الصحافه

إغراءات إيران في “جنيف”: أي الكفتين ترجح.. أيديولوجيا طهران أم “هيبة واشنطن”؟

إغراءات إيران في “جنيف”: أي الكفتين ترجح.. أيديولوجيا طهران أم “هيبة واشنطن”؟

تسفي برئيل

ربما تكون الجولة الثانية للمفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، في جنيف، عملية ومفصلة أكثر من “المحادثات الاستكشافية” التي جرت قبل 11 يوماً في سلطنة عمان. وحسب تقارير إعلامية، ربما تعرض إيران تخفيض نسبة تخصيب اليورانيوم من مستوى 60 في المئة إلى مستوى أقل كبادرة حسن نية مقابل رفع العقوبات عنها. ولكن هذا العرض، حتى لو تم تقديمه رسمياً، لا يلبي الحد الأدنى من الشروط التي وضعها الطاقم الأمريكي، التي تنص على أن عدم قبول أي عرض لا يشمل وقفاً كاملاً للتخصيب.

ربما ينطوي اجتماع أمس وزير خارجية إيران عباس عراقجي والأمين العام للوكالة الدولية للطاقة النووية رفائيل غروسي، على رسالة أخرى. فقد يشير هذا اللقاء إلى استعداد إيران لاستئناف عملية الرقابة على المنشآت النووية والسماح بعودة مراقبي الأمم المتحدة الذين طرد معظمهم من إيران. وقد تم التوقيع على اتفاق بهذا الشأن في أيلول 2025 في مصر بين عراقجي وغروسي، لكن إيران ألغته بعد ثلاثة أشهر.

يمكن استشفاف مؤشر آخر على المضمون المتوقع للمحادثات من تصريحات حميد كنباري، مساعد وزير الخارجية للشؤون الاقتصادية. يقول كنباري، المشارك في المحادثات مع أمريكا، بأن إيران ستعرض اتفاقات مشتركة. وقال كنباري لرؤساء لجان غرفة التجارة في إيران: “لم تجن الولايات المتحدة أي فائدة اقتصادية من الاتفاق النووي السابق. هذه المرة يجب ضمان حصول واشنطن أيضاً على فائدة اقتصادية لضمان استدامة أي اتفاق يتم التوصل إليه. وينبغي أن تكون هذه الفائدة في مجالات لها قيمة اقتصادية كبيرة يمكن تحقيقها بسرعة”. وأضاف بأن هذه المجالات تشمل صفقات في فرع الغاز والنفط والموارد الطبيعية وشراء الطائرات. “هذه مسألة تثير اهتمام الطرف الأمريكي بشدة”.

حسب كنباري، يجب على الولايات المتحدة في المقابل الإفراج عن الأموال الإيرانية المودعة في البنوك الأمريكية وبنوك دول أخرى

لكن هذا العرض ليس أحادي الجانب. فحسب كنباري، يجب على الولايات المتحدة في المقابل الإفراج عن الأموال الإيرانية المودعة في البنوك الأمريكية وبنوك دول أخرى. “هذه خطوة يمكن تنفيذها بمرة واحدة أو بالتدريج”. وتحتفظ الولايات المتحدة تقريباً بـ 2 مليار دولار من الأموال الإيرانية المجمدة في بنوك في أرجاء العالم، من أصل 100 – 120 مليار دولار مجمدة في بنوك دولية. في 2023، خلال فترة رئاسة بايدن، تم الإفراج عن 6 مليارات دولار كانت مجمدة في كوريا الجنوبية مقابل صفقة لإطلاق سراح سجناء. هذا المبلغ كان مودعاً في بنك في قطر. ولم يكن بإمكان إيران سحبه إلا لتمويل الاحتياجات الإنسانية. ولكن بعد هجوم حماس في 7 أكتوبر، اتفقت الولايات المتحدة وقطر على إبقاء الأموال مجمدة، وعدم قدرة إيران على استخدامها على الإطلاق.

كنباري خبير اقتصاد مخضرم شارك في محادثات سابقة بين الولايات المتحدة وإيران، وقد تشير مشاركته في المفاوضات الأخيرة إلى توقع إيران من هذه المحادثات. هذا يدعم التقييم الذي يقول بأن المحادثات تهدف إلى تحقيق نتائج اقتصادية ملموسة، التي قد تكون إيران مستعدة لتقديم المزيد من التنازلات المهمة لتحقيقها. من غير المستبعد أن تطرح فكرة انشاء اتحاد نووي إقليمي من جديد على شاكلة النموذج الذي طرح في السنة الماضية ولم ينفذ. وقد نص الاقتراح الأصلي على إنشاء هيئة إقليمية تشارك فيها السعودية والإمارات إلى جانب إيران، وتدير منشأة لتخصيب اليورانيوم خارج إيران بشكل مشترك، تحت رقابة دولية دقيقة، بدلاً من ادارتها في منشآت التخصيب في إيران.

