تحقيقات وتقارير

من هاجم القوات الأمريكية والسورية في تدمر… ذئب منفرد أم تنظيم «الدولة الإسلامية»؟

من هاجم القوات الأمريكية والسورية في تدمر… ذئب منفرد أم تنظيم «الدولة الإسلامية»؟

منهل باريش

قد يسرع هجوم تدمر التوصل إلى اتفاق بين الأكراد ودمشق، ما سيشكل تحالفا قويا لـ«محاربة داعش»، فالتنظيم استغل الحرية التي أتاحها تغيير السلطة للخروج من ملاذه بهدف زعزعة الاستقرار.

في 26 آب/أغسطس 2021، وقبيل انتهاء مهمة الانسحاب الأمريكي من أفغانستان بأربعة أيام فقط، شن تنظيم «الدولة الإسلامية» في خراسان هجوما انتحاريا مدويا على مطار حامد كرزاي الدولي في كابول. أسفر الهجوم عن مقتل 13 عسكريا أمريكيا، ونحو 170 مدنيا أفغانيا، معظمهم كانوا يتجمعون عند بوابة آبي، بحثا عن فرصة للإجلاء وسط الفوضى التي أعقبت سقوط الحكومة الأفغانية في يد حركة طالبان.
كان هؤلاء الجنود الـ13 آخر القتلى الأمريكيين في تلك الحرب الطويلة التي امتدت لعشرين عاما، وبدأت كرد فعل على هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001، وانتهت بانسحاب مذل للقوات الأمريكية، تاركة خلفها ترسانة عسكرية تقدر بنحو 85 مليار دولار، وجيشا أفغانيا دربته واشنطن وأنفقت عليه مئات المليارات، لكنه انهار كقصر من ورق أمام تقدم طالبان.
في تلك اللحظات، شهد العالم مشاهد مأساوية لأشخاص يتعلقون بعجلات طائرات الشحن «سي-17» ويسقطون من السماء. لم يغير الهجوم خطط الانسحاب، بل دفع إلى تسريع الإجلاء تحت حراسة مشددة، مع تعزيز الإجراءات الأمنية لإكمال المهمة قبل 31 آب/أغسطس.
في سياق مشابه يحمل مفارقات عميقة، تعرض تجمع أمريكي-سوري مؤقت لهجوم في فرع الأمن الداخلي بمدينة تدمر الصحراوية في 13 كانون الأول/ديسمبر الجاري. أدى إلى مقتل جنديين أمريكيين، ومترجم أمريكي من أصول عراقية يعمل لدى وزارة الدفاع الأمريكية، بالإضافة إلى إصابة ثلاثة آخرين.
نفذ الهجوم مسلح واحد، وأعلنت القيادة المركزية الأمريكية «سنتكوم» أنه ينتمي إلى تنظيم «الدولة الإسلامية».
تشكل الحادثتان مفارقة كبيرة. فهجوم تنظيم «خراسان» جاء في لحظة الانسحاب الأمريكي بعد عشرين عاما من الحرب؛ ولم يشنه أعداء الحرب التقليديون، بل وقع بينما كانت البلاد تسلم، بما فيها من بشر وحجر، إلى حركة طالبان.
أما في هجوم تدمر، فتتكرر بعض العناصر بصورة مختلفة: فأعداء الأمس أصبحوا يحكمون البلد، وتحولوا إلى جزء من معادلة «مكافحة التنظيم». ورغم أن الشقاق بدأ باكرا قبل 12 عاما وتوسع ليصبح حربا لا هوادة فيها، فإن المدهش أن القيادة السورية ستعمل بشكل رسمي ضمن صفوف «التحالف الدولي لمحاربة داعش»، حسب ما أعلن المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا توماس براك، وحسب ما صرحت القيادة المركزية الأمريكية حول بدء العمليات المشتركة بينها وبين القوات الحكومية السورية.
وبخلاف ما يعتقد كثيرون، لن يغير هجوم تدمر خطة الرئيس دونالد ترامب لدعم الحكومة السورية الانتقالية. تجلى هذا الدعم في نعي ترامب للقتلى الأمريكيين، وتأكيده أن الإدارة السورية هي «أفضل الشركاء المحليين» لقتال التنظيم، رغم النخر الكبير في صفوف القوات الأمنية والعسكرية السورية من قبل العناصر المتشددة عموما، وليس «الدولة الإسلامية» وحدها.
وترامب، المعروف بعدم التراجع عن مصالحه، يدرك التحديات في صفوف شريكه السوري، لكنه لا يرغب في التخلي عنه إلا إذا كانت الكلفة كبيرة وغير محسوبة، أو إذا حدثت مفاجآت تتطاير شرارتها إلى الإقليم ودول الجوار، مثل تركيا والعراق وإسرائيل.
وفي رد على هجوم تدمر، أطلقت القيادة المركزية الأمريكية «سنتكوم» عملية عين الصقر، ليل السبت، ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» في سوريا.
استهدفت قوات القيادة المركزية الأمريكية أكثر من 70 هدفاً في مواقع متعددة في أنحاء وسط سوريا باستخدام طائرات مقاتلة ومروحيات هجومية ومدفعية. حسب بيان القيادة التي نشر بالتزامن مع بدء العملية. وأضاف البيان أن القوات المسلحة الأردنية قدمت الدعم بطائرات مقاتلة. وزاد أن الهجوم جرى بالذخائر الدقيقة التي استهدفت «مواقع البنية التحتية ومخازن الأسلحة التابعة لتنظيم داعش».
وفي تفاصيل حادثة تدمر، أعلنت القيادة المركزية تعرض أفراد من الخدمة العسكرية الأمريكية إلى كمين في سوريا من قبل مسلح ينتمي إلى تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام»، بعد ساعات قليلة من الهجوم الذي وقع ظهر يوم 13 كانون الأول/ديسمبر الجاري.
وفي بيان رسمي، أكدت مقتل جنديين ومدني أمريكي، وإصابة ثلاثة آخرين، إضافة إلى مقتل المسلح.
وتعد هذه الحادثة الثانية من نوعها منذ عام 2019، حين فجر انتحاري نفسه في مطعم «قصر الأمراء» وسط مدينة منبج، ما أدى إلى مقتل أربعة أمريكيين؛ ثلاثة منهم ينتمون إلى وزارة الدفاع، والرابع يعمل في شركة خدمات متعاقدة مع الوزارة.
من جهة أخرى، أفادت وزارة الداخلية السورية في بيان رسمي أن مواجهة تنظيم «الدولة الإسلامية» ما تزال «أولوية قصوى» ضمن خطة الدولة لضبط الأمن وحماية المجتمع. وأكدت الوزارة استمرار العمل بالتعاون مع جهاز الاستخبارات العامة ووزارة الدفاع، ومع «الشركاء الدوليين» حيث يلزم، في إطار تعزيز السلم الأهلي وبناء دولة العدالة والقانون.
وأوضحت الداخلية أن الهجوم وقع أثناء اجتماع ضم مسؤولين من «قيادة الأمن في البادية» مع وفد من قوات التحالف الدولي، لبحث آليات مكافحة التنظيم. وأضافت أن «شخصا تابعا لتنظيم «داعش» تسلل إلى موقع الاجتماع وأطلق النار على القوات المشتركة السورية-الأمريكية.
وأدانت الوزارة الهجوم «واستنكرته بشدة»، معتبرة أنه يستهدف «زعزعة الأمن والاستقرار وتقويض الجهود المشتركة في مكافحة الإرهاب». واختتم البيان بتقديم التعازي لأسر الضحايا وتمنى الشفاء العاجل للمصابين.
وفي وقت لاحق، نقلت وكالة «سانا» أن وزير الداخلية أنس خطاب عقد اجتماعا أمنيا رفيع المستوى لتقييم الوضع الأمني في تدمر في أعقاب الهجوم. وضم الاجتماع العميد سفيان محمد الشيخ صالح، رئيس الأمن في المنطقة الصحراوية، ومسؤولين آخرين، وركز على تقدير التهديدات وضمان سلامة المدنيين.
أما عن هوية المهاجم، فقد نفى بيان الداخلية السورية مقتل أي من عناصر الأمن السوريين، واكتفى بالقول إن عنصرين أصيبا بجروح. وحسب معلومات «القدس العربي»، فإن العنصرين أسعفا إلى مستشفى مدينة تدمر الذي أعيد ترميمه وتشغيله مؤخرا، وقدم لهما الفريق الطبي الإسعافات الأولية.
بالمقابل، نعت حسابات من بلدة الخشير وأبو الظهور بريف إدلب الشرقي، وأخرى من عشيرة البوعيسى، مقتل طارق الحمد في فرع الأمن الداخلي في البادية، وأشارت إلى أن أحد ضحايا الهجوم الذي شنه المهاجم المنتمي إلى تنظيم «الدولة الإسلامية».
غير أن مصدرا سوريا أكد لـ«القدس العربي» أن المهاجم ينتمي فعلا لقوات الأمن الداخلي في فرع البادية، وأشار إلى أن العنصر كان سابقا في تنظيم «حراس الدين» الموالي لتنظيم القاعدة، وكان معتقلا في سجون هيئة «تحرير الشام» في إدلب.
وهو ما أكده الباحث سلطان الكنج على حسابه على منصة «إكس»، إذ أشار إلى أنه سجن مدة ثلاث سنوات بتهمة الاحتطاب. ولفت الكنج إلى أن الحمد انتسب إلى جبهة النصرة وعمل معها عدة سنوات، والتحق بجهاز الأمن العام في طرطوس قبل أن ينتقل إلى فرع تدمر.
عدم انتماء الحمد إلى «الدولة الإسلامية» مسألة محتملة، وما يثير التساؤلات حولها أن التنظيم خلال الأسبوعين الأخيرين تبنى ثلاث عمليات ضد القوات الحكومية بعد أقل من 24 ساعة على تنفيذها في سراقب ومعرة النعمان والزربة على طريق حلب–دمشق المعروف بـ«M5»، فيما أحجم عن تبني عملية تدمر.
وهو ما يرجح أن يدرج المهاجم تحت مسمى «الذئاب المنفردة» التي تشبعت بافكار السلفية الجهادية، حيث تنقل بين تنظيماتها والتحق بأخر نسخها «حراس الدين» الموالي لتنظيم القاعدة العالمي، ومن غير المستغرب ان لا يملك المهاجم سلسلة قيادة أو تابعية تنظيمية، مجرد شاب تربى ونشأ على الرغبة بقتال «الأمريكان»، وتفاجئ بهم أمام عينيه.
وفي سياق محاربة تنظيم «الدولة»، قالت القيادة المركزية الأمريكية إن القوات الأمريكية والقوات الشريكة في سوريا نفذت نحو 80 عملية منذ تموز/يوليو الماضي «للقضاء على عناصر إرهابية»، بينها بقايا تنظيم «الدولة الإسلامية»، معتبرة أن هذه العمليات تأتي في إطار حماية الولايات المتحدة ومصالحها في الخارج.
وأضافت أن تنظيم «الدولة الإسلامية» ألهم «ما لا يقل عن 11 مخططا أو هجوما» استهدف أهدافا داخل الولايات المتحدة خلال العام الماضي. وتابع البيان أن عمليات القيادة المركزية خلال الأشهر الستة الماضية أدت إلى «احتجاز 119 إرهابيا» و«مقتل 14»، بما عطل مساعي التنظيم لإعادة ترتيب صفوفه والتحريض على هجمات عالميا.
وفي التطورات ذات الصلة، أفاد البيان بأن عسكريين أمريكيين من قوة المهام المشتركة – عملية «العزم الصلب» – تعاونوا الشهر الماضي مع وزارة الداخلية السورية في تحديد مواقع «أكثر من 15 موقعا» قال إنها تضم مخابئ أسلحة لتنظيم «الدولة الإسلامية» في جنوب سوريا. وحسب البيان، أسفرت العملية عن تدمير «أكثر من 130 قذيفة هاون وصاروخا»، إلى جانب بنادق ورشاشات وألغام مضادة للدبابات ومواد تستخدم في تصنيع عبوات ناسفة بدائية. كذلك أشار البيان إلى غارة نفذت في تموز/يوليو في مدينة الباب بريف حلب، قال إنها أسفرت عن مقتل «قيادي بارز» في تنظيم «الدولة الإسلامية» يدعى ضياء زوبة مصلح الهرداني، واثنين من أبنائه البالغين المرتبطين بالتنظيم.
ونقل البيان عن الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأمريكية، قوله إن استهداف هؤلاء «يجعل أمريكا والمنطقة أكثر أمنا»، مؤكدا استمرار العمل «عن كثب» مع شركاء سوريين لملاحقة شبكات تنظيم «الدولة الإسلامية» ومنع عودته. هذا الهجوم يسلط الضوء على ضعف القدرة الاستخباراتية للحكومة السورية الجديدة؛ إذ إن قدرة التنظيم على الاختراق، ووجود عناصر له ترافق وفدا للتحالف الدولي، أمر يثير تساؤلات حول مدى السيطرة على المؤسسات الأمنية.
ومع ذلك، قد يسرع هجوم تدمر التوصل إلى اتفاق بين الأكراد ودمشق، ما سيشكل تحالفا قويا لـ«محاربة داعش»، كما نقلت وكالة فرانس برس عن دبلوماسي غربي في دمشق ومصدر أمني أوروبي. فالتنظيم استغل الحرية التي أتاحها تغيير السلطة للخروج من ملاذه الصحراوي بهدف زعزعة استقرار الحكومة.
وفي الوقت نفسه، أكدت مصادر سورية وجود حالة استنفار أمني وعسكري لمنع الاختراقات، ورجح باحثون توجه واشنطن لدعم دمشق لوجستيا في مواجهة التنظيم، مع استبعاد تأثير الهجوم على العلاقات الأمريكية-السورية. في النهاية، يبقى السؤال: هل ستغير مثل هذه الهجمات استراتيجيات واشنطن في المنطقة؟ يبدو أن التعاون مع الحكومة الانتقالية هو الخيار الوحيد لمواجهة «شبح داعش» العائد من رمال الصحراء. ومع استمرار العمليات المشتركة، قد تكون تدمر بداية لتحالف أوسع، أو تحذيرا من فوضى جديدة تهدد الاستقرار الإقليمي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب