ثقافة وفنونمقالات

لماذا يهرب البعض من الكتب العميقة؟ بقلم زكريا نمر -السودان –

بقلم زكريا نمر -السودان -

لماذا يهرب البعض من الكتب العميقة؟
بقلم زكريا نمر -السودان –
ليست المشكلة في الكتب العميقة نفسها، بل في البنية النفسية والمعرفية التي يواجه بها الانسان هذا النوع من النصوص. فالكتاب العميق لا يقدم نفسه كمنتج سهل الاستهلاك، ولا كوسيلة للترفيه العابر، بل كأداة تفكيك واعادة تركيب. هو لا يضيف لك معرفة فقط، بل يعيد تشكيل طريقة رؤيتك للعالم ولنفسك، وهذا بالضبط ما يجعل الاقتراب منه فعلا مقلقا. الكتب العميقة لا تطلب قارئا عاديا، بل قارئا مستعدا لان يدخل في صراع مع ذاته. ولهذا، يصبح الهروب منها في كثير من الاحيان ليس موقفا ثقافيا، بل موقفا وجوديا.
القراءة السطحية تمنح القارئ احساسا فوريا بالإنجاز. تنهي الكتاب بسرعة، تخرج بأفكار بسيطة، وربما بعض الاقتباسات الجذابة. اما الكتاب العميق، فهو يبطئك. يجبرك على التوقف، على اعادة القراءة، على التفكير في ما وراء السطور. هنا تتحول القراءة من فعل استهلاكي الى فعل مواجهة. تجد نفسك امام اسئلة لم تكن ترغب في طرحها اصلا: لماذا تعيش بهذه الطريقة؟ ماذا تؤمن حقا؟ هل اختياراتك نابعة منك ام من محيطك؟ هذه الاسئلة لا تمنح متعة، بل قلقا. ولذلك، يفضل كثيرون الكتب التي تريحهم بدلا من تلك التي تربكهم.
الكتب العميقة تعمل كمرآة قاسية. لا تعكس صورتك كما تحب ان تراها، بل كما هي. تكشف التناقضات، تفضح التبريرات، وتضعك امام نسخة منك كنت تتجنبها. المشكلة ان الانسان بطبيعته يميل الى حماية صورته الذاتية. يحتاج الى قدر من الوهم ليحافظ على توازنه النفسي. حين يأتي كتاب ليهدم هذا الوهم، يشعر القارئ بالتهديد. ليس تهديدا خارجيا، بل داخليا يمس استقراره النفسي. لهذا، يصبح الابتعاد عن هذا النوع من الكتب شكلا من اشكال الدفاع عن الذات، حتى لو كان هذا الدفاع قائما على استمرار الخداع.
الوعي ليس دائما نعمة خالصة. في كثير من الاحيان، هو عبء. عندما تفهم اشياء لم تكن تراها من قبل، تفقد براءة الجهل. لا يمكنك ان تعود كما كنت، ولا يمكنك ان تتجاهل ما عرفت. الكتب العميقة توسع ادراكك، لكنها في الوقت نفسه تثقل عليك. تجعلك ترى التعقيد في كل شيء: في العلاقات، في المجتمع، في نفسك. وهذا التعقيد مرهق. لذلك، يختار البعض البقاء في مستوى ادراك ابسط، حيث تبدو الامور اكثر وضوحا، حتى لو كان هذا الوضوح زائفا.
الهروب من الكتب العميقة لا يكون دائما واعيا. في كثير من الاحيان، هو كسل معرفي مغلف بمبررات مقبولة. يقول البعض انه يفضل البساطة، او انه لا يحب التعقيد، او ان وقته لا يسمح. لكن خلف هذه التبريرات، يوجد نفور من الجهد الذهني. الكتاب العميق لا يعطيك المعنى جاهزا. يطلب منك ان تشارك في انتاجه، ان تربط، ان تحلل، ان تعيد التفكير. هذه العملية تتطلب طاقة وتركيزا، وهو ما لا يرغب كثيرون في بذله، خاصة في عالم اعتاد على السرعة والنتائج الفورية. تحولت القراءة عند البعض الى نوع من الاداء الاجتماعي. يقرأ ليظهر انه مثقف، لا ليغير نفسه. يهمه عدد الكتب التي انهى قراءتها، لا عمق ما فهمه منها. الكتب الخفيفة تخدم هذا النمط. يمكن قراءتها بسرعة، اقتباسها بسهولة، والتحدث عنها دون جهد كبير. اما الكتب العميقة، فهي لا تصلح للاستعراض السريع. تحتاج وقتا، وتترك اثرا لا يمكن اختزاله في جملة او جملتين.
اخطر ما في الكتب العميقة انها لا تكتفي بالتشكيك، بل تدفعك نحو اعادة البناء. قد تجعلك تعيد النظر في قناعاتك، في علاقاتك، في مسارك كله. وهذا يعني انك قد تضطر الى التخلي عن اشياء بنيت عليها حياتك. هذا النوع من التحول مكلف. ليس فقط فكريا، بل نفسيا واجتماعيا. قد يخلق صراعات مع محيطك، او مع نفسك. لذلك، يختار البعض الحفاظ على استقراره الحالي، حتى لو كان هشا، بدلا من الدخول في مغامرة التغيير. نحن نعيش في زمن لا يشجع على العمق. كل شيء مصمم ليكون سريعا: المعلومات، الترفيه، حتى العلاقات. في هذا السياق، تصبح الكتب العميقة خارج الايقاع العام. القارئ المعاصر اعتاد على النصوص القصيرة، الافكار المباشرة، والنتائج الفورية. حين يواجه نصا معقدا يحتاج الى صبر وتدرج، يشعر بالانفصال. ليس لان النص صعب بالضرورة، بل لان نمط استهلاكه للمعرفة لم يعد متوافقا معه.
السؤال الذي يفرض نفسه هل الكتب العميقة فعلا صعبة، ام اننا اصبحنا اقل قدرة على التعامل معها؟ ربما الاثنين معا. هناك كتب تتعمد التعقيد، لكن في المقابل، هناك قارئ لم يعد يمتلك ادوات الصبر والتحليل. المشكلة ليست في وجود العمق، بل في فقدان الاستعداد له. الهروب من الكتب العميقة ليس مجرد خيار قرائي، بل مؤشر على علاقة الانسان بنفسه. هو يكشف مدى استعداده للمواجهة، لتحمل القلق، وللتخلي عن اوهامه. الكتب العميقة لا ترفض القارئ، بل تختبره. ومن يبتعد عنها، لا يفعل ذلك لأنه لا يفهمها دائما، بل لأنه يفهم ما يمكن ان تفعله به.
هل نقرأ هذا النوع من الكتب ام لا؟ بل: هل نحن مستعدون لان نخرج من القراءة كما دخلنا، ام اننا نخشى ان نخرج منها اشخاصا مختلفين تماما؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب