تصاعد محاولات تكميم الصحافة الحرّة في الولايات المتحدة

تصاعد محاولات تكميم الصحافة الحرّة في الولايات المتحدة
رائد صالحة
واشنطن- : في صيغة ساخرة ومقلقة في آن، يستعيد الكاتب ديفيد هيلفارج مقولة ألمانية شهيرة بعد الحرب العالمية الثانية: «أولاً جاؤوا للصحافيين، ثم لم نعد نعرف ماذا حدث». عبارة لم تعد مضحكة اليوم، في ظل مؤشرات متزايدة على تضييق ممنهج على حرية الصحافة في الولايات المتحدة.
فالأسبوع الماضي، داهم مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، الخاضع لإدارة موالية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، منزل الصحافية في واشنطن بوست هانا ناتانسون، في محاولة لتحديد مصادرها الصحافية. وناتانسون هي المراسلة الرئيسية للصحيفة في تغطية سياسات الإدارة تجاه الموظفين الحكوميين. وخلال المداهمة، صادرت السلطات هاتفها الشخصي وأجهزة الحاسوب الخاصة بها وبالصحيفة.
ويستحضر الكاتب، في مقال نشره موقع “كومن دريمز”، تجربته السابقة في تدريب صحافيين من منطقة البحر الأسود، حيث نصحه زميل أوكراني آنذاك بالاحتفاظ بالملفات الحساسة خارج المنزل والمكتب، تحسبًا لمداهمات أمنية. نصيحة كانت تبدو بعيدة عن الواقع الأمريكي، لكنها باتت اليوم جديرة بأن تؤخذ على محمل الجد من قبل الصحافيين في الولايات المتحدة.
ورغم إدانة هيئة تحرير واشنطن بوست للمداهمة واعتبارها محاولة لقمع حرية الصحافة، لزم مالك الصحيفة الملياردير جيف بيزوس الصمت، في موقف يقارنه الكاتب بسلفته كاثرين غراهام، التي واجهت ضغوط الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون خلال فضيحة «ووترغيت».
ومع تصاعد أساليب الترهيب ضد الصحافة، بما في ذلك الاعتداء الجسدي على الصحافيين أثناء تغطية الاحتجاجات، يذكّر الكاتب بتجارب تاريخية لجأت فيها الصحافة إلى التحايل على الرقابة، كما حدث في أمريكا الوسطى، أو خلال نشر «أوراق البنتاغون» عام 1971، حين تولّت صحف عدة نشر الوثائق بعد منع نيويورك تايمز من مواصلة النشر، إلى أن حكمت المحكمة العليا بعدم جواز منع الصحافة من نشر وثائق مصنّفة.
وفي الوقت الذي بات فيه خطر الفصل من العمل أكثر شيوعًا من خطر السجن، ما تزال وسائل التواصل الاجتماعي تمثل أداة فعّالة لكسر محاولات الحجب، في ظل بيئة إعلامية يسيطر على أجزاء واسعة منها مليارديرات مقرّبون من ترامب، أو مؤسسات اختارت تسوية دعاوى قضائية وُصفت بالكيدية سعيًا لنيل رضاه.
ويشير التقرير إلى أن غالبية الصحافيين الأمريكيين لا ينتمون إلى ما يُسمّى «نخبة الإعلام»، بل هم عاملون بأجور متوسطة، تحرّكهم القناعة المهنية أكثر من السعي إلى الثراء. فمتوسط دخل الصحافي بدوام كامل يبلغ نحو 86 ألف دولار سنويًا، فيما يبلغ متوسط دخل الصحافيين المستقلين نحو 61 ألف دولار، وفق بيانات شركات توظيف.
ويخلص الكاتب إلى أن الهجمات المتزايدة على الصحافة—من المداهمات والتهديدات، إلى التشهير ووصم الإعلام بـ«أعداء الشعب»—لن تنجح في كسر إرادة الصحافيين، الذين سيواصلون الدفاع عن حق الجمهور في المعرفة، وهو حق لا يرتبط بتيار سياسي، بل يشكّل أحد الأسس الجوهرية للديمقراطية الأمريكية، كما نصّ عليه التعديل الأول للدستور.
“القدس العربي”




