تحقيقات وتقارير

واشنطن تشدّ الخناق على إيران عبر استراتيجية الضغط المركّب… وأيام عصيبة على المنطقة

واشنطن تشدّ الخناق على إيران عبر استراتيجية الضغط المركّب… وأيام عصيبة على المنطقة

رلى موفَّق

ما يزيد من ارتفاع منسوب سيناريو توجيه ضربة عسكرية أمريكية لإيران قناعة واشنطن بأن طهران غير مستعدة للدخول في مفاوضات تلبي تطلعات ترامب والنتائج التي يريدها للملف الإيراني برمته.

يقترب الانتشار العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط من مرحلة الاكتمال، في ظل مشهد متوتر انعكس بوضوح منذ ليل الثالث والعشرين من كانون الثاني/يناير الحالي، حيث سادت حالة من الهلع بعدما ألغت العديد من شركات الطيران الدولية رحلاتها إلى إسرائيل ودول خليجية، فيما اضطرت بعض الطائرات إلى تغيير مسارها والعودة قبل دخول الأجواء الإسرائيلية، في مؤشر نادر على ارتفاع مستوى القلق الأمني.
وقد بلغت الاستعدادات العسكرية الأمريكية مستوى متقدماً من الجهوزية، وتشمل خططاً لضربات عسكرية وعمليات سيبرانية واسعة تستهدف شلّ البنية العسكرية والسياسية للنظام الإيراني، وتذهب التقديرات إلى أيام تفصل المنطقة عن أي عمل عسكري محتمل، لاسيما في ظل المعطيات المتوافرة بعدم استعداد النظام الإيراني إلى تقديم تنازلات فعلية وتصاعد الخطاب المتشدد الصادر عن قيادة الحرس الثوري والتهديدات المستمرة بتوسيع دائرة المواجهة إقليميا.
وما يزيد من ارتفاع منسوب سيناريو توجيه ضربة عسكرية أمريكية لإيران قناعة واشنطن بأن طهران غير مستعدة للدخول في مفاوضات تلبي تطلعات ترامب والنتائج التي يريدها للملف الإيراني برمته وفق الاستراتيجية الأمريكية الراهنة.
تترافق الاستعدادات العسكرية مع خنق اقتصادي متدرج، يستهدف ما تبقى من قدرة إيران على تمويل نفسها. العقوبات الجديدة على «الأسطول الظلي» لا تهدف فقط إلى تقليص الصادرات النفطية، بل إلى رفع كلفة الالتفاف على العقوبات إلى مستوى غير قابل للاستدامة. الاستيلاء على شحنات نفطية، وملاحقة شركات وسطاء، والتهديد بفرض إجراءات عقابية على الدول التي تتعامل تجارياً مع طهران، هي عناصر تشير إلى انتقال واشنطن من سياسة «منع إيران من الربح» إلى سياسة «منع إيران من التنفس اقتصاديًا».
هذا الضغط الاقتصادي لا يُقرأ بمعزل عن الداخل الإيراني. فواشنطن تراهن على أن أي تصعيد اقتصادي إضافي، متزامن مع اختناق سياسي داخلي، سيضع النظام أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما تشديد القمع مع ما يحمله من مخاطر تفكك داخلي، أو القبول بتنازلات استراتيجية تمس جوهر مشروعه النووي والإقليمي. غير أن التجربة الأمريكية السابقة مع إيران تجعل هذا الرهان محفوفًا بالشك، إذ أثبت النظام قدرته على امتصاص الصدمات وتحويل الضغط الخارجي إلى أداة تعبئة داخلية.
ثمة مراقبون يقرأون التحشيد العسكري الأمريكي بوصفه جزءاً من معادلة ضغط متعددة الاتجاهات تستهدف إعادة ضبط سلوك إيران الإقليمي والنووي، من دون الانزلاق المباشر إلى حرب شاملة. ويرون أن واشنطن لا تتحرك في استراتيجية الانتشار الحالي انطلاقًا من سيناريو ضربة وشيكة بقدر ما تتحرك ضمن منطق «الجاهزية القصوى المؤجلة»، أي خلق واقع عسكري مكتمل يسمح بالضربة في أي لحظة، من دون الالتزام السياسي أو الزمني بتنفيذها.
