مقالات

فلسطين في قلب الذاكرة النابضة

 فلسطين في قلب الذاكرة النابضة

د. نضير الخزرجي

لطالما نكرر مع أنفسنا في مواقع البلاء والضراء أو في مواقع الرخاء والسراء أن “النسيان نعمة”، نسيان لمواقف مؤلمة مرّت في حياتنا تجاوزنها بعد لأيٍ ومرارة، نسيان لحوادث طيبة نقلتنا إلى حوادث أكثر طيبة وسرور، قد نستحضر المواقف بخيرها وشرها، ليس للتفاعل معها ومحاكاتها مع النفس كأننا للتو نزلنا دائرتها وحومتها، وإنما لاستذكارها عند حديث مع صديق أو ذي رحم، أو من باب ضرب المثل، تقف الواقعة إلى الصفوف الأولى من الذاكرة لحدث نراه أو رأيناه لتونا أعاد بنا الذاكرة إلى الماضي القريب أو السحيق، وحتى لو استدعينا الحدث أو الواقعة من قاع الذاكرة فإنها لا تأتي صافية كما وقعت، وإنما تأتينا وقد اعترتها ندوب الزمن وران عليها غبار الدهر، كأنها ذاكرة مرآة مغبرة أو متكسرة تعكس صورة غائمة أو ملامح متكسرة غير جامعة لكل خطوط المحيا، ولهذا شاع بين الأنام إذا ما أصيب أحدنا بمكروه رمينا عليه مشهور العبارة: “تكبر تنسى”، بلحاظ أن عجلة الزمن لها أن تسحق معالم الذاكرة.

ولكن مع أن مرور الأيام وكرور السنوات على حدث ضار أو سار، تمحو معها الكثير من المعالم وتبقي على بقايا أطلال من الذكرى، فإن بعض الحوادث أو الذكريات ولاسيما المؤلمة منها تظل عالقة في الذاكرة كلما كان الجرح غائراً وقد ترك أثراً في النفس أو الجسد، فما بالك إذا كان الجرح ندياً ينزف بين فترة وأخرى أو يظل نازفاً، فعندها لا معنى للنسيان ولا تتحقق مقولة “النسيان نعمة” ولا مقولة “تكبر تنسى”، لأن المرء يكبر ومعه الجرح ينزف، فجرحه دقات عقارب ساعة فاعلة تضرب طبلة وجوده وصميم كيانه، يعيش ساعات يومه وجرحه معه، وإذا أنسته الأيام بما تمن عليه من سويعات حبور، أعاد إليه الخنجر المسموم المغروس في جرحه وعيه وذاكرته.

هذا الجرح النازف على مستوى الفرد، فكيف إذا كان على مستوى شعب أو امة بكاملها، فإن النسيان هنا بحكم العدم، والذاكرة هي الشاخصة، كالعمود الشاخص لزوال الشمس، يحكي ظله على الأرض حلول أذان الظهر، من هنا كانت فلسطين الجرح النازف الذي يغسل ما درن على مرآة الذاكرة المتجددة كلما أوغل المحتل في الجرح الفلسطيني.

هذا المعنى الظاهر في خارطة الأمة تلقفه الأديب المحقق آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي وأفرغه في وعاء الأدب نثراً وشعراً عبر كتابه الجديد الذي أسماه “فلسطين في الذاكرة حتى النصر، الذي صدر مطلع العام 2026م (1447هـ) عن مركز النجف الأشرف للتأليف والتوثيق والنشر بالتعاون مع بيت العلم للنابهين في بيروت في 365 صفحة من القطع الوزيري، حيث راجعه وعلّق عليه الباحث العراقي المقيم في لندن الدكتور نضير الخزرجي (الكاتب)، وقدَّم له وقرَّظه الشاعر الجزائري المقيم في لندن الدكتور عبد العزيز شَبِّين، وكانت للأديب اللبناني الشاعر عبد الحسن دهيني كلمة الناشر وللعلامة الشيخ محمد عزِّ الدين الكرباسي كلمة مركز النجف الأشرف للتأليف والتوثيق والنشر.

