بيان سعودي تركي مشترك يرسم مسارات تعاون سياسي واقتصادي وأمني في بيئة إقليمية متحولة

بيان سعودي تركي مشترك يرسم مسارات تعاون سياسي واقتصادي وأمني في بيئة إقليمية متحولة
خالد الطوالبة
صدر بيان مشترك في ختام زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى المملكة العربية السعودية، محددًا أطرًا واسعة للتعاون الثنائي، ومقاربًا جملة من القضايا الإقليمية والدولية في سياق سياسي يتسم بتعقيدات أمنية وتحولات استراتيجية متسارعة.
أكد البيان أهمية البناء على نتائج الزيارات المتبادلة خلال الأعوام الماضية، معتبرًا أنها أسهمت في إعادة تنشيط قنوات الحوار وتوسيع مجالات العمل المشترك.
وربط الجانبان هذا المسار بالحاجة إلى استقرار العلاقات الإقليمية، في ظل تزايد التحديات الأمنية والاقتصادية على المستويين الإقليمي والدولي.
أكد البيان أهمية البناء على نتائج الزيارات المتبادلة خلال الأعوام الماضية، معتبرًا أنها أسهمت في إعادة تنشيط قنوات الحوار وتوسيع مجالات العمل المشترك
وسلط الضوء على البعد الاقتصادي بوصفه أحد محركات العلاقات الثنائية، حيث جرى التأكيد على متانة الروابط التجارية والاستثمارية، والدعوة إلى رفع حجم التبادل التجاري غير النفطي.
وأبرز التوافق على الاستفادة من الفرص التي تتيحها رؤية السعودية 2030 ورؤية قرن تركيا، بما يعزز التكامل بين الاقتصادين ويشجع القطاع الخاص على توسيع حضوره في الأسواق المتبادلة.
تناول البيان ملف الاستثمارات المتبادلة، مشيرًا إلى تنوعها في قطاعات المال والطاقة المتجددة والعقار والصناعة والخدمات.
وأبرز دور الشركات التركية العاملة في المملكة، خاصة في مجالات الهندسة والبناء والتطوير العقاري، مقابل استثمارات سعودية قائمة داخل تركيا. وربط الجانبان هذا التوجه بمشاريع البنية التحتية الكبرى المخطط تنفيذها خلال المرحلة المقبلة.
وأشار إلى نتائج المنتدى الاستثماري السعودي التركي المنعقد في الرياض، معتبرًا أنه وفر منصة لعرض الفرص الاستثمارية وتبادل الخبرات في قطاعات متعددة، من بينها السياحة والاتصالات وتقنية المعلومات والرعاية الصحية.
وتطرق البيان إلى ملف الطاقة باعتباره عنصرًا محوريًا في العلاقات الثنائية، حيث أكد الجانبان دورهما في دعم استقرار أسواق الطاقة الإقليمية والعالمية.
وتناول مجالات التعاون في توريد النفط والبتروكيماويات، إلى جانب فرص الاستثمار في الصناعات المرتبطة بالطاقة، مع تركيز متزايد على الكهرباء والطاقة المتجددة وتقنيات التخزين وأمن الشبكات.
ورحب الجانبان ببحث التعاون في مجال الهيدروجين النظيف وتطوير سلاسل الإمداد المرتبطة به، مع الإشارة إلى أهمية تبادل الخبرات التقنية وتعزيز مرونة الإمدادات. وامتد هذا التعاون إلى قطاع التعدين والمعادن الحرجة، في ظل الطلب العالمي المتزايد المرتبط بتحولات الطاقة.
وعالج البيان قضايا التغير المناخي من منظور الالتزام بالاتفاقيات الدولية، مع تأكيد أهمية التركيز على إدارة الانبعاثات. وتوقف عند استضافة تركيا لمؤتمر الأطراف الحادي والثلاثين للمناخ، مع الإشارة إلى أهمية التعاون في تطبيقات الاقتصاد الدائري للكربون كأداة لتحقيق أهداف المناخ.
وأبرز دور مجلس التنسيق السعودي التركي في تنظيم مسارات التعاون، محددًا قائمة واسعة من المجالات المستقبلية، شملت الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والنقل واللوجستيات والقضاء والثقافة والسياحة والرياضة والتعليم والإعلام والصحة والصناعات العسكرية.
تناول البيان الجوانب الدفاعية والأمنية، مؤكدًا تفعيل الاتفاقيات الموقعة وتعزيز التعاون الأمني ومكافحة الإرهاب والجرائم العابرة للحدود، إضافة إلى التعاون في الأمن السيبراني. وربط هذا المسار بهدف دعم الاستقرار الإقليمي من خلال أدوات ثنائية ومتعددة الأطراف.
انتقل بعد ذلك إلى القضايا الدولية، مجددًا التزام الجانبين بالتنسيق من أجل صون السلم والأمن الدوليين. وتناول تطورات القضية الفلسطينية، مع التعبير عن قلق إزاء الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة، والدعوة إلى تثبيت وقف إطلاق النار وفتح المعابر وضمان حماية المدنيين، ضمن إطار القانون الدولي.
تطرق البيان إلى ملفات إقليمية أخرى، شملت اليمن والصومال والسودان وسوريا، حيث عكس مواقف داعمة لوحدة الدول المعنية وسيادتها، مع التركيز على الحلول السياسية ووقف النزاعات وتسهيل العمل الإنساني.
كما تناول الأزمة الروسية الأوكرانية من زاوية دعم التسوية التفاوضية.
اختتم البيان بالإشارة إلى توقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم في مجالات متعددة خلال الزيارة، مع التأكيد على استمرار التواصل السياسي رفيع المستوى.
وفي وقت سابق، أكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان استعداد أنقرة للاضطلاع بدور وساطة بين إيران والولايات المتحدة بهدف خفض مستويات التوتر، محذرا من خطوات قد تدفع المنطقة نحو مواجهة عسكرية شاملة.
واعتبر أن العلاقات التركية السعودية تمثل ركيزة استراتيجية للسلام والاستقرار والازدهار في الشرق الأوسط، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى مقاربات جماعية لمعالجة الأزمات المتشابكة.
دعا أردوغان إلى تأسيس آليات أمنية إقليمية قادرة على استباق الأزمات قبل تحولها إلى صراعات مفتوحة، كاشفا أن مباحثاته في الرياض تركز على توسيع نطاق التشاور السياسي في ملفات غزة وسوريا، إلى جانب تطوير العلاقات الثنائية عبر خطوات عملية تشمل الاقتصاد والاستثمار والصناعات الدفاعية.
وأشار إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب تعاونا قائما على الثقة المتبادلة وتعزيز القدرات التقنية والإنتاجية.
تناولت تصريحات الرئيس التركي ملف غزة باعتباره اختبارا حاسما لجدية المجتمع الدولي في حماية المدنيين وترسيخ وقف إطلاق النار
تناولت تصريحات الرئيس التركي ملف غزة باعتباره اختبارا حاسما لجدية المجتمع الدولي في حماية المدنيين وترسيخ وقف إطلاق النار.
وشدد على أولوية تثبيت الهدنة بصورة دائمة، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية دون عوائق، وبدء مسار إعادة الإعمار بشكل عاجل، معتبرا أن هشاشة الوضع الميداني تعرقل الانتقال إلى مراحل سياسية لاحقة.
ربط أردوغان نجاح أي خطة سلام بوجود إطار متكامل يجمع بين البعدين الأمني والإنساني، مؤكدا أن إعادة بناء الثقة على الأرض تشكل شرطا أساسيا لتحقيق تقدم فعلي.
وأوضح أن انسحاب القوات الإسرائيلية التدريجي من غزة، وفقا لقرار مجلس الأمن 2803، يمثل جزءا محوريا من هذا المسار.
انتقل الخطاب التركي إلى الملف الإيراني، حيث شدد أردوغان على رفض أي تدخل عسكري خارجي ضد طهران، مؤكدا متابعة التطورات عن كثب واعتبار استقرار إيران عنصرا أساسيا في استقرار المنطقة.
وأعلن استعداد بلاده للوساطة بين واشنطن وطهران، ضمن رؤية تقوم على الحوار والدبلوماسية ومنع نشوب الحرب.
وسّع أردوغان دائرة المقاربة الإقليمية لتشمل التنسيق مع السعودية وباكستان، موضحا أن الهدف يتمثل في بناء أرضية تعاون قائمة على المسؤولية المشتركة، بعيدا عن منطق التكتلات.
واعتبر أن إنشاء آليات أمنية إقليمية يشكل أداة فعالة لمنع الأزمات بدل إدارتها بعد اندلاعها.
تطرقت المقابلة إلى سوريا، حيث أكد الرئيس التركي دعم وحدة الأراضي السورية وتعزيز سلطة الدولة، مع الدفع نحو مصالحة مجتمعية شاملة تضمن استقرارا مستداما.
وربط تحقيق السلام الدائم بقدرة السوريين على صياغة مستقبلهم ضمن إطار وطني جامع.
امتد الحديث إلى السودان، مع تأكيد أنقرة دعم الجهود الدبلوماسية الرامية إلى إنهاء الحرب، وتثمين التعاون مع السعودية ومصر لاحتواء الأزمة.
وأشار أردوغان إلى استمرار المساعدات الإنسانية التركية، ودعم مشاريع إعادة الإعمار، في سياق مقاربة تركز على الاستقرار طويل الأمد.
في هذا السياق، رأى الكاتب والمحلل السياسي السعودي علي الحارثي في حديث لـ “القدس العربي” أن التحركات التركية تعكس إدراكا متقدما لتحولات النظام الإقليمي.
وقال الحارثي إن المنطقة تدخل مرحلة إعادة تشكيل توازنات، حيث تبرز أدوار الوساطة الإقليمية كبديل عن التدخلات العسكرية، مضيفا أن التقارب التركي السعودي يوفر مظلة سياسية قادرة على تخفيف حدة الاستقطاب.
وأوضح الحارثي أن “ملف الوساطة بين إيران والولايات المتحدة يشكل اختبارا لفاعلية الدبلوماسية الإقليمية، مشيرا إلى أن نجاح هذه الجهود يتطلب تنسيقا واسعا مع قوى عربية مركزية، وفي مقدمتها الرياض”.
واعتبر أن التركيز على غزة وسوريا والسودان ضمن حزمة واحدة يعكس فهما مترابطا لطبيعة الأزمات، حيث تؤثر كل ساحة في الأخرى.
وحذر المحلل السعودي من أن استمرار غياب آليات أمنية إقليمية سيبقي المنطقة رهينة ردود الفعل، مؤكدا أن المبادرات الحالية تمثل فرصة لإرساء قواعد جديدة لإدارة الخلافات عبر الحوار.
وأضاف أن الرهان الحقيقي يكمن في تحويل التصريحات السياسية إلى خطوات تنفيذية ملموسة تلامس الواقع الميداني.
تعكس هذه التطورات مشهدا إقليميا يتجه نحو تكثيف الدبلوماسية الوقائية، وسط إدراك متزايد بأن كلفة الصراعات المفتوحة باتت أعلى من قدرة دول المنطقة على الاحتمال، وأن الاستثمار في التهدئة والتعاون يشكل المسار الأكثر واقعية للحفاظ على الاستقرار.
“القدس العربي”:




