
الولايات المتحدة الأميركية والغرب الأوروبي بين خيارين:
القومية الغربية أم التوراتية–الصهيونية
في 14/ 02/ 2026 حسن خليل غريب
مدخل توصيف الإشكالية:
بعد أن تناولنا في مقال سابق موسَّع مخاطر المشروع الإيراني الحكم باسم (ولاية الفقيه)، الذي أرسى الخميني أسسه، واستلم الحكم في أواخر العام 1979. واعتبرناه إلى جانب (المشروع التوراتي الصهيوني)، مشروعاً غيبياً ليس مستحيل التحقيق فحسب بل لأنه أيضاً يُدخل العالم من أقصاه إلى أقصاه ابتداءً من الوطن العربي، في حروب عبثية يمكن أن يشكِّل أكثر الحروب دموية في التاريخ.
ولما كان المشروعان معاً، يشكلان الخطورة على الوضع الدولي، فإنهما من منطلق الخطورة على الوضع العربي يتمايزان بدرجة الخطورة. فالمشروع التوراتي الصهيوني، لن يجد له أية حاضنة شعبية تقوي دعائمه بأكثر من اتفاقيات التطبيع التي تعقدها (إسرائيل)، كقاعدة عسكرية سياسية أمامية، مع الأنظمة العربية الرسمية، ستبقى في عزلة تامة عن أية حاضنة شعبية عربية هذا إذا لم تجد لها صدَّاً واسعاً لأسباب أيديولوجية دينية.
وأما مشروع (ولاية الفقيه) الغيبي، فهو أكثر خطورة من المشروع التوراتي الصهيوني، لأنه منذ دخوله إلى عتبة تاريخ المنطقة، استطاع أن يتغلغل بعمق في الوسط الشيعي أولاً، وفي الوسط الإسلامي بشكل عام ثانياً، وخاصة في الوسط السني، لأن المشروع المذهبي السني عقد تحالفاً شاذا مع المشروع الشيعي. تحالف نعتبره تحالفاً مرحلياً، بحيث يستفيدان منه في مواجهة المشروع التوراتي من جهة، وفي مواجهة الأنظمة الرسمية، والأحزاب العلمانية من جهة ثانية.
بعد التمهيد يمكننا الانتقال إلى تخصيص البحث عن العلاقة التاريخية بين المجتمعات المسيحية الغربية في أوروبا من جهة، وفي الولايات المتحدة الأميركية من جهة أخرى، مع المشروع التوراتي.
علماً أن المشروعين معاً من منظار أوروبي وأميركي بشكل خاص، كانت لهما وظائف واضحة، وهي أن تأسيس كيان (إسرائيلي) من ذلك المنظور لم تكن له وظيفة أخرى غير كونه قاعدة عسكرية متقدمة تحمي مصالح الغرب من جهة، وأن مشروع ولاية الفقيه، كانت له وظيفة محددة وواضحة تصب أولاً في إنجاح احتلال العراق في العام 2003 من جهة، وفي خدمة تنفيذ مشروع الشرق الأوسط الجديد في العام 2011 من جهة أخرى.
مقدمة المقال
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تبوأت الولايات المتحدة الأميركية موقع القيادة في المنظومة الرأسمالية الغربية، ورثت نفوذ أوروبا العجوز، وأحكمت قبضتها على القرار الدولي. غير أن هذا النفوذ لم يكن معزولاً عن التوازنات التاريخية التي ربطت الغرب باليهود والصهيونية، ولا عن التناقضات الداخلية بين الرأسمالية الأميركية الوطنية والرأسمالية الصهيونية العابرة للحدود. ومع عملية طوفان الأقصى في أكتوبر 2023، برزت متغيرات استراتيجية كشفت حدود هذا النفوذ، وأظهرت أن الغرب، أوروبا وأميركا معاً، يقف اليوم على مفترق طرق بين الوطنية السياسية ومشروع التوراة الأيديولوجي، بين مصالحه البراغماتية ومغامرات التوسع الديني الصهيوني.
أولاً: المقارنة بين الموقفين الأوروبي والأميركي من المشروع التوراتي:
تكشف المقارنة عن تباين استراتيجي عميق، له انعكاسات مباشرة على مستقبل النظام الدولي. أوروبا تعاملت مع الصهيونية منذ بدايات القرن العشرين كحل لمشكلتها التاريخية مع اليهود، فزرعت لهم كياناً في فلسطين ليكون قاعدة عسكرية تخدم مصالحها ويحول دون قيام وحدة عربية. غير أن هذا الكيان تجاوز وظيفته المحددة، وأخذ يتبنى مشروعاً توراتياً توسعياً يهدد بابتلاع الغرب نفسه في خدمة أهداف دينية إلغائية. ومع عملية طوفان الأقصى، بدأت أوروبا تدرك أن العبء الصهيوني لم يعد قابلاً للتحمل، فظهرت بوادر تراجع عن الدعم المطلق، كما في الموقف الأخير بالامتناع عن استخدام الفيتو ضد قرار وقف إطلاق النار في غزة.