الذاكرة المتجددة

كلنا يتذكر أو يستذكر ملعب صباه الذي فيه كان مسقط رأسه ونشوئه وخزين أيامه وعيبة ذكرياته، ولكن الفقيه الكرباسي المولود في كربلاء المقدسة بالعراق له مع فلسطين ذكرى من نوع يفصح عنها في التمهيد للكتاب حيث يقول: (منذ أن كنت جنيناً في رحم الطاهرة -والدتي- بأرض طاهرة، وبجوار روضة طاهرة قرعَ سمعي اسم فلسطين، وقد صاحبني هذا الاسم بمفرداته المركبة والتي عبّرت عن الفاء برمز الفداء، واللام اللوم، والسين السعي، والطاء الطبول، وياء اليقين، ونون النصر، عندها سَعيتُ سعيي فطفتُ في مكاني لأعيش الأمنيات رغمَ كلِّ المآسي، وما كان منّي إلا أن أتقلّبُ يميناً وشمالاً، حيث ولدت في العام الذي احتلوا أرضي وغَصَبوا تراثي، فقلت في نفسي بعدما عرفتها لابد من أن أعيش لأرى الانتصار بعيني وأسمع صوت طبول الانتصار بأُذني وأزور العتبات برجلي بسعيٍ وأطوف حول القدس التي قدّسها الله تعالى، وشرّفها الرسول صلى الله عليه وآله وسلَّم بمَسراه، وعُرج منها الى السماء).

غرسة الحب التي نبتت في دواخل الكرباسي وعبّر عنها نثراً في التمهيد، أفصح عنها شعراً بتخميسة قال فيها:

فلسطينُ أرضي وعشقي وديني

فللمُصطفى لمسةٌ قد أضاءتْ

لنا درب عزٍّ منها قد تراءتْ

خطونا عليها بعزمٍ فجاءَتْ

مِنَ الله نصراً ولوْ بعدَ حينِ

وهو بذلك يذكرنا بأنَّ النصر مهما طال الزمن قادم، والشعب الذي لا ينسى جرحه الغائر سيكون النصر حليفه ولو بعد حين، والأمَّة التي تنتصر لبني جلدتها أمَّة حيَّة ما برحت تقبض على مقود النصرة مستنة بما أوصانا به نبي الإنسانية محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآل وسلم وأكَّد عليه: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)، من هنا كما يؤكد الأديب عبد الحسن دهيني في مقدمة الناشر: (فلسطين في الذاكرة.. وستبقى في الذاكرة.. بل ستبقى في قلب وعقل كل شريف حرٍّ أبيٍّ، رافض للظلم والقهر واحتلال الأرض وداعم لفلسطين وللشعب الفلسطيني.. وستبقى مقاومة الشعب الفلسطيني حيَّة حتى تحريرها وعودتها إلى أهلها وبنيها مهما طال الزمن، فالاحتلال إلى زوال، والأرض ستعود لأصحابها رغم علوِّ العدو وغطرسته، لأنَّ السنن الإلهية تقول: ما ضاع حق وراءه مطالب، وسوف يتحقق النصر قريباً بإذن الله تعالى).

وبتعبير الدكتور عبد العزيز شَبين في التقديم: (هي تلك فلسطین في ذاکرة الكرباسي حتَّی النَّصر، يعیش أحلام البلد والمدینة والقریة والزَّيتون والفداء، وَیَتخیَّلُ عَروسَ شرقِ البحر المتوسِّط بین زَخارفَ خُضْرٍ مِنْ عراٸسِ الأسماء، الثكلی التي تٸد الأحلام والأفراح في ربیع العمر المتکسِّر علی أرصفة الهجیر، الحروف بین أصابع صاحب الدیوان ظمأی تَتَمشَّی علی سکاکینَ من السَّعیر).

وفلسطين في ضمير المؤلف قضية حيَّة وحلم لابد أن يتحقق فيه التحرير، وكما يفيد الدكتور شَبين: (یری الکرباسيُّ الفَتی فلسطین في الحلم مدینة من ریاض تتوشَّی بعضا من فساتین أعیادها، لتبدو جنَّاتِ فرادیس تحتفل کلَّ مطلع فجر بأمجادها، تغضب الکلمات ثُمَّ تجمع شواظ انشطارها علی الألواح، لتعید احتضان إشراقة وعدٍ جدیدٍ تجدِّده مواکبُ الصَّباحِ، لکن الغرابین لا تفتأ تملأ مسافات الحبور بحطام من ظلمات الشرور والانهزامیة والخنوع، البلد الممنوع من الحب والحریة والخصب والانعتاق والغناء).

ولأن فلسطين هي قضية كل انسان محب للحق وماقت للظلم، فإن الشيخ محمد الكرباسي راعي مركز النجف الأشرف للتأليف والتوثيق والنشر في العراق، أخذ على عاتقه طباعة الكتاب، وكما يؤكد في كلمة المركز: (يأتي هذا العمل الثقافي ضمن جهود مركز النجف الأشرف للتأليف والتوثيق والنشر في حفظ التراث العلمي والإنساني، وتوثيق القضايا الكبرى التي تمسُّ ضمير الأمة ووجدانها، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية التي ظلَّت – على مرِّ العقود- الجرح المفتوح وما تزال عنواناً للحق المغتصب ومركزاً أساسياً في الوعي الإسلامي والعربي)، ولأن فلسطين قلب القضايا الإسلامية فإن المركز: (أولى اهتماماً بالغاً بهذا الملف انطلاقاً من مسؤوليته التاريخية في الدفاع عن قضايا العدالة والحرية، وإيماناً راسخاً بأن فلسطين ليست مجرد قضية سياسية، بل هي قضية هوية وكرامة وتاريخ ومصير، وأنَّ الوقوف معها واجبٌ أخلاقي وديني وثقافي).

طوفان النثر والنظم

كانت عملية طوفان الأقصى في غزة فجر السبت 22 ربيع الأول 1445هــ (7 تشرين الأول أكتوبر 2023هـ) التي قادتها حركة حماس بالضد من الاحتلال الإسرائيلي، أحد مرتكزات ودواعي تأليف هذا الكتاب الذي جاء ربعه الأول نثراً والبقية شعراً ضم (90) قصيدة.

فالقسم النثري من الكتاب في مائة صفحة تقريباً ضم إلى جانب مقدمة المحقق الكرباسي الذي حمل عنوانها عنوان الكتاب “فلسطين في الذاكرة حتى النصر”، بحثاً مختصراً عن “فلسطين في اللغة” و”فلسطين: جغرافياً”، مع شرح مجدول تحت عنوان: “فلسطين في سطور: حوادث ووقائع” تناول فيه المؤلف بالتاريخين الهجري والميلادي أهم الحوادث والوقائع التي مرت على أرض فلسطين من تاريخ فتحها عام 11 للهجرة (632م)، وحتى يومنا هذا، مع هوامش وتعليقات مفيدة للباحث الخزرجي.

أما القسم النظمي من الكتاب فقد توزعت قوافيه على عدد الحروف الهجائية في تسعين قصيدة، وقد صدّر لكل قافية ببيت شعر من سنخ الحرف الهجائي، وجاءت عناوين القصائد على النحو التالي: حرف الألف: الوفاء لمسرى الرسول. حرف الباء: فلسطين والانتخابات، حزب العدالة، الشهيد إبراهيم النابلسي، غزَّة هاشم، وكر إربيل، إلى الأردن، بين انتخابات وانتخابات. حرف التاء: بين غزة وهيروشيما، أسرى فلسطين، إلهان عمر، سفرة العار، يحيى سيُحيي، عقاب المولى، إسرائيل الغدر: حرف الثاء: الإبراهيمية. حرف الجيم: قُدس الأقداس. حرف الحاء: قطبُ الرَّحى، القصفُ الإيراني. حرف الخاء: صور إسرائيل. حرف الدال: عرفات وثورة إيران، سايبر وفلسطين المحتلة، فلسطين والفلسطينيون، مجدل شمس، إسنادُ العراق، إمارات ومتاهات، يخرِّبون بيوتَهم. حرف الذال: صبري نفذ، إسنادُ سوريا. حرف الراء: القدس في خطر، الطائرة أيوب، ماهرٌ لن يخرس، الأردن في مهب الريح، قطر تُقصف. حرف الزاي: انتصرت غزَّة، مجزرة مدرسة التابعين. حرف السين: قبس النور. حرف الشين: ماتوا عطشاً. حرف الصاد: أرضُ الخليل. حرف الضاد: المسجد الأقصى. حرف الطاء: نداءُ الواجب. حرف الظاء: نيلُ الحظِّ. حرف العين: نعيُ الجامعة العربية، الجامعة العبرية، الفصائل الفلسطينية في الصين، في غزَّة هاشم. حرف الغين: خيبرُ القوم. حرف الفاء: وحدةُ الصفِّ. حرف القاف: شارون السفّاك، الإبادة في غزَّة، الإمارات في تردي. حرف الكاف: أمريكة وإيران، استحداثُ منصب. حرف اللام: شهيد السجن، الخرقُ الفلسطيني، نزارُ رمزُ الحرية، غزَّة تشتعل، شعلةُ النار، مصاصُ الدماء، ثورة الإسلام، استفزازات العدو، سوريا الفوضى. حرف الميم: صفقة القرن، إسنادُ إيران، الجناس المكتنف، إلى بيروت، المؤامرة الكبرى. حرف النون: فلسطين لأهلها، تقطيع الأوصال، طوفان الأقصى، ورشة البحرين، هُدهد لبنان، هنيَّة شهيداً، الإبادة، نصرٌ من الله، أنا فلسطيني، يومُ القدس، عامٌ آخر، تطبيعُ البحرين، طوبى لليمن، إسنادُ لبنان، إسنادُ اليمن، ارتقى الحسن وبقي نصرُ الله، صهيونيان، يمنُ العز، مجزرة اليمن. حرف الهاء: العز لمن قاوم. حرف الواو: فلسطين امتدادي. وحرف الياء: نصرةُ المظلوم، الإعلام عدو نتنياهو.

وكانت خاتمة القسم النظمي من الكتاب بعد الخاتمة النثرية قصيدة (وانتصرنا) التي حملت الرقم (91) نظمها يوم 17 ربيع الثاني 1447هـ معلقاً على اتفاقية وقف العدوان العسكري على غزة وتبادل الأسرى بين حماس والكيان الإسرائيلي التي جرت في شرم الشيخ بمصر يوم الإثنين 20 ربيع الثاني 1447هـ في الثالث عشر من تشرين الأول أكتوبر 2025م، بعد سنتين من اندلاع عملية طوفان الأقصى.

في الواقع من يقرأ أبيات كل قصيدة من قصائد الكتاب يكتشف أن الأديب الكرباسي حشّد في كل بيت معلومة لحدث تاريخي أو معاصر، ومن السهولة فهم هذا المعنى من معاينة عناوين القصائد وبتعبير الناشر: (والقسم الثاني منه – الكتاب- قصائد شعرية، هي أيضاً بمثابة وثائق تاريخية، أرَّخت أحداث فلسطين على مر العقود الماضية، وأحداث لبنان وكل ما يمسّ القضية الفلسطينية).

ولعمري أن المؤلف كما أفادنا المقرِّض في تقديمه: (عاش الکرباسي مع فلسطین في هذا الدیوان ثاٸراً صاحب ثورة، ومفکراً ذا فکرة، وباکیاً راثياً حال من وما عاش معه بهذا البلد الموٶود ذا عَبرَةٍ، وحکیما ناصحا مٶدِّبا ذا عِبرَةٍ، ذلك ھو الکرباسي إنسانا وفیلسوفا مربِّیا مٶرِّخا شاعرا عبَّر بالکلمةِ الواضحة حَقا وصِدقا، ومناضلا یتجلی نضاله من بوح کلماته خلاصا وعتقا).

الرأي الآخر للدراسات- لندن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب