النزوح القسري والاستراتيجيات الصادمة في إدارة الأزمات

النزوح القسري والاستراتيجيات الصادمة في إدارة الأزمات
تداعيات مركّبة على حقوق المواطنة والمشروع النهضوي الوطني الفلسطيني
بقلم رئيس التحرير
في سياق التحولات العميقة التي فرضها العدوان المستمر وسياسات التهجير القسري بحق الشعب الفلسطيني، لم تعد ظاهرة النزوح مجرد حالة إنسانية طارئة، بل تحوّلت إلى أزمة وطنية مركّبة، ذات أبعاد قانونية وسياسية واجتماعية واقتصادية ونفسية، تنعكس مباشرة على مفهوم المواطنة، وعلى أسس المشروع النهضوي الوطني الفلسطيني.
لقد أظهرت التجربة الفلسطينية أن التعامل مع النزوح القسري، سواء على مستوى الواقع المفروض بفعل الاحتلال أو على مستوى إدارة تداعياته داخليًا، اتسم في كثير من الأحيان بما يمكن وصفه بـ«الاستراتيجيات الصادمة»، التي ركّزت على احتواء الأزمة بدل معالجتها، وعلى إدارة النتائج بدل مواجهة الأسباب البنيوية.
النزوح القسري: من انتهاك قانوني إلى تفكيك مجتمعي
يُصنَّف النزوح القسري في القانون الدولي الإنساني كجريمة وانتهاك جسيم لاتفاقيات جنيف، غير أن خطورته في الحالة الفلسطينية تتجاوز البعد القانوني، ليصبح أداة سياسية تهدف إلى تفكيك المجتمع، وضرب استقراره الديمغرافي، وإضعاف قدرته على الصمود والاستمرارية.
فالتهجير لا يعني فقدان المسكن فحسب، بل يمتد ليشمل:
تقويض الشعور بالأمان والكرامة الإنسانية، اضعاف الروابط الاجتماعية، تراجع الثقة بالمؤسسات العامة، وتحويل المواطن من شريك في الفعل الوطني إلى متلقٍ دائم للإغاثة.
الاندماج القسري وتحديات المواطنة
أفرز النزوح واقعًا اجتماعيًا جديدًا تمثل في اندماج قسري للمهجّرين داخل مجتمعات تعاني أصلًا من أزمات اقتصادية وبنيوية حادة. وقد جرى هذا الاندماج في ظل غياب سياسات عامة واضحة، ما أدى إلى ضغوط إضافية على الموارد والخدمات، وأعاد طرح أسئلة جوهرية حول العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص.
في هذا السياق، تتعرض المواطنة لمخاطر التآكل، حين يصبح الانتماء القانوني غير كافٍ لضمان التمتع الفعلي بالحقوق الأساسية، فتتحول المواطنة إلى إطار شكلي يفتقر إلى مضمونه الاجتماعي والاقتصادي، وهو ما يهدد الاستقرار المجتمعي على المدى المتوسط والبعيد.
الأبعاد النفسية والاجتماعية: صدمة ممتدة
لا يمكن فهم آثار النزوح القسري دون التوقف عند تداعياته النفسية والاجتماعية العميقة. فقد أفرزت التجربة حالة من الصدمة الجماعية، انعكست في:
ارتفاع معدلات الاضطرابات النفسية، تفكك في بعض البنى الأسرية، تراجع الإحساس بالاستقرار والانتماء، وتنامي مظاهر التوتر والعنف المجتمعي.
ويُسجَّل في هذا الإطار غياب برامج وطنية شاملة للدعم النفسي والاجتماعي، والاكتفاء بمقاربات إغاثية مؤقتة، ما أدى إلى تراكم الصدمة بدل احتوائها ومعالجتها.
التداعيات السياسية والاقتصادية
سياسيًا، أسهم النزوح القسري في إضعاف المشاركة العامة، وتراجع الثقة بالعملية السياسية، واتساع الفجوة بين الخطاب الوطني والواقع المعيشي للمواطنين. أما اقتصاديًا، فقد أدى إلى:
ارتفاع معدلات الفقر والبطالة،
إنهاك البنى التحتية والخدمات العامة، وتحويل الاقتصاد المحلي إلى اقتصاد أزمات وطوارئ، يفتقر إلى مقومات التنمية المستدامة.
هذه التداعيات مجتمعة تُضعف الأسس الموضوعية لأي مشروع نهضوي وطني، يقوم على مواطن فاعل، منتج، وآمن اجتماعيًا واقتصاديًا.
العقد الاجتماعي والوظيفة الاجتماعية للدولة
كشفت إدارة أزمة النزوح عن اختلال واضح في العلاقة بين المواطن والمؤسسات العامة، ما انعكس على مفهوم العقد الاجتماعي. فالدولة، أو السلطة القائمة، مطالَبة بدور يتجاوز إدارة الطوارئ، ليشمل حماية الحقوق الأساسية، وضمان العدالة الاجتماعية، وتعزيز التماسك المجتمعي.
إن تراجع الوظيفة الاجتماعية للدولة، سواء بفعل القيود المفروضة أو غياب الرؤية الاستراتيجية، يفاقم أزمة الثقة، ويهدد شرعية المؤسسات، ويفتح المجال أمام حلول غير مؤسسية، قد تكون لها انعكاسات سلبية على وحدة المجتمع واستقراره.
نحو مقاربة وطنية شاملة
تؤكد التجربة أن معالجة آثار النزوح القسري تتطلب الانتقال من منطق الاستجابة الآنية إلى مقاربة وطنية شاملة، تقوم على:
بلورة استراتيجية وطنية واضحة لإدارة النزوح وتداعياته، دمج البعد النفسي والاجتماعي في السياسات العامة، حماية حقوق المواطنة دون تمييز، ربط الإغاثة بالتمكين والتنمية المستدامة، وتعزيز دور المؤسسات في إعادة بناء الثقة المجتمعية.
وخلاصة القول إن النزوح القسري في فلسطين ليس حدثًا عابرًا، بل تحدٍ استراتيجي يمس جوهر المشروع الوطني. ومواجهته لا تكون فقط بالصمود الفردي، بل بإرادة سياسية ورؤية وطنية جامعة، تعيد الاعتبار للإنسان الفلسطيني بوصفه محور التنمية وركيزة النهضة.
فاستعادة المواطنة الكاملة، وترميم العقد الاجتماعي، وتفعيل الوظيفة الاجتماعية للدولة، تشكّل اليوم مدخلًا أساسيًا لحماية المجتمع، وتعزيز صموده، وضمان مستقبل أكثر استقرارًا وعدالة.



