تحقيقات وتقارير

ترامب حدَّد مهلة الشهر للدبلوماسية: رسائل القوة ببُعدها السياسي تتوالى… وجديدها سلاح «المُربك»

ترامب حدَّد مهلة الشهر للدبلوماسية: رسائل القوة ببُعدها السياسي تتوالى… وجديدها سلاح «المُربك»

رلى موفّق

بين تسوية قسرية تحت ضغط الوقت والقوة، وتصعيد محسوب يُراد له أن يكون قصيراً وحاسماً، يبقى السؤال عمَّا إذا كانت مهلة الشهر موعداً نهائياً أم أداة لإعادة تشكيل ميزان الردع.

رسم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إطاراً زمنياً لخيار الدبلوماسية مع إيران. تحدَّث عن مهلة الشهر في المسار التفاوضي للتوصل إلى اتفاق نهائي حول «النووي الإيراني» وليس اتفاقاً مرحلياً. سبق تحديد المهلة قوله لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في زيارته الخاطفة إلى «البيت الأبيض»، أنه ما زال يرى أن المفاوضات مع إيران يجب أن تستمر، رغم تحفّظات تل أبيب وطلبها توسيع موضوع المفاوضات لتشمل الأمن الإسرائيلي والصواريخ الباليستية.
تختلف المقاربة الأمريكية الحالية عن مرحلتَي باراك أوباما وحتى الولاية الأولى لترامب. فالمشهد الإقليمي تغيَّر بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وتغيَّر البرنامج النووي الإيراني نفسه، مع امتلاك طهران مخزوناً يفوق 400 كلغ من اليورانيوم المخصَّب بنسبة 60 في المئة من النقاء، وتطوير قدراتها الصاروخية الباليستية والمسيَّرات، وتراجع فعالية الردع التقليدي.
يذهب الطرح الأمريكي إلى أبعد من مجرد «تجميد» نووي محدود. المطلوب إخراج اليورانيوم المخصَّب من إيران، ووقف كامل للتخصيب، وضمانات رقابية تحول دون إعادة بناء المسار نحو نسبة 90 في المئة من النقاء. ولكن هذا بذاته لن يكون كافياً، إزاء دوائر الضغط، سواء أكانت أمريكية أم إسرائيلية أم حتى إقليمية، التي ترى أن أي اتفاق لا يُعالج جذور التهديد، من النووي إلى الصاروخي والأذرع، سيُعيد بصيغة معدّلة إنتاج نموذج «اتفاق 2015» الذي خرج منه ترامب منذ سنوات بوصفه «اتفاقاً سيئاً».
يريد ترامب ضربة مدروسة خاطفة ومدمرة تقلب الموازين وتحقق له النجاح. ربما كان طموحه يغلب عليه الكثير من الآمال والطموح المبالغ فيه، ولكن بعد عملية فنزويلا النظيفة والسلاح الجديد، قد تبدو مراهناته تحتوي على قدر من الثقة نظراً إلى امتلاك الولايات المتحدة قدرات تقنية غير مُعلنة بالكامل، بحيث تحدَّث خلال لقائه الوحدة التي نفذت عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، في قاعدة فورت براغ العسكرية في ولاية كارولاينا الشمالية، عن «السلاح السري» الجديد الذي أطلق عليه اسم «المُربك»، قائلاً: «إن هذا النظام مكَّن القوات الأمريكية من شلّ جزء كبير من منظومات الدفاع الفنزويلية خلال العملية»، مشيراً إلى أن «الطرف الآخر لم يتمكن حتى من إطلاق أي شيء»، في إشارة إلى فعالية قدرات الحرب الإلكترونية أو التشويش المتقدمة المستخدمة. بغض النظر عن التفاصيل التقنية، فإن الكشف العلني عن قدرات تشويش أو تعطيل متقدمة يحمل دلالة واضحة على قدرة القوات الأمريكية على تحييد أنظمة دفاع معقدة، بما فيها الروسية أو الصينية الصنع، ما يوجّه رسالة مباشرة إلى إيران التي تعتمد على بنى دفاعية مماثلة.
ويخدم هذا الخطاب هدفين، أولاً: تعزيز صورة التفوُّق التكنولوجي الأمريكي أمام الرأي العام الداخلي؛ وثانياً: رفع كلفة الرفض الإيراني عبر إظهار أن خيارات الضربة «الذكية» متاحة وقابلة للتنفيذ بسرعة ومن دون حرب تقليدية واسعة.

الحشد العسكري…
رسالة تتجاوز الردع

وفيما كان ترامب يُعلن عن انضمام حاملة الطائرات جيرارد فورد ومجموعتها القتالية إلى القوة العسكرية في الشرق الأوسط، أرفقها برسالة مفادها «أن إيران رفضت في الماضي اتفاقًا، وتعرّضت عقب ذلك لضربة مطرقة الليل، وآمل أن تكون طهران أكثر عقلانية هذه المرة، فإذا أمكن التوصل إلى صفقة مع طهران فسيكون ذلك الأفضل، وإن لم يحدث فستكون هناك نتائج أخرى منتظرة».
يؤكد المراقبون العسكريون أن حجم الانتشار البحري الأمريكي في المنطقة، يقترب من المستوى الذي سُجِّل إبان «حرب 12 يوماً». هذا الانتشار، من حيث حجمه وتنوع تسليحه، وتكامل القدرات الجوية والدفاعية إضافة إلى كثافة طائرات التزوّد بالوقود المنتشرة في مسارح قريبة، يوحي بأن الأمر يتجاوز مجرد استعراض قوة للتفاوض، ويعكس الاستعداد معاً للضربة المحتملة، وللتعامل مع أي رد عكسي قد يليها.
وتُرجِّح قراءات الخيار العسكري أن يكون النمط مختلفاً عن حروب تقليدية طويلة. الحديث يدور عن ضربات مكثفة وقصيرة الأمد (24 إلى 48 ساعة)، تستهدف ما تبقى من منظومات الدفاع الجوي والرادارات ومراكز القيادة والسيطرة، وبعض من مراكز الحكم، ومنشآت الحرس الثوري، ومنصات إطلاق الصواريخ والمسيَّرات ومراكز تصنيعهما، وربما قدرات بحرية لإخراجها من المعادلة. الهدف الأوَّلي سيكون «فتح الأجواء» وتحييد عناصر الردع الأساسية، على أن تتبع ذلك ضربات متقطعة تُضعف البنية الصلبة للنظام ومفاصل قوته تدريجياً، بالتوازي مع تشديد العقوبات والحصار النفطي وخلق بيئة ضاغطة داخلياً وخارجياً، من دون الانزلاق إلى حرب شاملة طويلة.
غير أن سقف المطالب «الترامبية» يصطدم برفض إيراني متوقّع، ما يجعل المهلة الزمنية أقرب إلى اختبار نيَّات منه إلى تفاوض طويل. من زاوية النظرة الإيرانية، بالكاد تكفي مهلة الشهر لتثبيت أرضية تفاوضية جدّية، فكيف بصوغ اتفاق نهائي ومعقّد. طهران تريد إطالة أمد التفاوض لتمرير الوقت والاقتراب من انتهاء فترة ولاية ترامب. ويبدو مستبعداً أن تقبل بشروط ترى فيها مساساً ببنية النظام أو تهديداً لجوهره الاستراتيجي. ووفق المؤشرات الحالية، لا يظهر أن النظام الإيراني في وارد تقديم تنازلات جوهرية. ما قاله وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قبل أيام بأن طهران «فصلت المسار الدبلوماسي عن القيادة العسكرية وتركت لها اتخاذ قراراتها»، يُعتبر إشارة إلى السعي لتحصين القرار العسكري وتفادي الوقوع، بحسب تعبيره، في ما يعتبرونه «خدعة» جديدة. وتُشير المعطيات إلى أن إيران باشرت بتعزيز منظوماتها الدفاعية عبر إدخال أنظمة حرب إلكترونية وتشويش راداري متقدمة حصلت عليها من روسيا والصين، تتضمن قدرات على إرباك منظومات الاستشعار والإنذار المبكر، وتعطيل تتبّع الأهداف الجوية، وتقليص فعالية الرادارات المعادية. لا تندرج هذه الخطوات فقط في سياق أوراق ضغط تفاوضية مقابلة، بل تؤشر إلى رفع مستوى الجاهزية تحسباً لسيناريوهات تصعيد عسكري محتمل.
ويبقى أن القرار النهائي بالاتجاه الذي ستسير إليه الأمور مربوط بشخص واحد اسمه دونالد ترامب. فعلى عقاربه تسير المنطقة، ويحبس العالم أنفاسه. في الاستنتاجات أن ترامب يريد اتفاقاً بشروط مشددة خلال مهلة قصيرة، أو مواجهة عسكرية خاطفة تُعيد رسم قواعد الاشتباك. غير أن الضربة المحدودة قد لا تُغيِّر جوهر السلوك الإيراني ما لم تقترن باستراتيجية طويلة المدى، ما دامت العملية الواسعة لإسقاط الدولة، على غرار سيناريو العراق، غير مطروحة سياسياً وعسكرياً.
فبين تسوية قسرية تحت ضغط الوقت والقوة، وبين تصعيد محسوب يُراد له أن يكون قصيراً وحاسماً، يبقى السؤال عمَّا إذا كانت مهلة الشهر موعداً نهائياً أم أداة لإعادة تشكيل ميزان الردع، ودفع طهران إلى اتخاذ القرار المصيري والمؤلم: تجرُّع كأس السم مرَّة جديدة!.

القدس العربي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب