مفاوضات مسقط… اختبار الإرادة بين واشنطن وطهران

مفاوضات مسقط… اختبار الإرادة بين واشنطن وطهران
صادق الطائي
تعود المفاوضات الأمريكية الإيرانية إلى الواجهة من بوابة مسقط، لكن هذه العودة لا تشبه الجولات السابقة، التي دارت في عواصم أوروبية بعيداً عن هدير البوارج. اليوم، تجري المحادثات في ظل تحشيد عسكري أمريكي في الخليج، وذاكرة حرب إسرائيلية إيرانية العام الماضي، واحتجاجات داخلية دامية هزّت أركان النظام في طهران، وزيارة عاجلة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن. نحن أمام مشهد تفاوضي لا يُختزل في نسب التخصيب ولا في عدد أجهزة الطرد المركزي، بل يتصل بتوازنات القوة في الإقليم، وبحسابات إدارة ترامب التي تتأرجح بين خيار الضربة العسكرية والصفقة السلمية.
من الجانب الإيراني، بدا الخطاب محسوباً بعناية، وزير الخارجية عباس عراقجي وصف محادثات مسقط بأنها «بداية جيدة» وركّز على أنها كانت «نووية بشكل حصري»، مشيراً إلى أن استمرارها مرهون بمشاورات العاصمتين. وشدد على أن «انعدام الثقة تحدٍ خطير يواجه المفاوضات»، وأن أي تقدم يتطلب أولاً معالجة هذا الإرث الثقيل من الشكوك المتبادلة. الرسالة الإيرانية واضحة: طهران مستعدة لمناقشة برنامجها النووي، ضمن حدود معينة، لكنها ترفض إدراج برنامجها الصاروخي، أو علاقاتها الإقليمية على جدول الأعمال، وتعتبر ذلك مساساً بسيادتها.
تجد إدارة ترامب نفسها بين ضغطين: ضغط إسرائيلي يدفع نحو تشدد شامل، وضغط إقليمي من دول تخشى الانجرار إلى حرب، ويفضّل احتواء الأزمة
بالمقابل، تبدو واشنطن أقل تماسكاً في صياغة خطوطها النهائية. الرئيس ترامب قال، إن إيران «تبدو وكأنها تريد إبرام صفقة بشدة»، محذراً من أن «العواقب ستكون وخيمة جداً، إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق». وبعد لقائه نتنياهو في البيت الأبيض، أعلن أنه «أصرّ على أن تستمر المفاوضات مع إيران، لمعرفة ما إذا كان يمكن إبرام صفقة»، مضيفاً أن» التوصل إلى اتفاق هو الخيار المفضل»، وكان قد شدد في تصريحات أخرى على أنه يريد الوصول إلى نتيجة مفادها؛ «لا أسلحة نووية، ولا صواريخ بالستية»، فيما أكد وزير خارجيته ماركو روبيو، أن أي اتفاق «ذي معنى» يجب أن يتجاوز النووي، ليشمل الصواريخ ودعم الجماعات المسلحة في المنطقة. هذا التباين بين خطاب يلمّح إلى قبول اتفاق نووي محدود، وخطاب آخر يدفع نحو صفقة شاملة، يعكس مأزق إدارة تحاول الجمع بين الردع والدبلوماسية، فقد أرسلت واشنطن حاملة طائرات وأصولاً عسكرية إضافية إلى المنطقة، ولوّح ترامب باستخدام القوة، حتى إنه استحضر تجربة الضربات السابقة قائلاً، إن الولايات المتحدة «أزالت قدراتهم النووية في المرة الماضية»، وفي الوقت نفسه، سمحت بانطلاق مسار تفاوضي بوساطة عمانية، وشاركت فيه بوفد رفيع ضم المبعوث الخاص ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، في إشارة إلى أن خيار التفاهم ما زال مطروحاً بجدية.
إيران، من جانبها، تدرك أن استمرار العقوبات يضغط على اقتصادها المنهك ويغذي الاحتجاجات الشعبية، لذلك تطرح نفسها كطرف عقلاني مستعد لقبول قيود محددة مقابل رفع العقوبات، لكنها تصر على حقها في التخصيب. وفي هذا السياق، قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، «الإيجابي في الأمر أن الأمريكيين يبدون وكأنهم مستعدون لتحمل تخصيب إيراني ضمن حدود محددة بوضوح»، محذراً من أن الإصرار على معالجة كل الملفات دفعة واحدة، قد يقود إلى «حرب أخرى في المنطقة». هذا التحذير يعكس مخاوف إقليمية حقيقية، من أن يؤدي انهيار المسار الدبلوماسي، إلى مواجهة واسعة لا يمكن التحكم بمآلاتها.
لكن العامل الإسرائيلي يظل الأكثر توتراً في هذه المعادلة.. تعجيل نتنياهو زيارته إلى واشنطن، لم يكن تفصيلاً بروتوكولياً، بل رسالة سياسية. تحليلات إسرائيلية رأت في الخطوة محاولة واضحة «لتشكيل السياسة الأمريكية» تجاه إيران، وليس مجرد التنسيق معها. نتنياهو أعلن قبيل مغادرته، أنه سيعرض على الرئيس الأمريكي «المبادئ الأساسية» التي يراها ضرورية لهذه المفاوضات، في إشارة إلى خطوط حمر تشمل وقفاً كاملاً للتخصيب، وإزالة المخزون المخصب، وكبح برنامج الصواريخ الباليستية، وإنهاء دعم حلفاء طهران في المنطقة.
الصحافة الإسرائيلية عبّرت بوضوح عن قلقها، تقديرات نقلتها وسائل إعلام عبرية تحدثت عن «فجوة واسعة» بين موقفي واشنطن وطهران، وعن فرص «ضئيلة» للتوصل إلى اتفاق، لكنها في الوقت نفسه حذرت من «اتفاق سيئ» قد يمنح إيران متنفساً اقتصادياً، ويضفي شرعية على نظام «تعلم كيفية النجاة من أزمة تلو الأخرى». هذا القلق لا ينفصل عن حسابات نتنياهو الداخلية، إذ أن الملف الإيراني شكّل محوراً مركزياً في خطابه السياسي لعقود، وأي اتفاق لا يلبي شروطه قد يُستخدم ضده في السجال الانتخابي. إيران بدورها لم تتردد في توجيه أصابع الاتهام إلى تل أبيب. علي لاريجاني أمين مجلس الأمن القومي الإيراني، انتقد ما وصفه بالدور «التخريبي» لإسرائيل، داعياً الأمريكيين إلى عدم السماح لنتنياهو بإملاء شروطه على «إطار المفاوضات». هذا التراشق يعكس إدراكاً إيرانياً بأن الضغط الإسرائيلي قد يدفع واشنطن إلى تشديد شروطها، أو حتى إلى استخدام القوة إذا تعثرت المحادثات.
ويبقى السؤال الجوهري الذي يواجه الأطراف الثلاثة هو: ما تعريف «الصفقة الجيدة»؟ بالنسبة لطهران، هي صفقة ترفع العقوبات وتُبقي على قدر من التخصيب تحت رقابة دولية. بالنسبة لترامب، يجب أن تكون أفضل من اتفاق 2015 الذي انسحب منه، وقابلة للتسويق داخلياً على أنها إنجاز شخصي. أما بالنسبة لإسرائيل، فلا تُعدّ جيدة، إلا إذا قيّدت ليس فقط البرنامج النووي الايراني، بل أيضاً برنامج الصواريخ البالستية وشبكات النفوذ الإقليمي. التجربة السابقة تُظهر أن توسيع جدول الأعمال قد يعقّد المفاوضات إلى حد الانسداد. اتفاق 2015 ركز على النووي وتجنب الخوض في ملفات أخرى، وهو ما اعتبرته إسرائيل ودول إقليمية ثغرة استراتيجية. اليوم، يحاول بعض الوسطاء طرح مقاربات تدريجية، تبدأ بالنووي وتفتح الباب لاحقاً لنقاشات أوسع. لكن إيران ترفض أي ربط مسبق، وتصر على أن موضوع الصواريخ البالستية خط أحمر بالنسبة لأمنها القومي وأنه ملف»غير قابل للتفاوض».
في المحصلة تجد إدارة ترامب نفسها بين ضغطين: ضغط إسرائيلي يدفع نحو تشدد شامل، وضغط إقليمي من دول تخشى الانجرار إلى حرب، ويفضّل احتواء الأزمة. الرئيس الأمريكي يلوّح بالقوة ليعزز موقعه التفاوضي، لكنه يدرك أن أي ضربة واسعة قد تشعل المنطقة وتعرّض مصالح بلاده وقواعدها للخطر.
في المقابل، النظام الإيراني يعيش لحظة حساسة، الاحتجاجات التي اندلعت بسبب التدهور الاقتصادي أظهرت هشاشة داخلية، والعقوبات ما زالت تخنق الاقتصاد. لذلك تبدو طهران معنية بكسر العزلة، دون تقديم تنازلات جوهرية تمسّ أدوات ردعها. إنها تسعى إلى صفقة تضمن بقاءها، لا إلى تسوية تعيد صياغة دورها الإقليمي. بين هذه الحسابات المتداخلة، تتحول مسقط إلى مسرح دبلوماسي دقيق. السلطنة التي راكمت خبرة في الوساطة بين واشنطن وطهران، تحاول توفير مساحة هادئة للحوار، بعيداً عن صخب العواصم الأخرى، لكن نجاح الوساطة لا يتوقف على مهارة المضيف، بل على استعداد الأطراف لتقديم تنازلات متبادلة.
المشهد حتى الآن لا يوحي بحسم قريب، الفجوات ما زالت واسعة، والرسائل المتبادلة تختلط فيها إشارات الانفتاح بنبرات التهديد. ومع ذلك، فإن مجرد استمرار المفاوضات في ظل هذا المناخ المشحون، يُعد مؤشراً إلى أن خيار الحرب ليس الخيار المفضل حالياً، رغم حضوره في الخلفية. في النهاية، ليست جولات مسقط مجرد مفاوضات تقنية حول نسب تخصيب، أو عدد أجهزة الطرد المركزي. إنها اختبار لإمكان إعادة تعريف العلاقة الأمريكية الإيرانية بعد سنوات من التصعيد، وامتحان لمدى قدرة إدارة ترامب على مقاومة الضغط الإسرائيلي أو الاستجابة له، واختبار لقدرة إيران على تحويل أزمتها الداخلية إلى ورقة تفاوضية. ما سيُحسم في مسقط لن يحدد فقط مستقبل البرنامج النووي الإيراني، بل سيرسم أيضاً ملامح التوازن الإقليمي في مرحلة ما بعد الحرب، ويكشف إن كانت الدبلوماسية قادرة على انتزاع مساحة من ظل البوارج، أم أن المنطقة مقبلة على جولة جديدة من المواجهة المفتوحة.
كاتب عراقي