إيران أيدت الفكرة، لكنها قيدتها بالتأكيد على أن المنشأة الجديدة لن تستبدل برنامجها لتخصيب اليورانيوم، بل ستكمله. وإن موقع التخصيب، حتى في حالة شراكة دول عربية، سيكون داخل أراضي إيران. السعودية لم تتحمس لهذه الفكرة، لأنها هي أيضاً تطمح إلى إنشاء منشأة لتخصيب اليورانيوم في أراضيها. وتخشى السعودية أيضاً من أن الشراكة مع إيران تحملها مسؤولية تصرفات طهران، بل وتشكل غطاء واقياً ضد أي ضرر قد يلحق بالمنشآت النووية في إيران. وإذا أعيد إحياء إنشاء مثل هذا التحالف، ربما بالشراكة مع عدة دول أخرى في المنطقة مثل مصر وتركيا وقطر، فربما تصمم الولايات المتحدة على أن تكون منشأة التخصيب خارج إيران، وهو طلب لن تقبله طهران في الوقت الحالي.

خلافاً للمفاوضات التي جرت بشأن الاتفاق النووي الأصلي، يتم إجراء هذه المحادثات في هذه المرة بدون مشاركة أو شراكة أوروبية. ويقتصر دور الدول العربية على استخدام الضغط على الولايات المتحدة لتجنب تصعيد حرب قد تتحول إلى حرب إقليمية. مع ذلك، قد يكون لهذه الدول – لا سيما سلطنة عمان التي تتوسط بين الطرفين، والسعودية والإمارات اللتين لهما مصالح اقتصادية واسعة مع إيران – دور سياسي إذا تجاوزت المفاوضات مجرد مناقشة مسألة تخصيب اليورانيوم، وتطورت إلى مفاوضات حول مجمل العلاقات بين إيران والولايات المتحدة.

لكن هذه المرحلة من المفاوضات ما زال هدفها المباشر غامضاً. هو بين رؤيتين: رؤية إيران التي تعتبر تخصيب اليورانيوم على أراضيها مبدأ أيديولوجياً، والتنازل عنه بمثابة هزيمة وطنية وانتهاك خطير لسيادة إيران وحقوقها كدولة وقعت على اتفاق عدم انتشار السلاح النووي. ورؤية أمريكا وإسرائيل تنسب للتخصيب حتى بأدنى مستوى، نية صريحة للحصول على السلاح النووي. إضافة إلى ذلك، أصبحت التنازلات الأمريكية امتحاناً للهيبة. فبعد أن أغرقت الولايات المتحدة المنطقة بحاملات الطائرات وقوة عسكرية أخرى وأظهرت الاستعداد لشن الحرب، سيجد هذا التهديد الكبير صعوبة في الاكتفاء بإنجاز جزئي.

وفي هذه الرؤية شرك؛ ففي المفاوضات التي يظهر وكأنها تدور حول “كل شيء أو لا شيء”، فغير واضح ما المقصود بـ “كل شيء”. هل تصمم الولايات المتحدة أيضاً على تفكيك برنامج الصواريخ البالستية أو الحد منه؟ هل تعتبر قضية وكلاء إيران، التي تعرف بأنها “تدعم الإرهاب”، جزءاً أساسياً لا يمكن التنازل عنه؟ لذا يصعب تحديد الإنجاز الذي قد يمنع الهجوم، وما الذي قد يؤدي غيابه إلى تنفيذه؟ الأهم هو: هل يوجد سيناريو يضمن تحقيق كل هذه الأهداف بواسطة الهجوم العسكري، وهو سيناريو قادر أيضاً على تقييم التداعيات الإقليمية لمثل هذه الحملة والتعامل معها لاحقا؟

ما زال الرئيس ترامب مصراً على تفضيل الحل الدبلوماسي على الحل العسكري. واستعراض القوة يلعب دوراً مهماً كمحفز سياسي من المفروض أن يجبر إيران على تقديم تنازلات تحيد التهديد. من ناحيتها، يتوقع الآن من إيران اختبار مرونة التهديد الأمريكي، وهي تسير على حبل دقيق وخطير يفترض أن يجسر الفجوة بين المبادئ الأيديولوجية والوطنية وبين الإملاءات والتهديدات الأمريكية. في مثل هذه العملية، تسعى طهران إلى كسب الوقت وتقديم إنجازات تدريجية مقابل تنازلات تدريجية، وفي خضم ذلك ستختبر مفهوم ترامب للوقت. كعادته، أعلن ترامب بأن “الوقت ينفد”، ثم ناقض نفسه بعد ذلك عندما قال “لدينا متسع من الوقت للتوصل إلى اتفاق مع إيران”.

هآرتس 17/2/2026

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب