تحقيقات وتقارير

نظرة أعمق: مصر تتحرك مجدداً في الملف النووي الإيراني، فما هي أهدافها؟

نظرة أعمق: مصر تتحرك مجدداً في الملف النووي الإيراني، فما هي أهدافها؟

في الأسابيع الأخيرة، استعادت القاهرة جزءاً من دورها الدبلوماسي في واحد من أكثر الملفات حساسية في الشرق الأوسط: برنامج إيران النووي. وجاء هذا التحرّك مباشرة بعد إعلان طهران تعليق “اتفاق القاهرة” مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهو الاتفاق الذي لم يمر عليه سوى ثلاثة أشهر، وكان يُنظر إليه على أنه اختراق نادر أعاد بعض الثقة بين الطرفين.

ومع تزايد التوقعات بتصعيد إسرائيلي محتمل خلال العام 2026، وانخراط أطراف إقليمية في حسابات معقدة، تحاول مصر منع انهيار الاتصال المباشر بين إيران والوكالة، واحتواء أي توتر قد تمتد آثاره إلى الجبهتين اللبنانية والبحر الأحمر، خصوصاً بعد التراجع الكبير في إيرادات قناة السويس إثر الهجمات الحوثية على الملاحة الأمريكية والإسرائيلية.

وتشير مصادر حكومية ودبلوماسية، إلى أن مصر تتحرك على عدة مستويات، بدءاً من إدارة حوار مباشر مع الوكالة الدولية والطرف الإيراني، وصولاً إلى تنسيق عربي، خاصة مع السعودية، للضغط من أجل تهدئة أوسع، منعاً لمنح إسرائيل الذريعة التي تبحث عنها لتبرير ضربة عسكرية جديدة، قد تكون شرارة حرب ستكون كلفتها مدمرة للمنطقة.

ماذا تريد مصر من الوساطة؟

مصدر حكومي مصري مطلع قال لـ”عربي بوست” إن الاتصالات التي استؤنفت خلال الشهر الجاري “تركّز فقط على ضمان استمرار التواصل بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية”، وأوضح أن القاهرة لا تحاول التدخل في صلب الخلاف الإيراني الغربي، لكنها تتحرك باعتبار أن إيران ما زالت دولة موقعة على معاهدة حظر الانتشار النووي، وبالتالي فهي “ملزمة بالتعاون مع الوكالة”، حتى وإن علّقت اتفاق القاهرة من جانب واحد.

ويضيف المصدر أن الدبلوماسية المصرية “تبحث عن سيولة في التعامل”، بحيث لا يؤدي التوتر إلى توقف كامل في عمليات التفتيش، لأن ذلك سيخلق فراغاً يمكن لإسرائيل استغلاله سريعاً. ويؤكد أن القاهرة ترى أن إيران لم تغلق الباب تماماً، بدليل استمرار عمليات تفتيش محدودة لبعض المنشآت، وهو ما يشكل نقطة يمكن البناء عليها.

وتتضمن الإشكاليات الحالية رفض إيران السماح بدخول المفتشين إلى المنشآت التي تعرضت لضربات إسرائيلية وأمريكية في يونيو/حزيران 2025.

اجتماع سابق بين مسؤولين مصريين وإيرانيين/ رويترز
اجتماع سابق بين مسؤولين مصريين وإيرانيين/ رويترز

ويشرح المصدر أن هذا الرفض نابع من حالة “انعدام ثقة” عميقة، إذ تعتبر طهران أن دخول المفتشين في هذا التوقيت قد يؤدي إلى كشف نقاط ضعف تتعلق بالبنية التحتية النووية، وهو ما ترى أنه قد يُستغل أمنياً من خصومها. وفي المقابل، تصرّ الولايات المتحدة وإسرائيل على أن الغموض حول مصير التخصيب الذي وصل إلى نحو 60% “غير مقبول”.

لكن القاهرة، وفق مصدر “عربي بوست”، “لا تضغط على إيران لتغيير موقفها”، بل تسعى إلى إيجاد إطار عام يضمن استمرار التواصل، لأن انقطاع هذا الاتصال يجعل إسرائيل “تملك المبررات الكاملة” لتبرير أي ضربة عسكرية، وهو ما تحاول مصر تفاديه بشدة.

