تحقيقات وتقارير

تحت ستار الحرب إسرائيل تنهك غزة بالموت والحصار

تحت ستار الحرب إسرائيل تنهك غزة بالموت والحصار

أشرف الهور

غزة ـ: لم تكتف إسرائيل بتشديد حصارها على قطاع غزة، منذ أن بدأت الحرب على إيران، وصعدت وسط انشغال العالم بهذه الحرب من هجماتها الحربية ضد قطاع غزة، لترتكب عدة مجازر جديدة طالت الرجال والأطفال والنساء وبينهم صحافية قتلتها في منطقة نزوحها، وسط تردي الأوضاع الإنساني بشكل أخطر مما كانت عليه سابقا.
فبعد أسبوع الحرب الأول على إيران، والذي لجأت فيه إلى تشديد إجراءات الحصار، وتقليل كميات البضائع الأساسية وكذلك الوقود والدواء المخصص لسكان غزة، ما زاد من حجم الأزمة الإنسانية، بعدما نفدت الكثير من المواد التموينية من الأسواق، وعجزت الطواقم الصحية عن تقديم خدماتها بالشكل المطلوب، إضافة إلى عجز طواقم البلديات الخدماتية عن القيام بمهامها في جمع النفايات، ما يهدد بتفشي الأمراض المعدية، قامت إسرائيل الأسبوع الماضي بتصعيد الهجمات الحربية، لترتكب الكثير من المجازر.
أول هذه المجازر نفذ قبل وقت قصير جدا من أذان صلاة المغرب، وقت إفطار الصائمين، حين شنت غارة جوية على منطقة متكدسة بالنازحين حيث تقام فيها آلاف الخيام وتقع غربي مدينة غزة، ما أدى إلى ارتقاء ثلاثة شهداء، والكثير من المصابين، حيث دللت مشاهد الدمار التي غطت أرض المنطقة، على فظاعة المجزرة المروعة، التي أكدت فيها أنها لا تضع أي حرمة للشهر الفضيل.
ولم تمر سوى ساعات على هذه المجزرة، لترتكب مجزرة أخرى طالت خيام النازحين في منطقة تقع جنوب غرب مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، لتسفر هذه الغارة عن ثلاثة شهداء، هن الصحافية آمال شمالي (46 عاما)، ومعها الطفلتين نور الشلالفة (17 عاما)، وسلسبيل فراج (12 عاما).
فظاعة هذه المجزرة عبر عنها تقرير مستشفى العودة الذي نقل إليه الضحايا، حيث أعلن عن استقبال ثلاثة شهداء بينهم طفلتان وأشلاء، أي أن الغارة مزقت جسد الصحافية المستهدفة، إضافة إلى استقبال 10 إصابات، بينهم 3 أطفال.
وتعمدت إسرائيل هذه المجزرة قبل أن ينقضي يوم الثامن من آذار/مارس، وهو «اليوم العالمي للمرأة» الذي يحتفي فيه العالم بالمرأة وانجازاتها، وسط تأكيد على حقوقها المشروعة، غير أن إسرائيل أرادت في هذا اليوم التأكيد على مسلسل المجازر التي لم تتوقف منذ السابع من أكتوبر، حتى فترة العمل باتفاق وقف إطلاق النار.
وبارتقاء الشهيدة الصحافية شمالي يرتفع عدد الشهداء الصحافيين في قطاع غزة إلى 260 صحافيا وصحافية منذ بدء العدوان على غزة، من بينهم 38 صحافية، بينهم أمهات لأطفال صغار، في ظل تعمد الاحتلال استهدافهم لمنع نقل الحقيقة وفضح الجرائم التي تقترفها قوات الاحتلال، ومن بينهم من ارتقى على سرير العلاج داخل المشافي بعد تعمد قتلهم، وآخرون قتلوا بشكل متعمد خلال التغطية الصحافية.
ولذلك قال الدكتور تحسين الأسطل نائب نقيب الصحافيين الفلسطينيين، لـ «القدس العربي» إن دولة الاحتلال تواصل بشكل متعمد قتل الصحافيين لمنع تغطية الجرائم التي تقترف في قطاع غزة، وأكد أن العدد الكبير الذي ارتقى من الصحافيين خلال فترة الحرب، التي تعد «الأكثر دموية» في تاريخ الصحافة في العالم، تؤكد أن الاحتلال يتعمد اقتراف هذه المجازر لـ «إسكات الصوت الفلسطيني ومنع التغطية التي توثق الجرائم ضد الشعب الفلسطيني»، مؤكدا أن ما جرى يمثل «جريمة حرب»، تضاف إلى سلسلة الجرائم السابقة، وشدد على ضرورة أن تكون هناك «محاسبة سريعة» للاحتلال، على هذه الجرائم التي تقترف، كما أكد على أن هذه الجرائم المتواصلة «لن تفلح في إسكات أو منع التغطية».

استهداف النازحين

ولم تتوقف المجازر عند هذا الحد، حيث قامت قوات الاحتلال باستهدافات طالت مناطق متفرقة في قطاع غزة، أوقعت خلالها ضحايا جدد.
ولتعلن في خضم هذه المجازر على لسان المتحدث باسم جيشها، عن قيام قواته بقتل ثلاثة فلسطينيين، بدعوى اجتيازهم «الخط الأصفر» في شمال قطاع غزة، وعن قيام قوات «لواء جولاني»، باغتيال ثلاثة مسلحين داخل نفق تحت أرضي يقع شرقي مدينة رفح جنوب قطاع غزة، «خلال نشاط عملياتي وتطهير للمنطقة من البنى التحتية».
وهذه المناطق كما هو معروف يصعب وصول طواقم الإسعاف والإنقاذ إليها، ما يحول دون إجلاء المصابين، وبقائهم هناك كآلاف الشهداء الذين إما ما زالوا تحت الركام أو في مناطق السيطرة الإسرائيلية.
وقد أكمل الاحتلال تهديده، بإعلان المتحدث العسكري أن قوات الجيش العاملة تحت قيادة المنطقة الجنوبية، ستستمر في ملاحقة المسلحين المتواجدين في المسارات الأرضية والأنفاق بالمنطقة.
وفي إشارة على نوايا التصعيد القادمة، نفذت قوات الاحتلال عدة هجمات طالت عربات خلال سيرها في شوارع غزة، كما قامت بقصف مبنى يؤوي مئات النازحين بمنطقة أنصار غربي مدينة غزة، ما أدى إلى اندلاع حريق واحتراق عدد من خيام النازحين المحيطة بالمكان وتشريد عشرات العائلات.
وجاء ذلك عندما شنت طائرات حربية إسرائيلية عدة غارات على مبنى كان في السابق يستخدم من قبل جهات حكومية في غزة، بعد توجيه إنذار بإخلائه، وقد أدى القصف إلى اشتعال النيران فيه وامتدادها إلى خيام للنازحين في محيطه، كانت تؤوي نازحين.

جرائم حرب

وفي هذا السياق، أدان المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، استمرار قوات الاحتلال الإسرائيلي في ارتكاب جرائم قتل بحق المدنيين الفلسطينيين، في سياق خروقاتها المتعمدة والمتواصلة لاتفاق وقف إطلاق النار من جانب واحد، في ظل غياب أي أعمال قتالية.
وذكر المركز أنه وفقا لمتابعة باحثيه، لم تتوقف قوات الاحتلال منذ إعلان وقف إطلاق النار في 10 تشرين الأول/أكتوبر 2025 عن تنفيذ غارات جوية وقصف مدفعي وإطلاق نار، إلى جانب عمليات نسف متكررة داخل المناطق الواقعة ضمن ما يعرف بـ «الخط الأصفر»، بهدف تدمير ما تبقى من منازل ومبانٍ. وأسفرت هذه الاعتداءات حتى الآن عن مقتل 648 مواطنًا وإصابة أكثر من 1728 آخرين، وفق بيانات وزارة الصحة.
وأكد أن هذه الأفعال تشكل انتهاكات جسيمة لقواعد القانون الدولي الإنساني، ولا سيما مبدأي التمييز والتناسب، وترقى إلى «جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية»، لافتا إلى أنها تعكس في سياقها العام وتكرارها واستهدافها لفئات محمية، «أفعالًا تندرج ضمن جريمة الإبادة الجماعية كما عرفتها اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948، من خلال القتل العمد وإلحاق أذى جسدي خطير بأفراد جماعة قومية بقصد تدميرها كليًا أو جزئيًا».
وطالب المركز الحقوقي المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته واتخاذ إجراءات فورية تشمل توفير حماية عاجلة للمدنيين، وإنهاء الوجود العسكري لقوات الاحتلال في قطاع غزة، ووقف استهداف الأحياء المدنية، وإلزام إسرائيل بوقف هجماتها وحصارها المفروض على القطاع.
وأكد الناطق باسم حركة «حماس»، حازم قاسم أن الاحتلال المجرم قد ارتكب مجازر مروعة بحق أهالي قطاع غزة «في تصعيد خطير وخرق كبير وفاضح لاتفاق وقف إطلاق النار»، محذرا من استغلال الاحتلال انشغال العالم بمتابعة العدوان على إيران ولبنان لـ «تصعيد مجازره ضد قطاع غزة وتشديد الحصار عليه عبر إغلاق المعابر، وخاصة معبر رفح».
وأوضح أن الاحتلال يستفيد من الدعم الأمريكي المطلق في عدوانه على المنطقة «من أجل انتهاك وقف إطلاق النار وارتكاب المزيد من المجازر بحق المدنيين في القطاع»، وطالب جميع الوسطاء بالتحرك لوقف عدوان الاحتلال على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، ووضع حد لهذه التجاوزات، ورفع الحصار عن القطاع بشكل عاجل، وأكد أن الاحتلال يستهين بكل الأعراف والقوانين الدولية، عبر قصف خيام النازحين وقتل النساء واستمرار الحصار.

تحذير أممي

كما حذر المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك من استمرار تعرض المدنيين، بمن فيهم عمال الإغاثة والبنية التحتية المدنية، لغارات جوية وقصف وإطلاق نار، ما أسفر عن وقوع إصابات وأضرار، ونقل موقع الأمم المتحدة عن دوجاريك القول «كما ذكرنا مرارا، ينص القانون الدولي الإنساني على ضرورة حماية المدنيين والبنية التحتية المدنية في جميع الأوقات»، وقد كان المتحدث الأممي يعلق على تعرض شاحنة وقود تابعة للأمم المتحدة يوم الخميس لضربة من جهة البحر، وهي في طريقها لتحميل وقود مطلوب بشدة لتوزيعه داخل غزة.
وترافقت هذه الهجمات العسكرية، مع استمرار تشديد إجراءات الحصار على قطاع غزة، حيث واصلت سلطات الاحتلال تقنين إدخال المساعدات للسكان المحاصرين، متذرعة بالوضع الأمني، بسبب الحرب على إيران.
وقال المتحدث الأممي، أن معبر كرم أبو سالم التجاري جنوب قطاع غزة ظل مفتوحا، ما سمح بمرور الإمدادات الإنسانية، فيما أغلقت إسرائيل جميع المعابر الأخرى بما فيها معبر رفح، وأوضح أنه بسبب هذا الإغلاق، لا تزال عمليات الإجلاء الطبي وعودة السكان من الخارج وتناوب العاملين في المجال الإنساني معلقة.
وأشار إلى أن شركاء الأمم المتحدة داخل غزة، يواصلون تقديم الخدمات الصحية، ويعطون الأولوية للرعاية الطارئة وخدمات الأمومة والولادة وإدارة الأمراض المعدية ورعاية الرضع، لافتا إلى أن شركاء الأمم المتحدة في العمل يديرون استهلاك الوقود بدقة ويعدلون العمليات عند الحاجة.
أوضاع إنسانية صعبة
ولذلك حذر مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا» من أن إغلاق المعابر على طول محيط غزة يستمر في تقويض العمليات الإنسانية، مشيرا إلى أن استمرار إغلاق معبر «زيكيم» يُجبر عمال الإغاثة على إعادة توجيه الإمدادات الحيوية المُخصصة لشمال غزة عبر معبر كرم أبو سالم الجنوبي، الذي لا يزال المعبر الوحيد قيد العمل، وأوضح أن هذا الطريق الطويل أبطأ وأكثر تكلفة.
وأفاد مكتب «أوتشا» بأنه سُمح لبعض العاملين في المجال الإنساني بالتناوب – بين الدخول والخروج من غزة – لأول مرة منذ بدء تصعيد العنف في 28 شباط/فبراير، وذلك عبر معبر كرم أبو سالم، فيما لا تزال عمليات الإجلاء الطبي وعودة الفلسطينيين من الخارج مُعلقة، نظرا لبقاء معبر رفح مغلقا.
وتأثرت جميع الخدمات الأساسية في قطاع غزة، وفي مقدمتها الخدمات الصحية والبيئية جراء شح الوقود الذي يصل القطاع، بسبب تشديد إجراءات الحصار مؤخرا، واشتكى مسؤولون في المجال الطبي من تأثر العمليات المجدولة، فيما أكدت الأمم المتحدة أن عمليات جمع النفايات الصلبة تأثرت أيضا، وهو ما يفاقم درجات الخطر على حياة الغزيين.
أما حركة حماس، فقد أكدت أن استمرار الاحتلال الإسرائيلي بإغلاق معبر رفح تحت حجج أمنية واهية وأكاذيب يمثل انتهاكاً فاضحاً وخطيراً لاتفاق وقف إطلاق النار، وتراجعاً عن التعهدات التي قُدمت للوسطاء، وخاصة مصر، وأن إغلاق المعبر يؤكد نية الاحتلال تشديد الحصار المفروض على غزة، حيث يمنع إغلاقه عشرات آلاف الجرحى من السفر وتلقي حقهم الطبيعي في العلاج، موضحة أن استمرار هذا الوضع قد يتسبب بوفاة العشرات نتيجة حرمانهم من العلاج المناسب خارج القطاع، في ظل تدمير المنظومة الصحية في الداخل، وأكدت أن إغلاق المعبر يمثل خرقاً واضحاً للمواثيق الدولية التي تكفل حرية التنقل وحرية الخروج والدخول إلى أوطانهم.

«القدس العربي»

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب