هل غيّرت الحرب نظرة اللبنانيين إلى المصوّرين؟

هل غيّرت الحرب نظرة اللبنانيين إلى المصوّرين؟
الكاميرا في مرمى الشك، جملة تختصر ما يحصل حالياً في لبنان، فالتوثيق في زمن الصراعات أصبح مهمة شاقة، إذ بات الحصول على صورة أمراً صعباً، خصوصاً إذا أراد المصور الصحافي توثيق حدث معين أو حتى التقاط صورة لموضوع ما. أصبح الناس أكثر خوفاً وحذراً ويعتبرون الكامي
الكاميرا في مرمى الشك، جملة تختصر ما يحصل حالياً في لبنان، فالتوثيق في زمن الصراعات أصبح مهمة شاقة، إذ بات الحصول على صورة أمراً صعباً، خصوصاً إذا أراد المصور الصحافي توثيق حدث معين أو حتى التقاط صورة لموضوع ما. أصبح الناس أكثر خوفاً وحذراً ويعتبرون الكاميرا كخطر إجتماعي، في مجتمع مرتاب أصبح هناك «بارانويا جماعية» وصار كل من يحمل كاميرا في موقع الشك.
قبل أن تلتقط الصورة يسأل الناس: لمن تعمل الكاميرا؟
هذا ما دفع المصور البحث عن طريقة «ودية» عند التقاط الصور، إذ شوّه الخوف علاقة الناس بالصورة، ومما زاد الأمر سوءاً انتشار ما يسمى «سلطة الصور وإعادة انتاج الواقع» على مواقع التواصل الإجتماعي، مما جعل المهمة أصعب على المصوّر، فالصورة أصبحت جريمة محتملة، من خلال اعتقادهم أنّ جهات ستستغل صورهم وتنشرها على مواقع التواصل الاجتماعي وتطبيقات الهاتف. ومع استمرار تطور التقنيات الحديثة واطلاع الناس بشكل ادق على خصائصها التي تسمح للكاميرات بالدخول بلا استئذان في كل مكان متحدية المنع والرفض الاجتماعي، يحاول الصحافيون اتباع تقنيات غير تقليدية للحصول على صور جيدة للمواد التي يعدونها ولو استغرق ذلك وقتاً أطول من كتابة المادة الصحافية نفسها.
• الحرب تغيّر علاقة الناس بالكاميرا
هذا التحول لم يأت من فراغ، فالحرب الإسرائيلية على لبنان وظهور عملاء لها عزّزا خوف الناس من كل من يحمل كاميرا «ولو هاتفاً خليوياً». هكذا تختصر سارة معاناتها بعد الحرب الأخيرة، قائلةً: «كنت أصور تفاصيل بيروت وبيوتها القديمة، فأنا أوثق عبر هاتفي العمارة القديمة المهملة والبيوت التراثية». وتضيف أنّ كل شيء تغيّر عندما صرخ في وجهها رجل، مانعاً إياها من التصوير، و«أصبح أي شخص يراني أصوّر يحدق بغرابة ويسألني ماذا أصور ولأي جهة. أضطر عندها لمحو الصور في النهاية». وتختم بالقول بأن من شأن تكرار هذه الأحداث أن تؤثر سلباً على «صحافة المواطن» خصوصاً في ظل التوتر المستمر حالياً.
• الكاميرا بين التوثيق والاتهام
الصورة تمثل واقع المجتمع، فهي تنقل ملامح المجتمع وحياته اليومية، كما أنّ «الصورة بناء ثقافي وإجتماعي يعكس رؤية المصور والمجتمع معاً. وللصورة دور في تشكيل الوعي الإجتماعي». هكذا يختصر المصور هيثم الموسوي أهمية الصورة ودورها في بناء «أرشيف وذاكرة جماعية للمجتمع». أما المصور رمزي حيدر فيشدد على «الدور الفعال للصور خصوصاً في الصراعات عبر نقل الحقيقة». كذلك، يشدد المصور مروان بو حيدر على «أهمية الدور الذي تلعبه الصورة في نقل السرديات وتصحيحها خصوصاً خلال الحروب كما حصل في غزة ولبنان».
أسباب كثيرة جعلت الناس يخافون الصورة والمصور، فـ «الحرب الإسرائيلية الأخيرة وانتشار عملاء حُكي أنّهم يصورون أبنية وأماكن لإسرائيل، أمر جعل من أي شخص يحمل كاميرا متهماً محتملاً». هكذا يختصر الموسوي أبرز الأسباب النتي عززت خوف الناس. كذلك، يؤكد بو حيدر أن «خوف الناس لم يعد محصوراً بالضاحية فحسب، بل بمناطق عديدة منها الكورنيش البحري والحمرا».
وهنا يبحث المصور عن طريقة أخرى لإلتقاط الصور بدون مضايقات مثل «بناء علاقة ودية مع الناس قبل التصوير وإزالة حاجز الخوف عبر الشرح والتوضيح عن هدف التصوير، مما يخلق ثقة معهم. فطريقة التعامل مع خوف وغضب الناس أمر يمكن التعامل معه إذا تصرف المصور بالطريقة الصحيحة». هذا ما أكده المصور رمزي حيدر ويختصر ما يحصل بأنّ «التصوير صار سهلاً رغم الصعوبات، وللأسف كل الناس صاروا مصورين ولو بهاتف محمول».
ويتفق بو حيدر مع زميله مستغرباً «أنّ الناس يخافون المصور الذي يحمل كاميرا ويتساهلون مع من يصور نفس اللقطة ونفس الحدث ولكن بالهاتف!».
وعن الأساليب التي يتبعها في مهمة أخذ الصور، يقول الموسوي إنّه «يتعامل مع كل موقف بطريقة معينة»، متأسّفاً أنّ «الناس لا يعرفون أهمية الصورة وتنقصهم ثقافة الصورة رغم أننا في عصر الصورة». ويطالب المصورين بضرورة نشر «ثقافة الصورة” والتوعية حول دورها في التوثيق وبناء الذاكرة الجماعية للمجتمعات».
وفي هذا السياق، تفيد الأكاديمية في كلية الإعلام والتوثيق منى عكنان، أن «الصورة يمكن أن تكون سلاحاً قوياً للأفراد والأقليات المظلومة للدفاع عن حقهم مثلما حصل في غزة خلال طوفان الأقصى». ولا تنكر خطورة التزييف التي تتعرض له الصور حالياً مع وجود الذكاء الإصطناعي مثل «خلق سرديات مضادة». وتختم بالقول أن «تغير الصورة يشبه تغير المجتمعات، وقلق الناس من الصورة والمصور مبرر، خصوصاً أننا في وطن يعاني من أزمات وحرب وأحداث متعددة».
• جذور الخوف من الصورة
إستناداً إلى العديد من الكتب العربية والأجنبية، يعود إختلاف تقبل الصورة والتصوير بين الوطن العربي والغرب إلى إختلاف البيئة والتنشئة الإجتماعية. ففي الوطن العربي يسود التحفظ والخوف. رغم ذلك أسهمت التحولات التي حصلت وصولاً إلى العصر الرقمي في تقليص الفجوة مع الغرب وأعطت للصورة مكانة مهمة في المجتمعات العربية. لكن الخوف من الكاميرا في البلدان العربية لا ينشأ من التكنولوجيا نفسها، بل من الصراعات التاريخية المؤلمة التي تشهد على ذلك، مثل استخدامها بغرض الإعتقال، التشهير أو الإستهداف، وحتى استخدامها في الحروب كسلاح. ولا يمكن تجاهل السبب الأساسي الآخر وهو غياب الثقافة العامة حول أهمية الصور والتوثيق البصري. أما في الغرب، فقد حظيت الصورة بتقبل مبكر منذ عصر النهضة، حيث اعتبرت أداة توثيقية مهمة.
رغم الخوف، تبقى الصورة من أقوى الوسائل لإثبات الحقيقة خصوصاً في عصرنا هذا وهي السلاح الأهم في مواجهة الظلم والإنكار.