أما الولايات المتحدة، فقد ورثت العلاقة مع الكيان الصهيوني من أوروبا، لكنها وظفته أساساً لحماية مصالحها الاقتصادية والنفطية تحت شعار أميركا أولاً. غير أن الرأسمالية الصهيونية داخل أميركا عملت على تحويل هذه القاعدة العسكرية إلى أداة لمشروع توراتي عالمي، ما خلق تناقضاً داخلياً بين تيار وطني أميركي يسعى لحماية المصالح القومية، وتيار صهيوني يوظف النفوذ الأميركي لخدمة “شعب الله المختار”. هذا التناقض ظهر بوضوح في الخلافات بين بايدن ونتنياهو بعد طوفان الأقصى، حيث بدا أن واشنطن نفسها تعيش صراعاً بين الوطنية الأميركية والمشروع التوراتي.
الانعكاس الاستراتيجي لهذا التباين يتمثل في أن أوروبا قد تميل إلى إعادة ضبط علاقتها مع الكيان الصهيوني لتخفيف العبء التاريخي، بينما أميركا تواجه معركة داخلية بين تيارين متناقضين. النتيجة أن الغرب ككل يقف أمام لحظة مفصلية: إما أن يستعيد استقلالية قراره السياسي والاقتصادي، أو ينزلق إلى خدمة مشروع ديني سياسي يهدد بتقويض النظام الدولي القائم. هذه اللحظة قد تحدد ملامح التوازنات العالمية لعقود قادمة، وتجعل من الصراع بين الوطنية والتوراتية محوراً رئيسياً في رسم مستقبل العلاقات الدولية.
ثانياً: وأما عن المنظور الأوروبي في العلاقة مع “المسألة اليهودية” والصهيونية، فقد تطور الموقف الغربي عبر التاريخ وصولاً إلى المتغيرات بعد عملية طوفان الأقصى:
1-الجذور التاريخية: العلاقة بين الأوروبيين واليهود اتسمت بالتنابذ، بسبب صورة اليهودي المرابي الجشع، ورفضه الاندماج في المجتمعات، إضافة إلى الدور المنسوب لهم في صلب المسيح. هذه الصور رسخت في الوعي الأوروبي، رغم محاولات الصهيونية وصمها بـ”معاداة السامية”. ومن تلك الأمثلة:
أ-مسرحية تاجر البندقية لشكسبير التي أبرزت صورة المرابي القاسي.
بـ-اضطهاد النازيين لليهود، مبرراً بأنهم يحملون عداءً دفيناً للمجتمعات الأوروبية.
جـ-المشروع الصهيوني في فلسطين: مؤتمر كامبل بانرمان (1905–1907) كشف حاجة أوروبا لزرع كيان في فلسطين يكون صديقاً للغرب وعدواً للعرب، لمنع الوحدة العربية بعد سقوط الدولة العثمانية. وأما الصهيونية من جانبها فقد رأت في فلسطين “أرض الميعاد”، أي مشروع توراتي أيديولوجي.
2-وظيفة الكيان الصهيوني: الغرب شرّع قيام “الدولة اليهودية” كقاعدة عسكرية لحماية مصالحه. لكن مع إعلان “يهودية الدولة” في الربع الأول من القرن الواحد والعشرين، بدأ المشروع يتجاوز وظيفته العسكرية نحو مشروع توراتي توسعي، يهدد بجرّ الغرب إلى خدمة أهداف دينية إلغائية.
3-الموقف الغربي الحديث: أوروبا وأميركا تعاملتا ببراغماتية، معتبرة أن دعم الحكومات الصهيونية يكسبها أوراقاً انتخابية ودعماً مالياً. ولكن بعد عملية طوفان الأقصى (7 أكتوبر 2023)، بدأ هذا الدعم المطلق يتراجع تدريجياً، وبلغ ذروته في 25 آذار 2024 حين امتنعت الولايات المتحدة عن استخدام الفيتو ضد مشروع قرار أوروبي لوقف إطلاق النار في غزة.
-الاستنتاج: المشروع الصهيوني تجاوز العقد التاريخي مع أوروبا، وتحول من قاعدة عسكرية لحماية مصالح الغرب إلى قاعدة لتصدير مشروع توراتي عالمي. الغرب الذي تخلص من “الوجه اليهودي القبيح” في أوروبا، يجد نفسه اليوم مهدداً بأن يصبح أداة في خدمة مشروع ديني سياسي يهودي.
ثالثاً: المنظور الأميركي في العلاقة مع الكيان الصهيوني، ويبرز التمايز بين الرأسمالية الأميركية الوطنية والرأسمالية الصهيونية داخل الولايات المتحدة، ومن أهم معالمه:
1-انتقال العلاقة بالوراثة: بعد الحرب العالمية الثانية ورثت أميركا العلاقة مع الكيان الصهيوني من بريطانيا وفرنسا، واستخدمته كقاعدة عسكرية لحماية مصالحها، خصوصاً بعد اكتشاف النفط في السعودية.
2-هوية الرأسمالية الأميركية: تأسست على قاعدة علمانية، يقودها حزبان رئيسيان (الديمقراطي والجمهوري)، يجمعهما شعار استراتيجي واحد: أميركا أولاً. لم تميز بين رأسمالية مسيحية أو يهودية، بل كانت ذات طابع أميركي عام.
3-تغلغل الرأسمالية الصهيونية: مع انتقال الثقل الصهيوني إلى أميركا، بدأت ببناء مواقع نفوذ داخل مؤسسات الدولة السياسية والعسكرية والأمنية، عبر المال والدعم الانتخابي، لتفرض أجندتها الخاصة.
4-التناقض بين الوظيفتين: الرأسمالية الأميركية رأت في الكيان الصهيوني قاعدة ردع عسكرية لحماية مصالحها الاقتصادية. بينما الرأسمالية الصهيونية وظفته لمشروع توراتي عالمي، تحت شعار “شعب الله المختار”، بهدف السيطرة على العالم، في مقابل شعار أميركا “نحو قرن أميركي”.
من أولى ملامح التناقض، كان في حادثة العدوان الثلاثي (1956): تدخل الرئيس الأميركي أيزنهاور لإيقاف العدوان على مصر، ما كشف التمايز بين الرأسمالية الأميركية الوطنية التي رأت العدوان تهديداً لمصالحها، والرأسمالية الصهيونية التي دعمته خدمة لمشروعها.
ما بعد طوفان الأقصى: الخلافات بين الرئيس جو بايدن ونتنياهو أبرزت هذا التمايز مجدداً. بايدن، ممثل التيار الوطني الأميركي، دخل في صدام غير مسبوق مع نتنياهو الذي يمثل المشروع التوراتي الصهيوني، ما يعكس وجود “حكومة خفية” مشتركة من نخب أميركية وصهيونية، لكنها ليست خاضعة بالكامل للصهيونية كما يُشاع.
5-الاستنتاج: العلاقة الأميركية – الصهيونية ليست وحدة متجانسة، بل هي صراع داخلي بين تيارين: تيار وطني أميركي يضع مصالح أميركا أولاً. وتيار صهيوني يسعى لتوظيف أميركا في خدمة مشروع توراتي عالمي. وإن هذا الصراع يفسر التوترات الأخيرة في الموقف الأميركي من حرب غزة بعد عملية طوفان الأقصى.
خاتمة المقال
إن قراءة التحولات الراهنة تكشف أن المشروع الصهيوني تجاوز الدور الذي أُنيط به تاريخياً كقاعدة عسكرية لحماية مصالح الغرب، وتحول إلى مشروع توراتي يسعى لفرض هيمنته على العالم. أوروبا بدأت تدرك ثقل هذا العبء، وأميركا تواجه صراعاً داخلياً بين تيار قومي يرفع شعار أميركا أولاً وتيار صهيوني يوظف قوتها لخدمة “شعب الله المختار”.
يشكّل ما بعد طوفان الأقصى مرحلة مفصلية في العلاقات الدولية، إذ يضع القوى الغربية أمام خيار استراتيجي حاسم: إما إعادة هيكلة العلاقة مع الكيان الصهيوني بما يتوافق مع المصالح القومية الغربية، أو الانخراط في مشروع ديني–سياسي ذي طابع توسعي يهدد بإعادة تشكيل التوازنات العالمية. في هذا السياق، يمكن النظر إلى اللحظة الراهنة باعتبارها اختباراً تاريخياً ستترتب عليه انعكاسات بعيدة المدى على النظام الدولي.
من منظور تحليلي، يبدو أن التوتر بين المشروع القومي الغربي (الأميركي–الأوروبي) والمشروع التوراتي–الصهيوني يتجه نحو مواجهة حتمية، قد تبدأ من خلال البحث عن تسوية جذرية للقضية الفلسطينية. هذه التسوية تستهدف حصر المشروع التوراتي ضمن الرقعة التي خُصِّصت له في قرار التقسيم لعام 1948، بما يعيد وظيفة “إسرائيل” إلى دورها الأصلي كما ورد في وثائق مؤتمر كامبل بانرمان، أي ضمن حدود تقيّد النزعة التوسعية التي تهدد المصالح الاقتصادية الغربية في المنطقة العربية. كما أن هذا الحل يهدف إلى تعطيل الخطاب الأيديولوجي التوسعي المتمثل في شعار: «أرضك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل».
في حال غياب مثل هذا الحل، ستظل المنطقة عرضة لصراعات عسكرية متكررة، وستبقى مستويات التوتر مرتفعة بأشكال متعددة، وهو ما يتعارض مع الاستراتيجية الغربية القائمة على توفير بيئة مستقرة وآمنة تتيح تدفق الاستثمارات ورأس المال في الشرق الأوسط.




