منع المنظمات الإنسانية في فلسطين تتطلب مسائلة سياسيه و قانونيه

منع المنظمات الإنسانية في فلسطين تتطلب مسائلة سياسيه و قانونيه
بقلم:رئيس التحرير
لم يكن قرار سلطات الاحتلال الإسرائيلي بمنع عشرات المنظمات الإنسانية والحقوقية الدولية من العمل في الأراضي الفلسطينية المحتلة إجراءً إداريًا أو أمنيًا عابرًا، بل خطوة سياسية–استراتيجية مدروسة، تعكس تحولًا خطيرًا في إدارة الاحتلال للصراع، وانتقاله من التحكم العسكري المباشر إلى إدارة الكارثة الإنسانية وتوظيفها كأداة ضغط وعقاب جماعي.
إن استهداف منظمات دولية مرموقة مثل أطباء بلا حدود، أوكسفام، المجلس النرويجي للاجئين، ميرسي كوربس، أطباء العالم، والمنظمة الدولية للإعاقة، وغيرها، لا يمكن تبريره بأي ذريعة أمنية، لأن طبيعة عمل هذه المؤسسات إنسانية بحتة، وتشمل الطب الطارئ، والإغاثة الغذائية، وحماية الأطفال، ودعم اللاجئين وذوي الإعاقة، وهي قطاعات لا تمثل خطرًا، بل شريان حياة لمجتمع محاصر.
إسكات الشاهد الدولي
الهدف الأول من هذا القرار يتمثل في إسكات الشاهد الدولي. فالمنظمات الإنسانية لا تقدم المساعدات فحسب، بل توثق الواقع، وترصد الانتهاكات، وترفع تقارير دورية إلى الأمم المتحدة، ومحكمة الجنايات الدولية، والمؤسسات الحقوقية والبرلمانات الغربية. وجودها في الميدان يحول الجرائم إلى وقائع موثقة، ويمنع طمس الحقيقة أو إعادة صياغتها وفق رواية القوة.
من هنا، يسعى الاحتلال إلى إفراغ الأرض من العيون الدولية المستقلة، وتحويل المأساة الفلسطينية إلى حدث معتم أو قابل للإنكار، في ظل تصاعد الضغوط القانونية والدعوات الدولية للمساءلة.
التجويع كأداة سياسية
منع منظمات متخصصة بالأمن الغذائي والصحة يعني عمليًا استخدام التجويع والحرمان من الدواء كسلاح سياسي. هذه السياسة لا تستهدف فصيلًا أو سلطة، بل تضرب المجتمع الفلسطيني بأكمله، خصوصًا الأطفال والمرضى وكبار السن، في انتهاك صريح لمبدأ تحريم العقاب الجماعي المنصوص عليه في اتفاقيات جنيف.
الاحتلال يدرك أن كسر إرادة الشعوب لا يبدأ بالرصاص فقط، بل بكسر مقومات الصمود، وتجفيف مصادر الحياة، ودفع المجتمع إلى حافة الانهيار الاجتماعي والإنساني.
هندسة العمل الإنساني وفق الشروط الإسرائيلية
يسعى الاحتلال إلى إعادة تعريف العمل الإنساني، ليس كحق للسكان الواقعين تحت الاحتلال، بل كـ“امتياز مشروط” يخضع لموافقته السياسية والأمنية. أي منظمة ترفض الخضوع لهذه الشروط، أو تصر على استقلاليتها وحيادها، تصبح هدفًا للإقصاء والمنع.
وهنا يكمن الخطر الحقيقي، إذ يجري تحويل الإغاثة من التزام قانوني على قوة الاحتلال إلى أداة إدارة للأزمة، بما يفرغ القانون الدولي الإنساني من مضمونه.
الخوف من المساءلة الدولية
يتزامن هذا القرار مع: _ تصاعد التحقيقات والملفات المعروضة أمام محكمة الجنايات الدولية. ، اتساع حركة التضامن الشعبي والحقوقي في الغرب. ، تزايد الانتقادات داخل الأوساط الأكاديمية والسياسية الأوروبية والأمريكية.
وبالتالي، فإن منع المنظمات الإنسانية ليس سوى إجراء وقائي لمنع تراكم الأدلة، لا إجراءً لحماية الأمن، كما يُروَّج له الاحتلال .
انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني
من الناحية القانونية، يشكّل هذا القرار خرقًا فاضحًا لـ: اتفاقية جنيف الرابعة، التي تلزم قوة الاحتلال بتسهيل عمل الإغاثة الإنسانية. مبدأ حياد واستقلال العمل الإنساني.
القرارات الأممية التي تؤكد حماية المدنيين في النزاعات المسلحة.
وإذا ترتب على هذا المنع حرمان متعمد من الغذاء أو الدواء، فإن الأمر قد يرقى إلى جريمة حرب بموجب القانون الدولي.
وخلاصة القول أن ما يجري في الأراضي الفلسطينية المحتلة ليس منعًا لمنظمات، بل منعًا للحياة، ومنعًا للشهادة، ومنعًا للمساءلة. إنها محاولة لإدارة الصراع عبر تعميق الكارثة الإنسانية، وفرض واقع يتعايش فيه العالم مع المعاناة الفلسطينية باعتبارها أمرًا طبيعيًا أو حتميًا.
لكن التاريخ يثبت أن الحقيقة، مهما حوصرت، لا تموت، وأن العدالة قد تتأخر، لكنها لا تسقط بالتقادم. وحين تُمنع المنظمات الإنسانية من أداء واجبها، فهذا يعني أن الجريمة أكبر من أن تُرى، وأن الاحتلال لا يخشى السلاح بقدر ما يخشى الحقيقة.




