مقالات

بين مكافحة معاداة السامية والنقد السياسي: جدل أمريكي محتدم في ظل حرب غزة

بين مكافحة معاداة السامية والنقد السياسي: جدل أمريكي محتدم في ظل حرب غزة

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

في خضم العدوان على قطاع غزة وما صاحبه من احتجاجات واسعة في الجامعات والمدن الأمريكية، تصاعدت حملات إعلامية وسياسية تحت شعار «مكافحة معاداة السامية»، كان من أبرز وجوهها الناشطة اليهودية الأوكرانية بورا ريز. حملتها الخطابية، التي ا

تسمت بالحدة والتهديد المباشر تجاه فئات من الأمريكيين، أثارت جدلًا واسعًا في الأوساط السياسية والإعلامية والأكاديمية، خاصة فيما يتعلق بحدود حرية التعبير والنقد السياسي.

تقدّم ريز نفسها كمدافعة عن الجاليات اليهودية في مواجهة ما تصفه بتزايد معاداة السامية، إلا أن نبرة خطابها دفعت بعض المراقبين إلى التساؤل: هل هذا ضمن مكافحة خطاب الكراهية المشروع، أم يشكل ترهيبًا سياسيًا وإعلاميًا يمس حرية التعبير المكفولة دستوريًا؟

تتزامن هذه الحملات مع احتجاجات طلابية وأكاديمية في جامعات أمريكية مرموقة، طالبت بوقف الدعم الأمريكي لإسرائيل، وانتقدت الانتهاكات للقانون الدولي الإنساني في غزة. وقد واجهت بعض هذه الاحتجاجات محاولات لربطها تلقائيًا بتهمة «معاداة السامية»، دون تمييز واضح بين النقد السياسي المشروع والتحريض العنصري الفعلي.

الإطار القانوني الأمريكي واضح وصارم: التعديل الأول للدستور يحمي حرية الرأي والتعبير، بما يشمل النقد السياسي حتى لو كان مثيرًا للجدل، شرط ألا يرتبط بتحريض مباشر على العنف أو تهديد أشخاص محددين. وقد أكدت محكمة الولايات المتحدة العليا في قضية Brandenburg v. Ohio (1969) أن الخطاب السياسي لا يُقيّد إلا إذا كان يهدف بشكل مباشر ويحتمل أن يؤدي إلى أعمال عنف وشيكة. كما أكدت محاكم أخرى أن التفريق بين الخطاب المحمي والتحريض غير المشروع ضرورة لحماية الحرية الأكاديمية وحرية الإعلام.

ويشير الخبراء القانونيون إلى أن استخدام خطاب تصعيدي، حتى بحجة مواجهة معاداة السامية، يمكن أن يتحول إلى أداة للضغط السياسي وتكميم الأصوات، خاصة إذا تم ربط المواقف السياسية المشروعة بمزاعم معاداة السامية. وهذا يطرح إشكاليات قانونية وأخلاقية حول الحدود الفاصلة بين حماية الأفراد من التمييز، وبين حماية دولة أو سياسات حكومية من النقد المشروع.

في المقابل، يؤكد أنصار هذه الحملات أن الولايات المتحدة شهدت ارتفاعًا في حوادث الكراهية ضد اليهود، وأن التصدي لها واجب أخلاقي وقانوني، مؤكدين ضرورة التفرقة بين النقد المشروع والتحريض العنصري المحظور.

إن ما تشهده امريكا اليوم يعكس أزمة أعمق تتجاوز شخصيات بعينها، وتتمثل في صراع على تعريف المفاهيم وحدودها: أين تبدأ معاداة السامية؟ وأين ينتهي النقد السياسي المشروع؟ وهل يجوز استخدام خطاب التهديد أو التخويف لإسكات أصوات طلابية وأكاديمية في الجامعات ووسائل الإعلام؟

إن حماية الجاليات اليهودية من أي تحريض أو كراهية واجب لا جدال فيه، لكن تحويل هذا الواجب إلى أداة لتجريم التضامن مع الشعب الفلسطيني أو تقييد حرية التعبير يشكل انحرافًا عن القيم الديمقراطية الأمريكية ويقوّض أسس التعددية التي قامت عليها الدولة.

يبقى الرهان على قدرة المجتمع الأمريكي ومؤسساته القضائية والأكاديمية على إعادة التوازن بين مكافحة الكراهية من جهة، وصون حرية التعبير والنقد السياسي من جهة أخرى، وفق المعايير القانونية المتعارف عليها، دون الانجراف خلف خطاب التخويف أو ضغط اللوبيات، ودون تهميش المدنيين والضحايا، وفي مقدمتهم الشعب الفلسطيني

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب