حرب الكهوف في غزة: لماذا لم تنهزم حماس عسكرياً بعد عامين ونصف؟

حرب الكهوف في غزة: لماذا لم تنهزم حماس عسكرياً بعد عامين ونصف؟
تتواصل العمليات العسكرية الإسرائيلية في مدينة رفح وسط دمار هائل شبهه قادة ميدانيون بدمار مدينة دريسدن الألمانية إبان الحرب العالمية الثانية. ورغم السيطرة الظاهرية، يقر ضباط في جيش الاحتلال بأن التنقل في المدينة بات مستحيلاً دون الاعتماد الكلي على أنظمة تحديد المواقع بسبب اختفاء معالم الشوارع تماماً تحت الأنقاض.
تؤكد التقارير الميدانية أن الجيش الإسرائيلي، وبعد فترة طويلة من القتال، لا يزال يفتقر إلى خريطة شاملة لشبكة الأنفاق المعقدة تحت الأرض. وتعتمد القوات حالياً على حفارات عملاقة تحفر بشكل عشوائي في الأنقاض أملاً في العثور على فتحات مخابئ، وهو مشروع قد يستغرق سنوات دون ضمانة بتحقيق نصر عسكري حاسم.
تشير الأرقام المسربة من أجهزة الاستخبارات إلى أن كتائب القسام لا تزال تضم في صفوفها ما بين 20 إلى 26 ألف عنصر يتقاضون رواتب منتظمة. ورغم أن هذا العدد يقل بنحو 15 ألفاً عما كان عليه قبل أكتوبر، إلا أنه يمثل قوة بشرية ضخمة قادرة على خوض حرب استنزاف طويلة الأمد ضد قوات الاحتلال.
يعتمد التمويل المالي للحركة بشكل أساسي على نظام ‘الحوالة’ الذي يسمح بنقل الأموال بعيداً عن الرقابة الدولية المباشرة، بالإضافة إلى فرض ضرائب منهجية داخل القطاع. وتستغل الحركة دخول المساعدات الإنسانية والبضائع لتعزيز قدرتها على دفع الرواتب وتجنيد عناصر جديدة من الشباب الذين اكتسبوا خبرات قتالية ميدانية.
فيما يتعلق بالقدرات العسكرية، فقدت حماس جزءاً كبيراً من مخزونها من الصواريخ والمسيرات الانتحارية والأنظمة المضادة للدبابات المتطورة. ومع ذلك، يرى خبراء عسكريون أن السيطرة على الأرض لا تتطلب أسلحة ثقيلة، بل يكفي المقاتلين امتلاك بنادق الكلاشينكوف والقنابل اليدوية لفرض نفوذهم على السكان المحليين ومنع نشوء بدائل حكم.
لا تزال أجهزة الأمن العام والأمن الداخلي التابعة لحماس تعمل في خفاء وعلانية لملاحقة من تصفهم بـ ‘المتعاونين’ مع الاحتلال أو الميليشيات المدعومة إسرائيلياً. وتستخدم الحركة شبكة واسعة من المخبرين للحفاظ على الانضباط التنظيمي والاجتماعي، مما يعيق أي محاولة لفرض إدارة مدنية تكنوقراطية لا تحظى بموافقتها.
تتضارب الرؤى السياسية حول مستقبل نزع السلاح، حيث ترفض حماس بشكل قاطع التخلي عن ‘حق المقاومة’ أو تسليم خرائط الأنفاق. وفي المقابل، تدرس الإدارة الأمريكية مقترحات تقضي بإبقاء أسلحة خفيفة بمدى محدود بيد العناصر الأمنية المحلية، وهو ما تراه إسرائيل ‘قصة بعيدة المنال’ لن تحقق الأمن المستدام.
من وجهة نظر قادة حماس، فإن ما حدث منذ السابع من أكتوبر ليس هزيمة بل هو خطوة استراتيجية أعادت القضية الفلسطينية للواجهة الدولية وعطلت مسارات التطبيع الإقليمي. وتعتبر الحركة أن مجرد بقائها في السلطة وقدرتها على إدارة القطاع تحت القصف يمثل ‘إنجازاً’ يتجاوز المفهوم التقليدي للنصر العسكري.
أفادت مصادر أمنية بأن حماس مستعدة تكتيكياً للتخلي عن مظاهر الحكم الخارجية والوزارات لصالح لجنة تكنوقراط، شريطة الاحتفاظ بالسيطرة الفعلية على الأرض. ويتمثل ذلك في دمج آلاف العناصر الأمنية التابعة لها في سلك الشرطة المستقبلي، مما يضمن بقاء الولاء التنظيمي هو المحرك الأساسي لأي إدارة قادمة.
يبقى محور فيلادلفيا والأنفاق الحدودية نقطة الخلاف الجوهرية، حيث يصر الجيش الإسرائيلي على أن منع التهريب هو الضمانة الوحيدة لعدم تعافي حماس عسكرياً. إلا أن الواقع الميداني يثبت أن الحركة قادرة على تصنيع أسلحتها محلياً باستخدام مخزونات المواد الخام الضخمة التي تم تخزينها وتأمينها في سنوات سابقة.
في الختام، يواجه صانع القرار الإسرائيلي خيارات أحلاها مر؛ فإما القبول ببقاء حماس كقوة حاكمة فعلية، أو العودة لاحتلال عسكري شامل ومباشر للقطاع. ومع غياب بديل سياسي فلسطيني مقبول من الحكومة الإسرائيلية الحالية، يبدو أن ‘حرب الكهوف’ ستستمر لسنوات طويلة دون أفق واضح للنهاية.




