مقالات

غزة بين الإعمار ونزع المقاومة: جوهر المخطط الأميركي–الإسرائيلي

غزة بين الإعمار ونزع المقاومة: جوهر المخطط الأميركي–الإسرائيلي

عوض عبد الفتاح

تدرك إسرائيل، ومعها الإمبراطورية الأميركية، أن قطاع غزة، رغم ضيق مساحته، يشكّل عقدة استراتيجية في مخطط إعادة رسم خريطة المنطقة مجددًا، تحت النفوذ الإمبريالي…

لم يعد خافيًا أن مسألة نزع سلاح حركة المقاومة الفلسطينية في غزة، وفق خطة ترامب–نتنياهو، تتجاوز المسألة التقنية أو الأمنية، إلى ما هو أبعد من ذلك. إنها مسألة تتعلق بمتطلبات وشروط ترسيخ المشروع الكولونيالي وإزالة آخر العقبات أمامه، كما يتخيل التحالف، الذي يرى فيما آلت إليه حرب الإبادة من نتائج فرصة لن تتكرر.

لم يكن لقاء ترامب–نتنياهو، في البيت الأبيض هذا الأسبوع، حدثًا عابرًا في روزنامة السياسة الدولية، بل أعاد تسليط الضوء على الرؤية الاستراتيجية التي تحكم مقاربة الولايات المتحدة وإسرائيل تجاه غزة، بل وتجاه القضية الفلسطينية، والمنطقة برمتها. فرغم التباينات الظاهرة في أسلوب الخطاب، وفي تقدير المصالح التكتيكية لكل طرف، فإن هذا اللقاء أعاد التأكيد على جوهر التحالف القائم بينهما: تحالف هيمنة رأس المال الذي يسعى إلى حسم الصراع بما يضمن سلامة واستمرار المشروع الكولونيالي الاستيطاني، لا إلى تفكيكه أو إنهائه.

في قلب هذه الرؤية تقف فكرة واحدة ثابتة: تجريد الشعب الفلسطيني، بل الشعوب العربية، من أي وسيلة مقاومة، عسكرية كانت أم شعبية أم سياسية، باعتبار أن المقاومة، في نظر هذا التحالف، هي العقبة الأساسية أمام “الاستقرار” المنشود. غير أن هذا الاستقرار لا يُعرّف بوصفه سلامًا قائمًا على العدالة والحقوق، بل بوصفه حالة خضوع طويلة الأمد، يتكيّف فيها الفلسطيني مع واقع الاستعمار، ويتنازل تدريجيًا عن حقه في التحرر والحرية في وطنه.

من هنا، لا يمكن فهم الحديث المكثف عن “إعادة إعمار غزة” خارج هذا السياق. فالإعمار المطروح ليس مشروعًا إنسانيًا مستقلًا، ولا تعبيرًا عن اعتراف بالمسؤولية عمّا لحق بالقطاع من دمار ومحو، بل أداة سياسية واقتصادية مشروطة، يُراد منها إعادة هندسة المجتمع الغزّي، وربط حقه في الحياة والبقاء بنزع المقاومة وكسر الإرادة الجماعية. الهدف ليس بناء البيوت فقط، بل إعادة تشكيل الوعي، وكيّ الذاكرة، وتحويل الحصار والدمار إلى درس رادع دائم.

تدرك إسرائيل، ومعها الإمبراطورية الأميركية، أن قطاع غزة، رغم ضيق مساحته، يشكّل عقدة استراتيجية في مخطط إعادة رسم خريطة المنطقة مجددًا، تحت النفوذ الإمبريالي؛ إذ إن هذا الجزء الصغير من فلسطين، الذي تسكنه غالبية من اللاجئين المطرودين، الذين يحملون ذاكرة النكبة وحلم العودة، يجعل منه بؤرة دائمة للرفض والمواجهة. وقد أثبتت العقود الماضية أن سياسات الحصار والإفقار والتجويع لم تنتج استسلامًا، بل راكمت غضبًا تاريخيًا، وثورة كامنة تتجدد بأشكال مختلفة. لذلك، يسعى المخطط الحالي إلى ما عجزت عنه القوة العسكرية وحدها: تفكيك البيئة الاجتماعية والنفسية الحاضنة للمقاومة.

غير أن ما يكشف زيف خطاب “السلام” و”الاستقرار” وزيف التبريرات لتنفيذ حرب إبادة في غزة هو ما يجري بالتوازي في الضفة الغربية. فبينما تُناقش ترتيبات غزة، يمضي المشروع الاستيطاني بوتيرة متسارعة، عبر عنف منظم تشارك فيه المؤسسة العسكرية الصهيونية والمستوطنون، ويستهدف الأرض والإنسان معًا. هذا التناقض ليس عرضيًا، بل يعكس وحدة المشروع: نزع المقاومة في غزة، وتصفية ما تبقى من الأرض في الضفة، في مسار واحد يهدف إلى حسم الصراع بالقوة.

يقوم التحالف الأميركي–الإسرائيلي الإمبريالي على افتراض مركزي مفاده أن الزمن، مقرونًا بالقوة والضغط الاقتصادي، قادر على محو الحقوق الوطنية للشعوب، وتأصيل السردية الصهيونية. ويقوم هذا الافتراض على وهم تاريخي خطير: أن الذاكرة يمكن شطبها، وأن الأجيال الجديدة ستتكيف مع واقع الاستعمار بوصفه قدرًا نهائيًا. غير أن التجربة الفلسطينية، كما تجارب شعوب أخرى خاضت نضالات تحرر طويلة، تؤكد أن القمع قد يُضعف، وقد يُرهق، وقد يفرض تراجعات مؤلمة، وقد يسقط فئة من الشعب في براثن التنازلات المهينة، لكنه لا ينتج الاستسلام.

الدليل على ذلك لا يكمن فقط في الخطاب السياسي، بل في المزاج الشعبي نفسه. فاستطلاعات الرأي التي أُجريت بعد وقف إطلاق النار أظهرت أن غالبية الفلسطينيين ترفض نزع سلاح المقاومة، ليس لأنهم يقدّسون السلاح، بل لأنهم فقدوا الثقة بأي وعود إسرائيلية أو دولية. وهذه الثقة لم تُفقد عبثًا، بل نتيجة تجربة تاريخية طويلة أثبتت أن إسرائيل لا تحترم التزاماتها، وأنها واجهت حتى أشكال النضال الشعبي السلمي بأقصى درجات العنف والقمع.

الجديد في المرحلة الراهنة، والذي أشار إليه لقاء ترامب–نتنياهو بشكل غير مباشر، هو تصدّع الإجماع الأميركي الداخلي حول الدعم غير المشروط لإسرائيل. فداخل التيار الترامبي نفسه، وتحديدًا في قاعدة “ماغا”، يتصاعد نقاش حول كلفة الارتهان للمصالح الإسرائيلية، وحول ما إذا كانت هذه العلاقة تخدم المصالح الأميركية أم تستنزفها. ورغم أن هذا الانقسام لم يترجم بعد إلى تغيير جوهري في السياسة الأميركية، إلا أنه يكشف أن التحالف، رغم متانته، ليس خارج التاريخ ولا محصنًا من التآكل.

تحاول إسرائيل، بدعم أميركي، إيصال رسالة واضحة للفلسطينيين مفادها أن المقاومة، بأي شكل من أشكالها، مكلفة إلى حد لا يُحتمل، وأن الخيار “العقلاني” الوحيد هو القبول بالأمر الواقع. لكن هذه الرسالة تقوم على قراءة قاصرة لطبيعة الصراع ولحقيقة المجتمعات الواقعة تحت الاستعمار. فالشعوب قد تُقهر مؤقتًا، وقد تدخل مراحل من الضعف والتراجع، لكنها لا تتخلى عن حقها في العمل من أجل التحرر. النضال ليس مسارًا خطيًا، بل عملية تاريخية طويلة، تتغير فيها الأدوات، وتتبدل القيادات، وتتجدد الرؤى. ويشير النقاش الجاري داخل أوساط واسعة من النخب الفلسطينية، السياسية والمثقفة، إلى إعادة التأكيد على أهمية المقاومة الشعبية المدنية، وهو نقاش لم يبدأ بعد حرب الإبادة بل قبل ذلك بكثير. وهي استراتيجية تقوم على ركيزتين أساسيتين: المقاومة الشعبية في الداخل – مظاهرات، إضرابات، اعتصامات، عصيان مدني، بناء أطر نقابية ومهنية، وتنمية شعبية – والمقاومة المدنية في الخارج المتمثلة في المقاطعة.

في المحصلة، يكشف المخطط الأميركي–الإسرائيلي تجاه غزة عن وهم استراتيجي متكرر: وهم القدرة على إخضاع شعب بأكمله عبر القوة والضغط الاقتصادي وكيّ الوعي. هذا الوهم سقط في تجارب تاريخية كثيرة، وسيسقط في فلسطين أيضًا. فالشعب الفلسطيني، مهما اشتد عليه القمع، سيظل يسعى إلى إعادة تنظيم نفسه، وتجديد قياداته، وصياغة أشكال نضاله بما يتلاءم مع المرحلة الجديدة. قد يتراجع، قد يضعف، لكنه لا يستسلم، لأن الاستسلام بالنسبة لشعب محتل ويخضع لتهديد مستمر بالمحو ليس خيارًا، بل نفي للذات والتاريخ، أو قبول العبودية الأبدية.

ولكن سيظل السؤال الكبير، من يقود هذه المحاولات، وكيف يعاد ترشيد القرار الفلسطيني، وتحت أي رؤية، وأي مشروع. تلك هي الأسئلة التي تنشغل فيها النخب، منذ ما قبل حرب الإبادة، وتستأنف الآن بوتيرة أعلى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب