حدود القوة العسكرية الأمريكية بين فيتنام والعراق وإيران

حدود القوة العسكرية الأمريكية بين فيتنام والعراق وإيران
عمرو حمزاوي
كاتب مصري
تجبر الحرب الإيرانية الشرق الأوسط والعالم على مواجهة تحولات جذرية. فواقع الحرب يُعيد تشكيل سلاسل الإمداد العالمية ويختبر تحالفات راسخة. كما يُظهر حدود الأمن والاستقرار في الخليج والشرق الأوسط عمومًا في غياب بنية إقليمية موحدة، فضلًا عن حدود التفوق العسكري في إحداث التغيير السياسي المنشود. تُصبح الحرب الإيرانية إحدى اللحظات المحورية في التاريخ الدولي، والتي لا تُقاس فقط بنتائج المعارك العسكرية، بل بأثرها العميق على المكانة السياسية والرمزية للقوى الكبرى، وعلى تصوراتها الذاتية وقدرتها على تشكيل العالم وفقًا لإرادتها. واليوم، مع استمرار الحرب في إيران، تواجه الولايات المتحدة معضلة حقيقية: هل تستطيع التكيف مع عالم لا يمكنها فيه الاعتماد على الهيمنة الأحادية، وحيث تتضح حدود التفوق العسكري أكثر فأكثر؟
يواجه الولايات المتحدة اليوم تحديان رئيسيان: أولهما، التكيف مع التحولات العالمية الجارية دون الحاجة إلى صدمة، وثانيهما، التعافي من ضربة الحرب الإيرانية لشرعيتها كقوة عالمية. ولا شك أن قدرتها على مواجهة هذين التحديين ستُختبر بشكل منهجي خلال السنوات القليلة المقبلة. وإذا أرادت الولايات المتحدة التكيف، فيمكنها استخلاص العبر من تجارب الماضي التي اختُبرت فيها القوى العالمية.
ومن أبرز هذه التجارب أزمة السويس عام 1956، التي تُعدّ نقطة تحول حاسمة في مسار الإمبراطورية البريطانية. فقد كشفت هذه الأزمة حدود القوة الإمبريالية البريطانية ومهدت الطريق لانحدارها في نهاية المطاف، بينما رفعت في الوقت نفسه مكانة الرئيس المصري جمال عبد الناصر كرمز للتحرر الوطني في العالم العربي والنامي. في عام 1956، مارس عبد الناصر حقه السيادي بتأميم قناة السويس، وهو قرار اعتبرته بريطانيا وفرنسا تهديدًا مباشرًا لمصالحهما الاستراتيجية والاقتصادية، بل ولمكانتهما كقوتين إمبرياليتين. كان الرد سريعًا، واتخذ شكل تحالف عسكري ضم لندن وباريس وتل أبيب في عملية تهدف إلى إسقاط الحكومة المصرية، واستعادة السيطرة على القناة، وإعادة فرض معايير النفوذ التقليدية. ومع ذلك، ورغم التفوق العسكري الواضح للمعتدين، انتهت الحملة بفشل سياسي ذريع تحت ضغط دولي مكثف، لا سيما من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، اللذين اعتبرا التصعيد تهديدًا للتوازن الهش للحرب الباردة ولمصالحهما الأوسع. لم يكن هذا الفشل مجرد انتكاسة تكتيكية أو خطأ في إدارة معركة محددة، بل كان بمثابة ضربة قاصمة لصورة بريطانيا كقوة قادرة على فرض إرادتها، مما نذر فعليًا ببداية نهاية دورها كقائدة عالمية.
هذا الدرس، الذي قد يبدو بديهيًا اليوم، لم يكن دائمًا عاملًا في حسابات القوى الكبرى. بل تم تجاهله مرارًا وتكرارًا في الصراعات اللاحقة. تُعدّ الحرب بين الولايات المتحدة وفيتنام مثالًا بارزًا على ذلك. دخلت الولايات المتحدة الحرب وهي تمتلك تفوقًا ساحقًا في التكنولوجيا العسكرية والقدرة التدميرية، ومع ذلك وجدت نفسها عاجزة عن تحقيق نصر حاسم. أما فيتنام، فرغم ضعفها المادي، فقد امتلكت قدرة فائقة على تسخير عوامل أخرى كالشرعية الوطنية والمعرفة المحلية وقيادة مستعدة لتحمّل خسائر بشرية فادحة. لم يكن الصراع غير تقليدي فحسب، بل إن الطرف الآخر لم يكن يسعى إلى نصر عسكري مباشر بقدر ما كان يعتمد على إضعاف إرادة الحكومات الأمريكية اللاحقة. ومع تزايد الخسائر البشرية، وتنامي المعارضة الداخلية في المجتمع الأمريكي، وتراجع الدعم الدولي، أصبح استمرار الحرب مكلفًا سياسيًا إلى درجة أن النصر العسكري لم يعد ممكنًا.
وهكذا، اختُتمت الحرب بانسحاب أمريكي أثبت عجز قوة عظمى عن فرض إرادتها-حتى على دولة أصغر منها بكثير- في حال غياب الشروط السياسية اللازمة. وفي نهاية المطاف، لم تتجرع الولايات المتحدة مرارة الهزيمة على يد خصم عسكري، بل على يد رأيها العام الداخلي. ففي فيتنام، اصطدمت القوة العسكرية الأمريكية بثلاث حقائق جوهرية: أولاً، أن السيطرة على الأرض لا تعادل السيطرة على المجتمع؛ وثانياً، أن التفوق التكنولوجي لا يمكنه أن يعوض عن الافتقار إلى الفهم السياسي والثقافي للسياق المحلي؛ وثالثاً، أن الزمن بحد ذاته يمكن أن يتحول إلى سلاح في أيدي الطرف الأضعف.
أثبت التفوق العسكري مرة أخرى أنه أداة ذات فاعلية محدودة في غياب رؤية سياسية شاملة
وقد تكرر هذا السيناريو- وإن كان في حلة مختلفة- خلال حرب العراق عام 2003، حين نجحت الولايات المتحدة في الإطاحة بنظام صدام حسين بسرعة فائقة، في عملية عسكرية بدت- للوهلة الأولى- مثالاً نموذجياً للتحرك السريع والحاسم. غير أن هذا «النصر العسكري» المزعوم سرعان ما تحول إلى منشأ لأزمة معقدة وطويلة الأمد؛ إذ أدى غياب التخطيط لمرحلة ما بعد الحرب، وحل مؤسسات الدولة، وتفكيك الأجهزة الأمنية، مجتمعةً، إلى خلق فراغ سياسي وأمني. وقد استغلت قوى شتى- داخلية وخارجية على حد سواء- هذا الفراغ، مما أدى إلى تصاعد العنف الطائفي والإرهاب، وأسفر عن استمرار الوجود العسكري الأمريكي لفترة طويلة دون أن ينجح في تحقيق استقرار حقيقي. وفي العراق، بات من الواضح تماماً أن الإطاحة بنظام سياسي لا تترجم تلقائياً إلى بناء نظام بديل، وأن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لإعادة تشكيل المجتمعات أو فرض نماذج للحكم من الخارج. وعلاوة على ذلك، أبرزت التجربة الأهمية الحاسمة للشرعية الدولية؛ إذ أدى غياب توافق دولي واسع النطاق بشأن الحرب إلى تقويض قدرة الولايات المتحدة على حشد الدعم السياسي والمالي، بينما فتح الباب في الوقت ذاته أمام انتقادات واسعة النطاق لسياساتها. وهكذا، أثبت التفوق العسكري مرة أخرى أنه أداة ذات فاعلية محدودة في غياب رؤية سياسية شاملة.
وبالانتقال إلى اللحظة الراهنة في عام 2026، نجد أن الصراع بين الولايات المتحدة وإيران يعيد طرح تلك المعضلات ذاتها، ولكن ضمن سياقٍ أكثر تعقيداً. فعلى الرغم من التفاوت الهائل في القدرات العسكرية، لا تواجه إيران الولايات المتحدة في إطار حرب تقليدية مباشرة؛ بل تعتمد بدلاً من ذلك على مزيج هجين من الأدوات غير المتكافئة، والتي تشمل شبكات إقليمية تضم ميليشيات مسلحة، فضلاً عن القدرات الصاروخية. ويجعل نمط الصراع هذا تحقيق نصر حاسم أمراً بعيد المنال؛ إذ يعمل على تفتيت ساحات المعارك، وإطالة أمد الأعمال العدائية، ورفع التكاليف السياسية والاقتصادية للحرب. ومما يزيد من تعقيد هذا الصراع البيئة الإقليمية والدولية المحيطة به؛ إذ يؤدي غياب توافق دولي واسع النطاق بشأن أهداف الحرب ووسائلها، وتباعد المواقف فيما بين القوى الكبرى، وتردد بعض الحلفاء التقليديين، إلى تقييد قدرة الولايات المتحدة مجتمعةً على ترجمة تفوقها العسكري إلى نتائج سياسية ملموسة. بل إن بعض هذه العوامل ذاتها قد تعمل في الاتجاه المعاكس، من خلال تقويض شرعية العمليات العسكرية أو الحد من فعاليتها.
وفي هذا السياق، تلعب طبيعة النظام الدولي الراهن دوراً حاسماً؛ فلم يعد العالم ثنائي القطبية كما كان عليه الحال إبان حقبة الحرب الباردة، كما لم يعد أحادي القطبية كما بدا في تسعينيات القرن الماضي؛ بل إنه يتجه نحو نظام متعدد الأقطاب يتسم بالتعقيد، وتتداخل فيه أدوار القوى الكبرى مع أدوار القوى الإقليمية والجهات الفاعلة من غير الدول. ويجعل هذا التعدد في الأقطاب من الصعب على أي قوة منفردة- مهما بلغت من عظمة وجبروت- أن تفرض إرادتها بشكل أحادي، مما يعزز بدوره من أهمية بناء التوافقات وتشكيل التحالفات.
٭ كاتب من مصر




