الإسلامية، رغم عظمتها، لم تكن ثمرة الإيمان وحده، بل ساهمت فيها عوامل مادية وتاريخية لا يمكن إنكارها: من الغنائم، إلى ضعف الدول المحيطة، إلى الصراعات الداخلية التي كانت تمزق الشعوب المفتوحة.
ويطرح سؤالًا لافتًا: إذا كان الإيمان هو العامل الحاسم في النصر، فلماذا انهارت دولة الإسلام في القرن العشرين، رغم تمسكها بالشريعة؟ ألا يدل ذلك على أن الإيمان وحده لا يكفي، وأن عوامل النهوض والانهيار أكثر تعقيدًا من مجرد الالتزام الديني؟
2-“خير أمة”… بين النص والواقع:
ينتقد غريب الخطاب الذي يكتفي بالاستشهاد بآية “كنتم خير أمة أخرجت للناس” لتبرير التفوق الأخلاقي والحضاري، دون النظر إلى الواقع المتردي. ويعتبر أن هذا الخطاب، الذي يرفض النقد ويعزو كل فشل إلى “الابتعاد عن الإسلام الصحيح”، هو خطاب تضليلي يتهرب من مواجهة الأسئلة الصعبة.
ويستحضر مثال العهد الراشدي، الذي شهد فتنًا دموية واغتيالات حتى بين الصحابة، ليتساءل: إذا كان ذلك العهد هو النموذج المثالي، فلماذا لم يسلم من الفوضى والاقتتال؟ وهل يمكن تفسير ذلك بعقاب إلهي؟ أم أن علينا أن نعيد النظر في فهمنا للتاريخ والدين معًا؟
3-دعوة إلى حوار شجاع:
في ختام تعقيبه، يعبّر غريب عن امتنانه لمحاوره، معتبرًا أن هذا الحوار أتاح له فرصة نادرة لمواجهة النصوص النقلية بوضوح وجرأة. ويشيد بسعة صدر محاوره، داعيًا إياه إلى مواصلة قراءة كتابه حتى نهايته، لأن الفصول القادمة ستكشف عن مزيد من الرؤى التي تستحق النقاش.
ويختم بنداء صادق: أن يُعمّم هذا الحوار، بكل ما فيه من نقد وتعقيب، لأنه يمثل نموذجًا نادرًا لحوار فكري ناضج، تتلاقى فيه المعرفة بالنقد، والإيمان بالعقل، والاختلاف بالاحترام.
خلاصة المقال
في هذا الجزء الأخير، يضع حسن خليل غريب النقاط على الحروف، متجاوزًا الجدل الفقهي إلى نقد الخطاب الديني السائد، الذي يختزل التاريخ في أمجاد الماضي، ويتجاهل تعقيدات الحاضر. إنه يدعو إلى قراءة جديدة للنصوص، وإلى حوار عقلاني لا يخشى الشك، ولا يقدّس التراث على حساب الواقع. وفي زمن تتعالى فيه الأصوات الأحادية، تبدو دعوته إلى النقد والحوار أكثر من ضرورية، بل هي شرط من شروط النهوض الحضاري.