لماذا تخشى القاهرة الحرب بين إيران وإسرائيل؟

ترى مصر أن أي حرب إقليمية جديدة ستفاقم الضغوط على اقتصادها الذي يعاني أصلاً من تراجع حاد في عائدات قناة السويس. ويشير المصدر الحكومي إلى أن القاهرة تعمل في الوقت الراهن على استعادة الحركة الملاحية بعد خسائر قاربت 60% من الإيرادات، وأن أي تصعيد سيعطل هذه الجهود تماماً، خصوصاً إذا امتدت الحرب إلى البحر الأحمر أو استؤنفت الهجمات الحوثية.

ويُضاف إلى ذلك أن القاهرة تعي أن حرباً جديدة بين إيران وإسرائيل “لن تتوقف عند حدود الدولتين”، بل قد تمتد إلى دول الخليج، ولبنان، وحتى العراق وسوريا، بالنظر إلى امتلاك إيران لأذرع عسكرية منتشرة في المنطقة. ولذلك فإن التحرك المصري يحظى، بحسب المصدر، بـ”ثقل عربي وخليجي”، مع جهود موازية لإقناع الولايات المتحدة بعدم الذهاب نحو التصعيد قبل استنفاد المسارات الدبلوماسية.

أدوات القاهرة للتأثير في ملف برنامج إيران النووي

تستفيد القاهرة من علاقاتها الجيدة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية في ظل التعاون القائم بشأن مفاعل الضبعة النووي، فضلاً عن التحسن النسبي في العلاقات مع إيران خلال السنوات الأخيرة. ويؤكد المصدر الحكومي أن مصر “تراهن على قدرتها على فتح مساحات مشتركة”، لكنها في الوقت نفسه تدرك أنها لا تملك ضمانات من الغرب أو الولايات المتحدة بشأن خريطة التعامل مع إيران، وأن التحرك يتم في مساحة ضيقة ومعقدة للغاية.

وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية بدر عبدالعاطي اتصالاً مع رافائيل غروسي، بحث خلاله “استمرار التعاون وخفض التصعيد”. ووفق بيان الخارجية، شدد عبدالعاطي على ضرورة “تهيئة الظروف اللازمة للحلول الدبلوماسية واستئناف الحوار للتوصل إلى اتفاق شامل يأخذ في الاعتبار مصالح الجميع”.
وبعدها، تحدث عبدالعاطي مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، مؤكداً الأفكار ذاتها حول “خفض التوتر وبناء الثقة واستمرار التعاون”.

في 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، أعلنت طهران أن “اتفاق القاهرة” أصبح لاغياً بعد قرار مجلس محافظي الوكالة الذي أدان برنامج إيران النووي وطالبها بإتاحة وصول فوري للمفتشين إلى مواقع متضررة. واعتبرت إيران أن القرار “غير قانوني” ويمثل “تشويهاً خبيثاً للحقائق”. كما اتهمت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا بدفع المجلس نحو مزيد من التصعيد.

وتحمّل طهران إسرائيل والولايات المتحدة مسؤولية “الهجمات العسكرية” على منشآت نطنز وفوردو وأصفهان، معتبرة أن هذه الضربات هي السبب الفعلي وراء تعليق التعاون.

محاولات وساطة عربية واتساع رقعة التوتر

يقول مصدر دبلوماسي مصري إن العودة إلى اتفاق القاهرة “شبه مستحيلة” الآن، وإن مهمة القاهرة باتت أعقد بعد تفعيل آلية الزناد. فالموافقة على أي اتفاق جديد ستكون مرهونة بموافقة المجلس الأعلى للأمن القومي في إيران، وهو ما يجعل المسار أكثر تعقيداً. كما توجد داخل إيران أصوات رافضة لأي انفتاح واسع على الوكالة خوفاً من تعرّض مواقعها النووية لعمليات اختراق جديدة.

ويكشف المصدر الذي تحدث لـ”عربي بوست” شريطة عدم ذكر اسمه، أن مصر تتحرك بالتنسيق مع السعودية لتشكيل محور عربي يرفض أي تصعيد جديد، ويسعى للحصول على ضمانات تشجع إيران على الانخراط في مفاوضات جديدة دون خشية من ضربات عسكرية.

ويشير إلى أن طهران منفتحة على وساطة سعودية لإعادة بناء قنوات الثقة مع الولايات المتحدة، معتبرة أن الاتفاق النووي لا يمكن أن يعود دون مظلة إقليمية. وترى مصر أن إشعال حرب جديدة سيخلق حالة عدم استقرار تمتد لسنوات، وأن أي مواجهة بين إيران وإسرائيل ستكون لها تبعات مباشرة على أمن الخليج، وعلى حركة الملاحة في المنطقة، وعلى أدوار الدول العربية التي تحاول احتواء الأزمات المتصاعدة.

برنامج إيران النووي يثير قلق إسرائيل وحليفتها واشنطن/ عربي بوست
برنامج إيران النووي يثير قلق إسرائيل وحليفتها واشنطن/ عربي بوست

أكبر اختراق خلال عامين.. ثم انهيار سريع

وقّع عراقجي وغروسي في التاسع من سبتمبر/أيلول 2025 اتفاق القاهرة الذي سمح بإعادة إطلاق عمليات التفتيش على بعض المنشآت النووية. واعتبرته مصادر دبلوماسية “أهم تقدم” منذ أكثر من عامين.

لكن بعد شهرين فقط، أصدر مجلس المحافظين قراراً جديداً تطالب فيه الوكالة إيران بإتاحة الوصول الكامل للمواقع، ما أدى إلى تعليق الاتفاق ودخول العلاقة في مرحلة توتر حاد.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2025، قالت الخارجية المصرية إن عبدالعاطي ناقش الملف مع عراقجي وغروسي في “إطار الجهود المصرية المستمرة لخفض التصعيد”.

وقال المتحدث باسم منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، بهروز كمالوندي، إن اتفاق الضمانات النووية “لا يراعي ظروف الحرب” ويجب تحديثه لحماية الأمن القومي. وأكد لوكالة الأنباء الإيرانية “إرنا” أن الاتفاق صُمم لظروف طبيعية، ولا يوفّر آليات للتعامل مع المنشآت التي تتعرض لهجمات.

وقال: “عندما تتعرض دولة لهجوم، لا يمكن توقع أن تسمح فوراً بدخول المفتشين، لأن ذلك قد يعني تسليم معلومات حساسة إلى أعدائها”. وأشار إلى أن إيران ستواصل التعاون مع الوكالة في المواقع غير المتضررة، بينما تحتاج المواقع المستهدفة إلى “فهم قانوني جديد” وفقاً للمواد 20–22 من نظام الضمانات.

إسرائيل تترقب.. وإيران تلوّح بتطوير قدراتها

يقول خبير في الشأن الإيراني إن الخلاف الراهن يرتبط بجوهر الاتفاق نفسه، إذ إن إيران قبلت مراقبة مواقع محددة، لكنها ترفض التفتيش الكامل. ويصف المرحلة الحالية بأنها “جس نبض” بين إيران وإسرائيل؛ فطهران تؤكد أنها تمضي في بناء قدراتها النووية، بينما تتردد إسرائيل في كيفية الرد، خصوصاً إذا استأنفت إيران تطوير برنامجها الصاروخي.

وبحسب الخبير، تعمل إيران على تطوير دفاعاتها الجوية، وتحصين مواقعها النووية، تحسباً لأي ضربة مستقبلية. ويشير إلى أن غياب أي تحرك واضح من إدارة ترامب لإبرام اتفاق جديد يفتح المجال أمام تحركات عربية، بينها الجهد المصري، لمحاولة إبقاء المسار الدبلوماسي حيّاً.

ويرى المصدر ذاته أن عام 2026 قد يكون عاماً حاسماً، إذ تتوقع تقارير إسرائيلية ضربة قريبة، لكنها غير معروفة: هل ستكون ضربة محدودة لفرض توازن، أم بداية حرب طويلة؟

وتظهر بوادر التصعيد من خلال تسريع واشنطن تسليم صواريخ خارقة للتحصينات لإسرائيل، وتزايد الضغوط على لبنان لنزع سلاح حزب الله، والإجراءات الأمنية في مضيق هرمز، بالإضافة إلى مشاورات أوروبية ـ أطلسية بشأن خطة لإعادة المفتشين إلى إيران.

الخلاصة: تحرك مصري محدود لكنه ضروري

رغم إدراك القاهرة أن قدرتها على التأثير في الملف النووي الإيراني محدودة، فإنها ترى أن تحركها الحالي ضروري لتفويت الفرصة على أي تصعيد إسرائيلي، ولمنع انهيار قنوات التواصل التي قد تقود المنطقة نحو أسوأ السيناريوهات.

وبين ضغوط اقتصادية محلية، وتهديدات إقليمية متصاعدة، تسعى مصر إلى دور يُبقي المنطقة على حافة التوتر ـ لا داخل لهيبه.

عربي بوست

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب