المؤتمر الثامن لحركة فتح: فرصة تاريخية للتجديد الوطني وصناعة المستقبل الفلسطيني

المؤتمر الثامن لحركة فتح: فرصة تاريخية للتجديد الوطني وصناعة المستقبل الفلسطيني
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
مقدمة
ينعقد المؤتمر الثامن لحركة فتح في الرابع عشر من أيار/مايو 2026، في مرحلة تُعد من أكثر المراحل خطورة وتعقيدًا في تاريخ القضية الفلسطينية، حيث تتسارع المتغيرات الإقليمية والدولية، وتتواصل الحرب التدميرية على غزة، ويتصاعد الاستيطان والضم والاعتداءات في الضفة الغربية والقدس، فيما تمضي الحكومة الإسرائيلية المتطرفة في محاولات فرض وقائع جديدة على الأرض الفلسطينية تستهدف الجغرافيا والديموغرافيا والحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني.
وفي ظل هذا المشهد، فإن المؤتمر الثامن لا يجوز أن يكون مجرد استحقاق تنظيمي عادي، أو مناسبة لإعادة إنتاج ذات السياسات والهياكل التي أفرزها المؤتمر السابع، لأن طبيعة المرحلة الراهنة تختلف جذريًا في تحدياتها ومتطلباتها. إن اللحظة الفلسطينية اليوم تحتاج إلى مراجعة شاملة، ورؤية استراتيجية جديدة، وتجديد حقيقي في الفكر والقيادة والأدوات، بما يعيد لحركة فتح دورها التاريخي كقائدة للمشروع الوطني الفلسطيني.
أولًا: لا لاستنساخ مخرجات المؤتمر السابع
إن أكبر خطأ يمكن أن يقع فيه المؤتمر الثامن هو الاكتفاء بإعادة تدوير الأسماء أو استنساخ المخرجات السابقة، وكأن شيئًا لم يتغير. فالعالم تغيّر، والمنطقة تغيّرت، والمشهد الفلسطيني تغيّر، وحتى طبيعة الصراع مع الاحتلال دخلت مرحلة أكثر خطورة مع صعود اليمين الإسرائيلي المتطرف الذي لم يعد يخفي مشروعه القائم على الحسم وضم الأرض وتهجير الإنسان الفلسطيني.
وعليه، فإن المطلوب من المؤتمر الثامن أن يكون مؤتمرًا للتحول لا للاستمرار، ومؤتمرًا للتجديد لا للمجاملة، ومؤتمرًا للمصارحة الوطنية لا لإدارة التوازنات الداخلية الضيقة.
ثانيًا: صياغة رؤية استراتيجية للمستقبل الفلسطيني
المؤتمر مطالب بوضع برنامج سياسي وطني جديد يجيب عن الأسئلة المصيرية التي تواجه الشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها:
- ما شكل المشروع الوطني الفلسطيني في ظل انهيار مسار التسوية؟
- كيف يمكن مواجهة الاستيطان والضم وتفكيك سياسات فرض الأمر الواقع؟
- ما آليات حماية القدس والضفة الغربية من التهويد والتقطيع الجغرافي؟
- كيف تُدار العلاقة مع المجتمع الدولي في ظل تبدل موازين القوى العالمية؟
- ما الرؤية الوطنية لإعادة إعمار غزة وتوحيد النظام السياسي الفلسطيني؟
إن المرحلة تفرض الانتقال من ردود الفعل إلى الفعل السياسي المنظم، ومن إدارة الأزمة إلى صناعة البدائل الوطنية.
ثالثًا: تجديد القيادة على أساس الكفاءة والقدرة
إن حركة فتح، بصفتها الحركة الوطنية الأكبر، تحتاج إلى تجديد هياكلها القيادية عبر ضخ دماء جديدة من الكفاءات الوطنية والشبابية والنسائية، بعيدًا عن منطق المحاصصة أو الأقدمية وحدها. فالشرعية التنظيمية لا تُبنى فقط على التاريخ النضالي، بل على القدرة على الإنجاز، والكفاءة في الإدارة، والالتصاق بقضايا الناس.
وعليه، فإن تجديد اللجنة المركزية والمجلس الثوري والأقاليم يجب أن يستند إلى معايير واضحة، قوامها النزاهة، والكفاءة، والخبرة، والقدرة على القيادة والتواصل والعمل الميداني.
رابعًا: إعادة النظر في النظام الداخلي للحركة
من أهم استحقاقات المؤتمر الثامن إعادة مراجعة النظام الداخلي لحركة فتح، بما يواكب متطلبات المرحلة، ويعزز المؤسسية والانضباط والعدالة التنظيمية.
ويشمل ذلك:
- تنظيم ملف العضوية وتثبيتها وفق معايير دقيقة وواضحة.
- منع التضخم العددي غير المنظم الذي يضعف البناء التنظيمي.
- وضع شروط موضوعية للترشح للأقاليم والمواقع القيادية.
- اشتراط الكفاءة والخبرة والسجل التنظيمي والنزاهة لمن يتقدم للمسؤولية.
- اعتماد آليات انتخابية شفافة تضمن تكافؤ الفرص.
- تفعيل المساءلة والمحاسبة ومنع احتكار المواقع.
فالحركة القوية هي التي تبني مؤسساتها على القانون والجدارة، لا على العلاقات الشخصية أو موازين النفوذ.
خامسًا: استعادة مكانة فتح جماهيريًا ووطنيًا
الجماهير الفلسطينية لا تريد خطابات تقليدية، بل تريد حركة حاضرة في الميدان، تدافع عن الأرض، وتتصدى للاستيطان، وتتبنى قضايا الشباب والمرأة والأسرى واللاجئين والعمال والطلبة.
إن استعادة ثقة الشارع تتطلب خطابًا جديدًا، وممارسة جديدة، وأدوات حديثة في التواصل والتنظيم، تجعل الحركة أقرب إلى الناس وأكثر تعبيرًا عن آمالهم وآلامهم.
التوصيات
- عقد مؤتمر نوعي يضع رؤية وطنية شاملة لا مجرد ترتيبات تنظيمية.
- رفض استنساخ مخرجات المؤتمر السابع أو إعادة تدوير القيادات ذاتها.
- انتخاب قيادة جديدة على أساس الكفاءة والنزاهة والقدرة على الإنجاز.
- إقرار برنامج سياسي واقعي لمواجهة الاستيطان ومخططات الضم.
- تعديل النظام الداخلي بما ينظم العضوية والترشح والمساءلة.
- تمكين الشباب والمرأة والنخب المهنية من مواقع القرار.
- إطلاق خطة لاستعادة ثقة الجماهير وتفعيل العمل الميداني.
- العمل على إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية.
ونختم بالقول أن المؤتمر الثامن لحركة فتح ليس محطة تنظيمية عابرة، بل فرصة تاريخية قد لا تتكرر. فإذا أحسن قراءة اللحظة السياسية، وامتلك الجرأة على الإصلاح والتجديد، يمكن أن يشكل بداية نهوض وطني جديد يعيد الاعتبار للحركة وللمشروع الوطني الفلسطيني. أما إذا تحول إلى مجرد إعادة إنتاج للماضي، فإن الخسارة لن تكون فتحاوية فقط، بل وطنية شاملة في لحظة لا تحتمل مزيدًا من إضاعة الفرص.



