من غزة إلى كوبا… كندا “المتفرج اللبق” على أزمات العالم

من غزة إلى كوبا… كندا “المتفرج اللبق” على أزمات العالم
رائد صالحة
أوتاوا- واشنطن- : في وقت تتصاعد فيه الأزمات الإنسانية من الشرق الأوسط إلى أمريكا اللاتينية، تواجه كندا انتقادات متزايدة بسبب ما يُنظر إليه على أنه نهج حذر يكتفي بإبداء القلق والدعوة إلى خفض التصعيد، من دون اتخاذ مواقف حاسمة تجاه حليفتها الأقرب، الولايات المتحدة.
كاماث وأزاد: اكتفت كندا بالدعوة إلى احترام القانون الدولي وخفض التصعيد، خلال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة من دون توجيه انتقادات مباشرة لواشنطن
وفي كوبا، تتكشف أزمة إنسانية جديدة وسط تصعيد أمريكي لافت. إذ أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عزمه الإطاحة بالحكومة الكوبية قبل نهاية العام، في خطوة اعتبرها مراقبون تصعيدًا مباشرًا للحصار الأمريكي المفروض منذ عقود. وكانت واشنطن قد صنّفت الدولة الكاريبية على أنها «تهديد غير عادي واستثنائي» للأمن القومي الأمريكي، وفرضت إجراءات اقتصادية مشددة، بما في ذلك ضغوط وعقوبات على الدول التي تزوّد هافانا بالنفط.
السلطات الكوبية أعلنت أن وقود الطائرات لن يكون متوافرًا في مطارات البلاد بدءًا من هذا الأسبوع، ما يهدد بتعطيل الرحلات الداخلية والدولية. وباشرت شركات طيران كندية بإعداد خطط طوارئ تشمل إعادة توجيه الرحلات أو تعليقها، وتقديم المساعدة للمسافرين العالقين. غير أن أزمة الطيران، وفق مراقبين، ليست سوى مؤشر على أزمة أعمق قد تطال قطاعات الطاقة والصحة والغذاء، في حال استمرار الضغوط الاقتصادية.
هذه القراءة ترد في مقال تحليلي للكاتبين آن كاماث وعمر أزاد، نُشر في العديد من المنصات التقدمية الأمريكية، حيث يعتبران أن ما يحدث ليس نتيجة خلل داخلي بقدر ما هو نتيجة سياسة ضغط ممنهجة تهدف إلى إحداث ضائقة معيشية واسعة لدفع تغييرات سياسية. ويرى الكاتبان أن العقوبات صُممت لإحداث نقص في الغذاء والدواء وانقطاعات واسعة للكهرباء كأدوات ضغط مباشر.
أوتاوا: قلق بلا خطوات عملية
في المقابل، جاء ردّ الفعل الكندي، بحسب المقال، تقليديًا وحذرًا. ففي جلسة للجنة الشؤون الخارجية والتجارة الدولية في مجلس الشيوخ، سأل السيناتور يوين باو وو مسؤولين حكوميين عن خطة كندا لمواجهة التداعيات الإنسانية المحتملة في كوبا، فجاء الردّ بأنه «لا توجد تفاصيل محددة»، وأنه «لا توجد خطة استجابة إنسانية لكوبا» حتى الآن.
وتؤكد الحكومة الكندية أنها غير مسؤولة عن سياسات واشنطن، غير أن المقال يرى أنها مسؤولة عن طبيعة ردّها، معتبرًا أن الاكتفاء «بدراسة الوضع» من دون إجراءات ملموسة يعكس نمطًا متكررًا من التأجيل.
نمط متكرر… من غزة إلى إيران وفنزويلا
ويشير التحليل إلى أن هذا النمط لا يقتصر على كوبا. ففي غزة، وخلال الحرب الإسرائيلية على القطاع، اكتفت كندا – بحسب الكاتبين – بالدعوة إلى احترام القانون الدولي وخفض التصعيد، من دون توجيه انتقادات مباشرة لواشنطن، رغم دعمها العسكري والسياسي لإسرائيل. ويشير تحقيق نشرته شبكة الجزيرة إلى استخدام ذخائر أمريكية شديدة التدمير في القطاع.
كما التزمت أوتاوا لغة حذرة عقب ضربات أمريكية استهدفت مواقع نووية إيرانية، مكتفية بالدعوة إلى التهدئة. وفي فنزويلا، بعد عملية أمريكية واسعة انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي، خلا البيان الكندي من أي إشارة مباشرة إلى دور الولايات المتحدة، مكتفيًا بالدعوة إلى احترام القانون الدولي.
تحذيرات متأخرة
رئيس الوزراء الكندي مارك كارني حذّر مؤخرًا من «انهيار النظام الدولي القائم على القواعد»، إلا أن المقال يلفت إلى أن هذه التصريحات جاءت بعد توترات تمس مناطق أقرب إلى المصالح الغربية، معتبرًا أن أوتاوا لا ترفع سقف خطابها إلا عندما تقترب التداعيات من محيطها الاستراتيجي.
صادرات السلاح تحت المجهر
ويتطرق الكاتبان إلى استمرار الجدل بشأن صادرات السلاح الكندية، مشيرين إلى أن مشروع القانون C-233 الرامي إلى تشديد القيود على صادرات السلاح في حال وجود مخاطر بارتكاب جرائم حرب، لا يزال قيد النقاش من دون حسم، فيما تستمر مكونات عسكرية كندية بالتدفق عبر سلاسل الإمداد الأمريكية.
ويخلص المقال إلى أن كندا، إذا أرادت إحداث فرق ملموس، فيمكنها البدء بخطوة عملية تتمثل في تزويد كوبا بالغذاء والوقود والأدوية، بدل الاكتفاء بالبيانات الدبلوماسية. وبين غزة وكوبا، تتصاعد التساؤلات حول ما إذا كانت أوتاوا ستبقى في موقع «المتفرج اللبق»، أم ستعيد النظر في حدود علاقتها بحليفتها الأقرب عندما تتعارض المصالح مع المبادئ المعلنة.
“القدس العربي”




