قراءة استراتيجية سياسية وقانونية في مرحلة ما بعد الدستور المؤقت

قراءة استراتيجية سياسية وقانونية في مرحلة ما بعد الدستور المؤقت
على ضوء قرارات الأمم المتحدة، ومخرجات مؤتمر نيويورك، ورأي محكمة العدل الدولية 2024
المحامي علي أبو حبلة
مقدمة
لم يعد قيام الدولة الفلسطينية مسألة تفاوضية مفتوحة على التأجيل، بل أصبح استحقاقًا قانونيًا دوليًا ثابتًا، تكرّس عبر منظومة متكاملة من قرارات الأمم المتحدة، والاعتراف الدولي المتنامي، والرأي الاستشاري التاريخي الصادر عن محكمة العدل الدولية في تموز/يوليو 2024، والذي أكد أن الأراضي الفلسطينية، بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة، هي أراضٍ محتلة، وأن استمرار الاحتلال الإسرائيلي يشكّل انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي، ويستوجب إنهاءه فورًا.
في هذا الإطار، يكتسب إقرار دستور فلسطيني مؤقت دلالة سياسية وقانونية تتجاوز البعد الداخلي، ليصبح أداة استراتيجية تهدف إلى تحويل الشرعية الدولية من نصوص وقرارات إلى بنية دولة ومؤسسات، قادرة على ممارسة حقوقها السيادية رغم واقع الاحتلال.
أولًا: الأساس القانوني الدولي للدولة الفلسطينية
- قرار الجمعية العامة 67/19 (2012) شكّل هذا القرار محطة مفصلية حين اعترفت الجمعية العامة للأمم المتحدة بفلسطين دولةً مراقبًا غير عضو، وأكدت:
حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وحدة الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967، بما فيها القدس الشرقية. وقد أتاح هذا القرار لفلسطين الانضمام إلى عشرات الاتفاقيات الدولية، من بينها:
العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949.
- قرارات مجلس الأمن ذات الصلة
تشكل قرارات مجلس الأمن المرجعية القانونية لإنهاء الاحتلال، وأبرزها:
القرار 242 (1967): عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة. القرار 338 (1973): التأكيد على تنفيذ القرار 242.
القرار 1515 (2003): اعتماد خارطة الطريق.
القرار 2334 (2016): اعتبار الاستيطان الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة غير شرعي ويشكل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي.
هذه القرارات تشكل التزامًا دوليًا ملزمًا، وتؤسس قانونيًا لحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة.
ثانيًا: مخرجات مؤتمر نيويورك وإعادة تثبيت حل الدولتين
جاء مؤتمر نيويورك الدولي ليعيد التأكيد على:
مركزية حل الدولتين كخيار وحيد لإنهاء الصراع، ضرورة قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة على حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967، اعتبار القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية.
وربط المؤتمر بين: دعم المجتمع الدولي، وضرورة الإصلاح المؤسسي الفلسطيني وبناء نظام حكم ديمقراطي يحترم سيادة القانون.
ثالثًا: رأي محكمة العدل الدولية 2024 – التحول القانوني النوعي
في رأيها الاستشاري الصادر عام 2024 بعنوان: “الآثار القانونية الناشئة عن سياسات وممارسات إسرائيل في الأرض الفلسطينية المحتلة”، أكدت محكمة العدل الدولية ما يلي:
أن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية غير مشروع. أن إسرائيل ملزمة بإنهاء وجودها غير القانوني دون إبطاء.
أن الاستيطان وضم الأراضي ينتهكان قواعد آمرة في القانون الدولي. أن على الدول الأخرى عدم الاعتراف أو المساعدة في الإبقاء على هذا الوضع غير المشروع. ويمثل هذا الرأي مرجعية قانونية عليا يمكن توظيفها في:
المسار الدبلوماسي، والملاحقات القضائية الدولية، وبناء الإطار الدستوري الفلسطيني.
رابعًا: الدستور المؤقت كأداة انتقال من السلطة إلى الدولة
- الطبيعة القانونية للدستور المؤقت
الدستور المؤقت: لا ينهي الاحتلال، لكنه ينظّم ممارسة السلطة باسم الشعب الفلسطيني، ويكرّس فلسطين كـدولة واقعة تحت الاحتلال لا ككيان حكم ذاتي.
ويفترض أن ينص صراحة على: حق تقرير المصير، عدم جواز التنازل عن القدس الشرقية، الالتزام بالقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة.
- إعادة تعريف دور السلطة الفلسطينية
في ضوء الدستور، تنتقل السلطة من إدارة شؤون مدنية محدودة إلى:
تمثيل السيادة القانونية للشعب الفلسطيني، وإدارة معركة التحرر وفق أدوات القانون الدولي.
خامسًا: الاستحقاقات السياسية بعد إقرار الدستور
إعادة بناء الشرعية وتتطلب تنظيم انتخابات عامة استنادًا للمادة (25) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. أو اعتماد ترتيبات انتقالية توافقية ذات سقف زمني واضح. إنهاء الانقسام الانقسام بات يشكّل إخلالًا بالمسؤولية الدستورية، ويقوّض أهلية الدولة لممارسة حقوقها أمام المجتمع الدولي.
مراجعة الالتزامات السابقة
إعادة تقييم الاتفاقيات التي تتعارض مع رأي محكمة العدل الدولية، وتكريس مبدأ أن الاحتلال يتحمل كامل كلفة وجوده غير المشروع.
سادسًا: الاستحقاقات القانونية والمؤسسية
مواءمة التشريعات مع انسجام القوانين الوطنية مع الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان. استقلال القضاء إنشاء محكمة دستورية مستقلة وفق المعايير الدولية.
حماية الحقوق والحريات
ضمان حرية التعبير، والعمل السياسي، ودور المجتمع المدني.
سابعًا: البعد الدبلوماسي والاستراتيجي
يشكّل الدستور المؤقت: وثيقة سياسية لتعزيز الاعتراف الدولي، وأداة قانونية لتفعيل المساءلة الدولية،
ورسالة بأن الدولة الفلسطينية، رغم الاحتلال، تلتزم بالقانون الدولي وتطالب بتطبيقه دون ازدواجية معايير.
إن إقرار دستور فلسطيني مؤقت في ضوء الشرعية الدولية المتراكمة، وقرارات الأمم المتحدة، ورأي محكمة العدل الدولية، يمثل تحولًا من إدارة الصراع إلى إدارة مشروع الدولة. فالدولة الفلسطينية لن تُبنى فقط بالقرارات الأممية، بل بقدرتها على ترجمة هذه القرارات إلى مؤسسات، وسيادة قانون، وشراكة وطنية، تجعل من القدس عاصمة فعلية لدولة حرة مستقلة، لا مجرد بند مؤجل في مفاوضات لا تنتهي.