ولكن القراءة من المنظور العسكري تذهب الى اعتبار أن هذا النوع من الانتشار لا يقاس بعدد القطع العسكرية أو نوعها فقط، بل بطبيعة الرسائل التي يبعثها. فنقل أسراب مقاتلة هجومية، وتعزيز قدرات التزود بالوقود جوًا، وتحريك منظومات دفاع صاروخي متقدمة مثل «باتريوت» و«ثاد»، كلها عناصر لا تُستخدم في الضربة الأولى بقدر ما تُستخدم في إدارة «اليوم التالي»، أي احتواء الرد الإيراني المحتمل وحماية القواعد الأمريكية والحلفاء الإقليميين. بهذا المعنى، فإن واشنطن تُعدّ المسرح لا للضربة فحسب، بل لسيناريو التصعيد المتدرج، حيث تكون السيطرة على الإيقاع أهم من توجيه الضربة نفسها.
الموقف الأمريكي خلال هذه المرحلة يبدو محكوماً بازدواجية محسوبة. فمن جهة، يواصل ترامب التأكيد أن جميع الخيارات مطروحة، بما في ذلك الخيار العسكري، ومن جهة أخرى يظهر حذر واضح من الانجرار إلى مواجهة مباشرة. فالخطاب الأمريكي خلال الأسبوع الماضي ركّز على تشديد الضغوط السياسية والدبلوماسية، وربط سلوك النظام الإيراني داخلياً بملفات أوسع تشمل حقوق الإنسان والبرنامج النووي ودور طهران الإقليمي.
وجاءت متابعة واشنطن النشطة للاحتجاجات الإيرانية كعنصر ضغط إضافي، وليس كبديل عن أدواتها التقليدية، وسط نقاش داخلي أمريكي حول ما إذا كانت التطورات الجارية قادرة على فتح نافذة لتغيير بنيوي في النظام، أو أنها ستنتهي، كما في محطات سابقة، بإعادة تثبيت السلطة عبر القمع. وفي موازاة ذلك، صدرت تحذيرات دولية، خليجية وأوروبية، من أخطار انفلات الوضع نحو مواجهة إقليمية أوسع، ما يواصل دفع هذه الأطراف إلى الضغط باتجاه تجميد أي تصعيد عسكري فوري، والإبقاء على المسار الدبلوماسي مفتوحاً، ولو بشروط صارمة.
في ظن واشنطن أن التلويح بالخيار العسكري وخنق الصادرات وعزل طهران اقتصاديا سيدفع النظام الإيراني إلى التماهي مع الشروط التي يضعها ترامب من أجل عقد الصفقة المنتظرة التي يحلم بها ترامب والتي ستشكل إحدى الحلقات المهمة في مسار السلام في المنطقة.
ووسط هذا التصعيد، تقف إسرائيل عند تقاطع حساس. فهي تدفع باتجاه تشديد الضغط على إيران، لكنها في الوقت نفسه لا تبدو راغبة في تنفيذ ضربة منفردة تضعها في واجهة الرد الإيراني. التنسيق الأمريكي–الإسرائيلي قائم، لكن ضمن توزيع أدوار واضح: واشنطن تحتفظ بحق القرار الاستراتيجي، فيما تظل إسرائيل عنصر ضغط وتلويح، لا رأس حربة مستقلة.
في المقابل، تتصرف طهران وفق منطق الصبر الهجومي. فهي ترفع منسوب التهديد الخطابي، بلهجة تصعيدية وتحذيرات بالرد على أي هجوم أمريكي، عبر استهداف قواعد ومصالح أمريكية في المنطقة وحلفائها في حال تعرض النظام أو قيادته لضربة مباشرة. لكنها في واقع تحرص حتى الآن على عدم تجاوز الخطوط التي تستدعي رداً مباشراً. هذا السلوك يعكس إدراكا إيرانياً بأن أي اشتباك مباشر مع الولايات المتحدة في هذه المرحلة سيكون مكلفاً إلى حد قد يهدد بقاء النظام نفسه، لا مجرد نفوذه الإقليمي. تدرك طهران أن وضعها الداخلي لا زال مأزوماً، فرغم نجاحها في اخماد الشارع عقب موجة احتجاجات عنيفة اندلعت أواخر كانون الأول/ديسمبر الماضي ومطلع كانون الثاني/يناير الحالي، لا يعكس هذا التراجع الظاهري انحسار الأزمة، بل يرتبط بإجراءات أمنية مشددة شملت انتشاراً كثيفاً للقوى الأمنية واعتقالات واسعة وقطعاً شبه كامل للاتصالات، بالتزامن مع تكثيف خطابه الذي يعيد تأطير الاحتجاجات بوصفها مؤامرة خارجية، في محاولة لنزع شرعيتها وتحويل الصراع من أزمة حكم داخلية إلى مواجهة سيادية مع الخارج.
تشير خلاصة المشهد إلى معادلة غير محسومة: هدوء أمني هش في الداخل الإيراني، يقابله تصعيد سياسي وإعلامي متواصل من جانب النظام، وضغط أمريكي مركّب يتصاعد من دون حسم نهائي لمسار الانزلاق، في منطقة تقف على حافة مرحلة قد تكون الأخطر منذ سنوات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب