الانسحاب الأمريكي من التنف: فرصة اقتصادية وأمنية لسوريا

الانسحاب الأمريكي من التنف: فرصة اقتصادية وأمنية لسوريا
منهل باريش
يبدو أن الاستراتيجية الأمريكية تتجه نحو تقليص الوجود في النقاط المكشوفة مقابل تعزيز الحضور في مواقع محصّنة، مع الإبقاء على هامش تدخل سريع عند الضرورة.
اتخذت وزارة الحرب الأمريكية «البنتاغون» خلال أقل من 72 ساعة قرارين بارزين يتعلقان بطبيعة حضورها العسكري في سوريا، في مؤشر واضح إلى تحول استراتيجي يتجاوز فكرة إعادة الانتشار التكتيكي نحو إعادة صياغة أوسع لدور واشنطن في المشهد الأمني شرق البلاد.
تمثل القرار الأول في الانسحاب المنظم من قاعدة التنف، التي شكّلت لسنوات ركيزة النفوذ الأمريكي عند المثلث الحدودي مع العراق والأردن، بينما جاء القرار الثاني عبر نقل آلاف من معتقلي تنظيم «الدولة الإسلامية» إلى العراق، وهي خطوة شديدة الحساسية خصوصًا مع التوتر الحاصل بين أمريكا والعراق عقب إعلان نوري المالكي ترشحه لمنصب رئيس وزراء الحكومة مرة أخرى. وبين القرارين تتبدى ملامح مقاربة أمريكية مختلفة قوامها تقليص الانخراط المباشر، مقابل توسيع أدوار الفاعلين المحليين وإعادة توزيع الأعباء الأمنية على الأجهزة الأمنية السورية والعراقية، خصوصًا بعد انضمام إدارة الرئيس الشرع إلى التحالف الدولي للقضاء على التنظيم.
انسحاب أمريكي
من طريق طهران- بيروت
وفي هذا السياق، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية «سنتكوم» أن قواتها «أنهت مغادرة منظّمة من قاعدة التنف في سوريا في إطار انتقال مدروس ومشروط تنفّذه قوة المهام المشتركة – عملية العزم الصلب»، وهي صياغة تعكس حرص القيادة المركزية على تقديم الخطوة باعتبارها إعادة تموضع محسوبة، لا انسحابًا تحت الضغط. وتعزيزًا لهذا المعنى، أكد قائد القيادة المركزية الأدميرال براد كوبر أن «القوات الأمريكية تظل على أهبة الاستعداد للرد على أي تهديدات لداعش قد تنشأ في المنطقة»، مضيفًا أن واشنطن ستواصل «دعم الجهود التي يقودها الشركاء لمنع عودة الشبكة الإرهابية»، ومشددًا في الوقت ذاته على أن «الحفاظ على الضغط على داعش أمر أساسي لحماية الأراضي الأمريكية وتعزيز الأمن الإقليمي».
وبالتوازي مع ذلك، ترجّح تقديرات عسكرية أن إعادة التموضع الأمريكية لن تكون بعيدة جغرافيًا، بل ستتجه على الأرجح نحو داخل الأراضي الأردنية، وتحديدًا إلى موقع «البرج 22»، القاعدة اللوجستية القريبة من الحدود السورية والتي تُستخدم مركزًا للمراقبة والإسناد.
غير أن هذا الموقع ليس بمنأى عن التهديدات؛ فقد سبق أن تعرض لهجوم مطلع عام 2024 عندما استهدفته طائرة مسيّرة ثابتة الجناح في هجوم تبنته «المقاومة الإسلامية في العراق»، وهي مظلة لفصائل مسلحة مدعومة من إيران كانت تعلن تبني الهجمات التي تشنها الفصائل العراقية ضد المواقع الأمريكية في سوريا ولاحقًا ضد إسرائيل، قبل سقوط نظام الأسد.
وأسفر ذلك الهجوم عن مقتل ثلاثة جنود أمريكيين وإصابة أكثر من أربعين آخرين، في حادثة وُصفت حينها بأنها الأخطر على القوات الأمريكية منذ سنوات، ودَفعت واشنطن إلى تنفيذ ضربات انتقامية ضد أهداف مرتبطة بتلك الفصائل في سوريا والعراق. وكان الجنود القتلى يخدمون في قوات احتياط الجيش الأمريكي ضمن السرية الهندسية 718 التابعة للواء الهندسي 926 المتمركز أساسًا في فورت مور، جورجيا، حسبما قالت المتحدثة باسم البنتاغون حينها، ما يعكس الطابع اللوجستي للموقع رغم وقوعه في بيئة عملياتية عالية المخاطر، على اعتبار أن «البرج 22» يقع على مثلث الحدود الصحراوي بين العراق وسوريا والأردن.
وعليه، فإن احتمال الانتقال إلى «البرج 22» يوحي بأن واشنطن تميل إلى التموضع داخل حدود حليف إقليمي أكثر استقرارًا، في محاولة لخفض قابلية الاستهداف دون التفريط بقدرتها على مراقبة الحدود السورية ومسارات البادية. وبعبارة أخرى، يبدو أن الاستراتيجية الأمريكية تتجه نحو تقليص الوجود في النقاط المكشوفة مقابل تعزيز الحضور في مواقع محصّنة، مع الإبقاء على هامش تدخل سريع عند الضرورة، حيث ستكون القوات الحكومية الرسمية هي الأداة الضاربة ميدانيًا ضد خلايا تنظيم «الدولة الإسلامية»، فيما يتراجع دور التحالف الدولي إلى التوجيه والإشراف.
انتشار القوات الحكومية في منطقة 55
ميدانيًا، أفادت مصادر «القدس العربي» بأن الفرقة 54 التابعة لوزارة الدفاع السورية باشرت الانتشار داخل قاعدة التنف وعلى امتداد النقاط الحدودية مع العراق، عقب استقدام تعزيزات عسكرية إلى المنطقة، في تحرك يعكس رغبة دمشق في ملء الفراغ الأمني دون إبطاء. ووفقًا للمصادر، جاء تسلّم القاعدة مباشرة بعد انسحاب قوات التحالف الدولي باتجاه الأردن، فيما لا تزال المنطقة تضم انتشارًا لعناصر مديرية أمن التنف، وهم مقاتلون سابقون في «جيش سورية الحرة» جرى دمجهم لاحقًا ضمن إدارة أمن البادية السورية.
وتوحي هذه الترتيبات بأن السلطات السورية تسعى إلى سد الفراغ والاعتماد على عناصر موثوقين من قبل التحالف الدولي جرى تجريبهم خلال السنوات السابقة ويختبرون منطقة الـ55 كم أكثر من باقي وحدات وفرق الجيش الجديد، الأمر الذي يعزز قدرة القوات الحكومية على ضبط واحدة من أكثر المناطق أهمية على المستوى الأمني. فهذه الوحدات ستتحمل مسؤولية حماية «البرج 22» المجاور للحدود السورية وتمنع أي تسلل من الأراضي السورية باتجاه البرج المذكور وعمق الأراضي الأردنية.
ومن زاوية أخرى، لا تنحصر تداعيات الانسحاب في البعد العسكري فحسب؛ إذ يرجح أن يمهّد الطريق لإعادة تشغيل معبر التنف، بما يحمله ذلك من أبعاد سيادية واقتصادية لدمشق. فالمعابر الحدودية، في السياق السوري، لم تكن مجرد بوابات عبور، بل أدوات نفوذ ومصادر دخل في آن واحد. وإذا ما دخل المعبر الخدمة، فسيمنح إدارة الرئيس المؤقت أحمد الشرع فرصة للاستفادة من حركة التجارة البرية مع العراق، وهو ما قد يشكل متنفسًا اقتصاديًا في مرحلة شديدة التعقيد، تعاني الحكومة السورية فيها من قلة الموارد وتعتمد بشكل كبير على إيرادات المعابر والمنافذ البرية والبحرية.
الخلاص من ورقة «سجون داعش»
أما القرار الثاني، فقد تمثل في إعلان سنتكوم إنجاز «مهمة نقل عقب رحلة ليلية من شمال شرق سوريا إلى العراق بهدف ضمان بقاء معتقلي داعش في مرافق احتجاز آمنة». واستمرت العملية 23 يومًا وانتهت بنقل أكثر من 5.700 مقاتل إلى عهدة السلطات العراقية. وفي معرض تعليقه، قال الأدميرال كوبر: «أحسنتم العمل لجميع أفراد فريق القوة المشتركة الذين نفذوا هذه المهمة الاستثنائية بالغة الصعوبة برًا وجوًا بتركيز عالٍ واحترافية وتعاون وثيق مع شركائنا الإقليميين»، مضيفًا أن الولايات المتحدة «تُقدّر قيادة العراق وإدراكه لأهمية نقل المعتقلين في تعزيز الأمن الإقليمي».
بدوره، أوضح اللواء كيفن لامبرت، قائد قوة المهام المشتركة – عملية العزم الصلب، أن «التنفيذ الناجح لهذه العملية المنظمة والآمنة لنقل المعتقلين سيساعد على منع عودة تنظيم داعش في سوريا»، في إشارة إلى أن ضبط ملف السجون بات جزءًا من استراتيجية الوقاية المبكرة لا مجرد إجراء أمني.
في المقابل، يحمل هذا التحول رسالة لا تخطئها قوات سوريا الديمقراطية «قسد»، التي لطالما استندت إلى ورقة السجون لتعزيز موقعها التفاوضي. فحين تبادر أمريكا إلى نقل المعتقلين خارج مناطق سيطرة «قسد»، فإنها عمليًا تقلّص إحدى أهم أدوات الضغط التي امتلكتها الإدارة الذاتية طوال سنوات. وبذلك، يعاد رسم ميزان النفوذ في شمال وشرق سوريا ضمن معادلة أقل اعتمادًا على عامل الخطر الأمني.
مع ذلك، لا يعني هذا التحول تخلي واشنطن الكامل عن شركائها، بقدر ما يعكس إعادة تعريف للعلاقة ضمن سقف أكثر براغماتية. فبعد الهزيمة الإقليمية لتنظيم «الدولة» في الباغوز عام 2019، بات السؤال حول جدوى الانتشار العسكري المكلف أكثر إلحاحًا، خصوصًا مع تراجع التهديد المباشر للتنظيم وتقليل الأكلاف المادية من خلال الاعتماد على السلطات المركزية.
في الاتجاه ذاته، تبدو الرسالة موجهة أيضًا إلى بغداد، التي يغدو دورها أكثر مركزية مع استلامها آلاف المعتقلين. صحيح أن الخطوة تفرض أعباء أمنية إضافية، لكنها في المقابل تعزز موقع العراق كشريك رئيسي في منظومة مكافحة الإرهاب وتعيد ربط الأمن الحدودي بين البلدين ضمن إطار تعاون أوثق.
ورغم كل ذلك، تحرص القيادة المركزية على التأكيد أن إعادة التموضع لا تعني الانكفاء؛ إذ أشارت إلى أن القوات الأمريكية «ضربت أكثر من 100 هدف باستخدام أكثر من 350 ذخيرة دقيقة، واعتقلت أو قتلت أكثر من 50 إرهابيًا»، في رسالة مفادها أن واشنطن لا تغادر بقدر ما تعيد ترتيب أدوات حضورها.
خلاصة القول، إن الانسحاب من التنف يتجاوز كونه خطوة عسكرية ليغدو علامة فارقة في مسار الصراع السوري. فهو يفتح الباب أمام إعادة تفعيل الحدود وتطبيع العلاقات بين بغداد ودمشق، ويمنح الأخيرة فرصة لترسيخ سلطتها عبر الاقتصاد والأمن، ويقلّص أوراق الضغط لدى «قسد»، فيما يعزز دور العراق ضمن معادلة إقليمية آخذة في التشكل.
القدس العربي




